في ذكرى وفاته ... ماذا خلف الخميني للإيرانيين ؟

صباح الموسوي

 

انتهت في إيران قبل أيام مراسيم العزاء التي تقيمها السلطة في مطلع شهر حزيران من كل عام بمناسبة وفات مؤسس الجمهورية وقائد ثورتها آية الله الخميني الذي يصفه الخطاب الرسمي بإمام الأمة ويطلق عليه معارضوه لقب قاتل الشعوب والمستضعفين  وذلك لما لقيه هؤلاء المعارضون على يده من قمع لم يسبق له مثيل في الدولة الإيرانية الحديثة التي أسسها عام 1926م رضا خان بهلوي والد الشاه محمد رضا الذي أطاحت الثورة الشعبية بنظامه سنة 1979م بعد حكم دامت مدته أربعون عاما تقريبا اشتهر فيها بشدة القمع و الاضطهاد للمعارضة السياسية عامة والشعوب والقوميات غير الفارسية خاصة إلا أنه وعلى الرغم من شدة قمعه فقد تمكن بالمقابل أن يبني للإيرانيين بلدا متقدما اقتصاديا وعمرانيا وثقافيا وعسكريا فريدا من نوعه في المنطقة قياسا بما كانت عليه بلدان المنطقة آنذاك.

 

وتلك هي ربما كانت أحد أهم العوامل التي جعلت الأجيال التي عاصرت الحقبة البهلوية تتمنى لو عادة إيران إلى سابق عهدها وذلك لشدة ما تعانيه البلاد اليوم من حالة يمكن وصف الكثير من جوانبها بالمأساوية.

وهذا لا يعني بضرورة أن الثورة وإسقاط النظام البهلوي كان خطاء ارتكبته الشعوب الإيرانية فإن إسقاط النظام البهلوي كان أمراً لابد منه لكي يتعلم الحكام احترام إرادة الشعوب والاستجابة لمطالبها العادلة  ويتعلموا إن القمع كلما اشتد وطال أمده كلما سهل عملية الانفجار الشعبي. وهذا ما حصل بالفعل مع النظام البهلوي الذي اعتمد على السافاك (الشرطة السرية) في قمع المعارضين الذين أخذ يتزايد عددهم وتكثر مطالبهم كلما زاد قمع السافاك لهم.

ولكن الفارق أن الشاه حين منع التعددية السياسية فإنه قام بالمقابل على تنمية بلاده اقتصاديا و وفر فرص كبيرة للعمل و أنشأ جامعات عصرية متطورة،  وعمل على تطوير طرق المواصلات البرية وصار يمتلك أحدث أسطول جوي وبحري، وكانت الكهرباء وخطوط المياه الصالحة للشرب قد وصلت إلى أبعد النقاط في البلاد.

ولكن مع ذلك كله فإن هذا لم يشفع له بأن يتفرد بالقرار ويحرم الإيرانيين من حق المشاركة في الحكم،  ولهذا انتفض الإيرانيون بكافة قومياتهم و فئاتهم السياسية والاجتماعية و تمكنوا من إسقاط الشاه و إنهاء حكم الأسرة البهلوية على أمل أن يحضوا بعصر واعد تحترم فيه آرائهم و تتحقق فيه تطلعاتهم.

غير أن ما حصل هو أن الخميني الذي كان آنذاك يمثل واجهة رجال الدين المعارضين لنظام الشاه، قد تمكن من ركوب الموجة وعرف كيف تأكل الكتف بعد أن تهيئ له من الدعم الخارجي ما لم يتوفر لغيره إلى حد الذي سخر فيه القسم الفارسي في هيئة الإذاعة البريطانية، وكذلك القسم الفارسي في صوت أمريكا و راديو منتكارلو وغيرها من الإذاعات الدولية، كافة برامجهما اليومية إلى الإشادة بالخميني وبث رسائله وخطاباته الصوتية وتلميع صورته و إبرازه على أنه القائد الأوحد في المعارضة الإيرانية لنظام الشاه،  متجاهلة قادة آخرين كانوا قد سبقوا الخميني في معارضتهم للشاه وكانوا أكثر ثقافة وعلما منه وكانت أطروحاتهم السياسية أكثر انفتاحا و ديمقراطية من اطروحات الخميني الذي كان قد أدرجها في كتيب صغير بعنوان " الحكومة الإسلامية " وهو ملخص لرؤيته في إقامة نظام إسلامي.

وكانت هذه الرؤية يعتريها الكثير من الضبابية والغموض حيث ركزت في مجملها على نقد سياسة الشاه وتعدد الجرائم التي كانت ترتكب آنذاك دون الغوص في تفاصيل المشروع السياسي الذي يحمله للحكومة الإسلامية التي يريدها.

وهذا بحد ذاته كان أحد أوجه الخدع الكثيرة التي مارسها الخميني مع الشعوب الإيرانية،  فهو في كتيبه المذكور لم يتطرق إلى مسالة " ولاية الفقيه " التي أصبحت نصا دستوريا فيما بعد لتكون أداة تلغي جميع الآراء الأخرى التي لا تتطابق مع رأي الخميني وسيفا مسلطا على رقاب خصومه الذين تطايرت رؤوس عشرات وربما مئات الآلف منهم في مسلخ ولاية الفقيه المطلقة.

ظاهرة المذابح الجماعية التي عمت أقاليم ومدن الشعوب والقوميات غير الفارسية وعمليات تبيض السجون عبر حفلات الإعدام الجماعي للمعارضين ظاهرة امتاز فيها عهد الخميني،  كما أن دخول إيران في حرب ثمانية سنوات شنت على العراق تحت شعار تصدير الثورة وشعار " تحرير القدس يمر عبر كربلاء " كانت هي الأخرى بدعة خمينية لم تشهدها إيران من قبل.

فإذا كانت إيران في العهد البهلوي قد دخلت في مناوشات مع العراق بسبب أطماع جغرافية توسعية إلا إنها لم تذكر يوما مسألة القدس،  حيث أن قضية فلسطين لم يكن لها وليس لها إلى الآن أي عمق في الثقافة العقدية أو السياسية الإيرانية،  و إنما أوردها الخميني في خطاباتها السياسية لتكون مجرد شعار للتغطية على نواياه التوسعية وتبريرا لحرب السنوات الثمانية التي لم يجني منها الإيرانيون سوى الخراب والدمار وقتل أكثر من مليون شخص ، ناهيك عن ملايين الجرحى والمهجرين و تحطيم الاقتصاد وتفشي الفقر و الفساد في المجتمع.

والأمر من ذلك أن الخميني كان شديد الأسف على وقف هذه الحرب حيث قال كلمته المشهورة التي حفظها الصغير والكبير " إني أتجرع السم على قبولي وقف إطلاق النار " فإنه وبدل أن يشكر الله على وقف إطلاق النار بين البلدين ويحمده - تعالى -على وقف نزيف المسلمين من أبناء البلدين فإنه قد أبدى أسفه على عدم تمكنه من رؤية قتل المزيد من أبناء الشعوب الإيرانية و أبناء الشعب العراقي.

حكم الخميني إيران ما يقارب العشرة سنوات اتسمت بأبشع صور الظلم و الاضطهاد والقمع السياسي والتفرقة العنصرية والطائفية وحين مات بعلته المعروفة التي عبر عنها بلسانه،  فإنه قد أورث للشعوب الإيرانية،  التي استبشرت الخير بموته،  ما لم يتصوره الإيرانيون و العقلاء جمعاء،  حيث وبعد مضي ثمانية عشرا عاما على وفاته فإن العقلية الخمينية و غطرسته الكهنوتية وتخلفه الفكري و السياسي ما تزال هي الحاكمة في إيران.

فهذا هو خليفته الخامنئي يتربع اليوم على كرسي ولاية الفقيه يدار بيد تجار البازار ورجالات الحرس الثوري الذين أصبحوا المهيمنين على مفاصل السلطة ضاربين بيد من حديد كل من تسول له نفسه إطلاق صيحة اعتراض على السياسة التي تدار بها البلاد.

لقد ورّث الخميني الإيرانيين سلطة جبارة و رئيسا مهووسا لا يجيد سوى مقولة واحدة: سنزيل إسرائيل من الوجود! ، (وقد أصبح يكررها يوميا على الإعلام ويعاود مساعدوه وينكرونها أو يحاولون تغير معناها) بالإضافة إلى مسئولين يتعاركون على ما إذا كانت المتعة (الدعارة المشرعنة) أكثر أم أقلها نفعا للمجتمع الإيراني. ولا أحد يدري هل مجرد التشدق بشعار (زوال إسرائيل) سوف يصلح الاقتصاد الإيراني المنهار و يوقف تمزق المجتمع الإيراني الذي أصبح عدد المدنين على المخدرة فيه يتجاوز الثلاثة ملايين شخص، و هل يحد هذا الشعار من بيع الفتيات الإيرانيات في معارض النخاسة التي تقام في بعض البلدان المجاورة، حيث أصبحت فنادق و كازينوهات دبي وتركيا وغيرها من الدول المجاورة الأخرى تعجبهن؟.

هذا ناهيك عن ظاهرة أبناء وبنات الشوارع التي باتت تعج بهم شوارع طهران والمدن الكبرى ولا أحد يعلم من أين آتوا و من هم أهلوهم. حيث بعضهم هرب من شدة الفقر وبعضهم طرد لإدمانه على المخدرات والبعض الآخر يعيش في الشارع لأنه ابن متعة وليس له أب يعترف به. أليس هذا ما تركه الخميني للإيرانيين أم هناك شيء آخر لا نعرفه؟.

http://www.islammemo.cc                      المصدر: