مقالات شهر رمضان (2-9) *

 

أحوال الصائمين:

الصائمون على طبقتين:

إحداهما: من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله - تعالى -، يرجو عنده عوض ذلك في الجنة، فهذا قد تاجر مع الله وعامله، والله - تعالى -"لا يُضيع أجر من أحسن عملا ولا يخيب معه من عامله، بل يربح عليه أعظم الربح. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لرجل: "إنك لن تدع شيئا اتقاء الله إلا آتاك الله خيرا منه". [خرجه الإمام أحمد (5/79)]. فهذا الصائم يعطى في الجنة ما شاء الله من طعام وشراب ونساء، قال الله - تعالى -: "كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية". قال مجاهد وغيره: نزلت في الصائمين.

قال يعقوب بن يوسف الحنفي: بلغنا أن الله - تعالى -يقول لأوليائه يوم القيامة: يا أوليائي، طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة، وغارت أعينكم، وخفقت بطونكم؛ كونوا اليوم في نعيمكم، وتعاطوا الكأس فيما بينكم، و"كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية". وقال الحسن: تقول الحوراء لولي الله وهو متكىء معها على نهر العسل تعاطيه الكأس: إن الله نظر إليك في يوم صائف بعيد ما بين الطرفين، وأنت في ظمأها حرة من جهد العطش، فباهى بك الملائكة، وقال: انظروا إلى عبدي ترك زوجته وشهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي، رغبة فيما عندي اشهدوا إني قد غفرت له؛ فغفر لك يومئذ وزوجنيك.

وفي الصحيحين [أخرجه البخاري (1896)، ومسلم (1152)]. عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن في الجنة بابا يقال له" الريان، يدخل منه الصائمون، لا يدخل منه غيرهم"، وفي رواية: "فإذا دخلوا أغلق". وفي رواية: "من دخل منه شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا". وفي "حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه الطويل، قال: "ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما ورد حوضا منع منه فجاءه صيام رمضان، فسقاه وأرواه". خرجه الطبراني [من حديث طويل ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد (7/179)، وقال: "رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما سليمان بن أحمد الواسطي، وفي الآخر خالد بن عبد الرحمن المخزومي، وكلاهما ضعيف". وانظر "إتحاف السادة المتقين (8/119)]. وغيره. وروى ابن أبي الدنيا بإسناد فيه ضعف، عن أنس مرفوعا: "الصائمون ينفح من أفواههم ريح المسك، ويوضع لهم مائدة تحت العرش؛ يأكلون منها والناس في الحساب". [الدر المنثور (1/182) نقلاً عن كتاب الجوع، لابن أبي الدنيا].

وعن أنس موقوفا: "إن لله مائدة لم تر مثلها عين، ولم تسمع أذن، ولا خطر على قلب بشر، لا يقعد عليها إلا الصائمون".

من ترك لله في الدنيا طعاما وشرابا وشهوة مدة يسيرة عوضه الله عنده طعاما وشرابا لا ينفذ، وأزواجا لا يمتن أبدا. شهر رمضان فيه يزوج الصائمون. في الحديث [ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد (3/142)، عن ابن عمر، مختصراً، وقال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار، وفيه الوليد بن الوليد القلانسي، وثقه أبو حاتم وضعفه جماعة"]: "إن الجنة لتزخرف وتنجد من الحول إلى الحول لدخول رمضان، فتقول الحور: يا رب، اجعل لنا في هذا الشهر من عبادك أزواجا تقر أعيننا بهم، وتقر أعينهم بنا". وفي حديث آخر: "إن الحور تنادي في شهر رمضان: هل من خاطب إلى الله فيزوجه".

مهور الحور العين: طول التهجد، وهو حاصل في رمضان أكثر من غيره.

 

الطبقة الثانية من الصائمين:

من يصوم في الدنيا عما سوى الله، فيحفظ الرأس وما حوى، ويحفظ البطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا. فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه وفرحه برؤيته:

أهل الخصوص من الصوام صومهم *** صون اللسان عن البهتان والكذب

والعارفون وأهل الإنس صومهم*** صون القلوب عن الأغيار والحجب

 

العارفون لا يسليهم عن رؤية مولاهم قصر ولا يرويهم دون مشاهدته نهر هممهم أجل من ذلك:

كبرت همة عبـد *** طمعت في أن تراك

من يصم عن مفطرات *** فصيامي عمن سواك

 

من صام عن شهواته في الدنيا أدركها غدا في الجنة. ومن صام عما سوى الله، فعيده يوم لقائه، "من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت".

وقد صمت عن لذات دهري كلها*** ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي

يا حبيب القلوب مالي سواكا *** رحم اليوم مذنبا قد أتاكا

ليس لي في الجنان مولاي رأي *** غير أني أريدها لأراكا

 

يا معشر التائبين! صوموا اليوم عن شهوات الهوى؛ لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء، لا يطولن عليكم الأمل باستبطاء الأجل؛ فإن معظم نهار الصيام قد ذهب، وعيد اللقاء قد اقترب.

إن يوما جامعا شملي بهم *** ذاك عيدي ليس لي عيد سواه

 

خلوف فم الصائم:

وقوله: "ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، خلوف الفم: رائحة ما يتصاعد منه من الأبخرة؛ لخلو المعدة من الطعام بالصيام. وهي رائحة مستكرهة في مشام الناس في الدنيا، لكنها طيبة عند الله حيث كانت ناشئة عن طاعته، وابتغاء مرضاته. كما أن دم الشهيد يجيء يوم القيامة يثغب دما، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك. وبهذا استدل من كره السواك للصائم، أو لم يستحبه من العلماء. وأول من علمناه استدل بذلك عطاء بن أبي رباح. وروي عن أبي هريرة: أنه استدل به، لكن من وجه لا يثبت. وفي المسألة خلاف مشهور بين العلماء. وإنما كرهه من كرهه في آخر نهار الصوم؛ لأنه وقت خلو المعدة وتصاعد الأبخرة. وهل وقت الكراهة بصلاة العصر، أو بزوال الشمس، أو بفعل صلاة الظهر في أول وقتها، على أقوال ثلاثة، والثالث: هو المنصوص عن أحمد.

وفي طيب ريح خلوف الصائم عند الله - عز وجل - معنيان:

أحدهما: أن الصيام لما كان سرا بين العبد وبين ربه في الدنيا، أظهره الله في الآخرة علانية للخلق؛ ليشتهر بذلك أهل الصيام، ويعرفون بصيامهم بين الناس جزاء لإخفائهم صيامهم في الدنيا. وروى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناد فيه ضعف، عن أنس مرفوعا: "يخرج الصائمون من قبورهم يعرفون بريح أفواههم، أفواههم أطيب من ريح المسك" [بعض حديث في كنز العمال (8/23644)؛ وعزاه إلى أبي الشيخ في الثواب والديلمي عن أنس].

قال مكحول: يروح أهل الجنة برائحة، فيقولون: ربنا، ما وجدنا ريحا منذ دخلنا الجنة أطيب من هذه الريح. فيقال: هذه رائحة أفواه الصوام. و قد تفوح رائحة الصيام في الدنيا و تستنشق قبل الآخرة و هو نوعان:

 

ظهور رائحة الصيام في الدنيا:

أحدهما: ما يدرك بالحواس الظاهرة، كان عبد الله بن غالب من العباد المجتهدين في الصلاة والصيام، فلما دفن كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك، فرؤي في المنام، فسئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره، فقال: تلك رائحة التلاوة والظمأ [انظر الخبر في صفة الصفوة (3/334)].

والنوع الثاني: ما تستنشقه الأرواح والقلوب، فيوجب ذلك للصائمين المخلصين المودة والمحبة في قلوب المؤمنين. وفي حديث الحارث الأشعري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أن زكريا - عليه السلام - قال لبني إسرائيل: آمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة، معه صرة فيها مسك، فكلهم تعجبه ريحه، وإن ريح الصيام أطيب عند الله من ريح المسك" [خرجه الترمذي (2867) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وأخرجه أحمد في مسند (4/130)، والحاكم في المستدرك وصححه]. وغيره.

لما كان معاملة المخلصين بصيامهم لمولاهم سرا بينه وبينهم، أظهر الله سرهم لعباده فصار علانية، فصار هذا التجلي والإظهار جزاء لذلك الصون والإسرار.

في الحديث: "ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية" [ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (10/225) عن جندب بن سفيان، وقال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه حامد بن آدم وهو كذاب". وأورده الألباني في "ضعيف الجامع الصغير (5/81) وقال: "ضعيف جداً". ونص الحديث: "ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها: إن خيراً فخير، وإن شراً فشر"].

قال يوسف بن أسباط: أوحى الله - تعالى -إلى نبي من الأنبياء: قل لقومك يخفون لي أعمالهم، وعلي إظهارها لهم.

تذلل أرباب الهوى في الهوى عز *** وفقرهم نحو الحبيب هو الكنز

وسترهم فيه السرائر شهرة *** وغير تلاف النفس فيه هو العجز

 

والمعنى الثاني: أن من عبد الله وأطاعه، وطلب رضاه في الدنيا بعمل، فنشأ من عمله آثار مكروهة للنفوس في الدنيا، فإن تلك الآثار غير مكروهة عند الله، بل هي محبوبة له وطيبة عنده؛ لكونها نشأت عن طاعته واتباع مرضاته. فإخباره بذلك للعاملين في الدنيا فيه تطبيب لقلوبهم؛ لئلا يكره منهم ما وجد في الدنيا. قال بعض السلف: وعد الله موسى ثلاثين ليلة أن يكلمه على رأسها؛ فصام ثلاثين يوما، ثم وجد من فيه خلوفا، فكره أن يناجي ربه على تلك الحال، فأخذ سواكا فاستاك به، فلما أتى لموعد الله إياه، قال له: يا موسى، أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندنا من ريح المسك، ارجع فصم عشرة أخرى.

ولهذا المعنى كان دم الشهيد ريحه يوم القيامة كريح المسك، وغبار المجاهدين في سبيل الله ذريرة أهل الجنة.

ورد في حديث مرسل. كل شيء ناقص في عرف الناس في الدنيا؛ حتى إذا انتسب إلى طاعته ورضاه فهو الكامل في الحقيقة.

 

عظة وذكرى:

خلوف أفواه الصائمين له أطيب من ريح المسك. عري المحرمين لزيارة بيته أجمل من لباس الحلل. نوح المذنبين على أنفسهم من خشيته أفضل من التسبيح. انكسار المخبتين لعظمته هو الجبر. ذل الخائفين من سطوته هو العز. تهتك المحبين في محبته أحسن من الستر. بذل النفوس للقتل في سبيله هو الحياة. جوع الصائمين لأجله هو الشبع، عطشهم في طلب مرضاته هو الري. نصب المجتهدين [في ش: "المتهجدين"]. في خدمته هو الراحة.

ذل الفتى في الحب مكرمة *** وخضوعه لحبيبه شرف

 

هبت اليوم على القلوب نفحة من نفحات نسيم القرب. سعى سمسار المواعظ للمهجورين في الصلح. وصلت البشارة للمنقطعين بالوصل، وللمذنبين بالعفو، والمستوجبين النار بالعتق.

لما سلسل الشيطان في شهر رمضان، وخمدت نيران الشهوات بالصيام، انعزل سلطان الهوى، وصارت الدولة لحاكم العقل بالعدل؛ فلم يبق للعاصي عذر. يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي. يا شموس التقوى والإيمان اطلعي. يا صحائف أعمال الصائمين [في ب، ش: "القائمين" وفي ط: "الصائمين"]. ارتفعي. يا قلوب الصائمين اخشعي. يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك واركعي. يا عيون المجتهدين لا تهجعي. يا ذنوب التائبين لا ترجعي. يا أرض الهوى ابلعي ماءك. ويا سماء النفوس أقلعي. يا بروق الأشواق للعشاق المعي. يا خواطر العارفين ارتعي. يا همم المحبين بغير الله لا تقنعي.

قد مدت في هذه الأيام موائد الإنعام للصوام، فما منكم إلا من دعي. "يا قومنا أجيبوا داعي الله" ويا همم المؤمنين أسرعي، فطوبى لمن أجاب فأصاب، وويل لمن طرد عن الباب وما دعي.

سألتك يا بانة الأجرعي *** متى رفع الحي من لعلعي

وهل مر قلبي مع الظاعنين *** أم خار ضعفاً فلم يتبعي

رحلنا ووافقـنا الصادقون ***ولم يتخلف سوى مدعي

ليت شعري إن جئتهم يقبلوني *** أم تراهم عن بابهم يصرفوني

أم تراني إذا وقفت لديهم*** يأذنوا بالدخول أم يطردوني

 

-------------------

(*) منتقى من كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف للعلامة/ أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الدمشقي [المتوفى: 795هـ] (تحقيق يا سين محمد السواس -دار ابن كثير-).

 

1/9/1428 

13/09/2007

 

http://www.islamtoday.net                      المصدر: