مقالات شهر رمضان (3-9)*
فضل الجود في رمضان:
في الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن؛ فلرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة".
وخرجه الإمام أحمد بزيادة في آخره وهي: "لا يسأل عن شيء إلا أعطاه". الجود: هو سعة العطاء وكثرته، والله - تعالى -يوصف بالجود.
وفي الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله جواد يحب الجود، كريم يحب الكرم". [قطعة من حديث أخرجه الترمذي (2800) قال الترمذي: هذا حديث غريب، وخالد بن إلياس يضعف ولفظه فيه: "إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أراه قال: أفنيتكم- ولا تشبهوا باليهود"].
وفيه أيضاً: من حديث أبي ذر - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: عن ربه، قال: يقول الله - تعالى -: "يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد، فسأل كل إنسان منكم، ما بلغت أمنيته، فأعطيت كل سائل منكم، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر، فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه؛ ذلك بأني جواد واجد ماجد، أفعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن فيكون" [رواه أحمد في مسنده (5/154)، (177) مع اختلاف يسير، والترمذي (2497)، وأصله في صحيح مسلم (2577)].
وفي الأثر المشهور عن فضيل بن عياض: أن الله - تعالى -يقول كل ليلة: أنا الجواد ومني الجود، أنا الكريم ومني الكرم. فالله - سبحانه وتعالى - أجود الأجودين، وجوده يتضاعف في أوقات خاصة، كشهر رمضان، وفيه أنزل قوله - تعالى -: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان".
وفي الحديث الذي أخرجه الترمذي [(682) عن أبي هريرة. وبنحوه من حديث عُتْبَة بن فَرْقَد عند النسائي (4/129-130) وهو حديث حسن]. وغيره: "أنه ينادي فيه مناديا يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة".
كرم النبي - صلى الله عليه وسلم - وجوده وإيثاره:
ولما كان الله - عز وجل - قد جبل نبيه - صلى الله عليه وسلم - على أكمل الأخلاق وأشرفها، كما في حديث أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وذكره مالك في الموطأ [والحديث في الموطأ (2/904) في حسن الخلق: باب ما جاء في حسن الخلق، وإسناده منقطع، ولكن للحديث شواهد بمعناه يرتقي بها إلى درجة الحسن، وقال ابن عبد البر: هو حديث مدني صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره، وللطبراني عن جابر مرفوعاً "إن الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال" انظر جامع الأصول (4/4)]. بلاغا. فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس كلهم.
وخرج ابن عدي [الكامل لابن عدي (1/350) عن أيوب بن ذكوان، قال: وعامة ما يرويه لا يتابع عليه]. بإسناد فيه ضعف من حديث أنس مرفوعا: "ألا أخبركم بالأجود الأجود؟ الله الأجود الأجود، وأنا أجود بني آدم، وأجودهم من بعدي رجل علم علما فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمة وحده، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله". فدلَّ هذا على أنه - صلى الله عليه وسلم - أجود بني آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة.
وكان جوده بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله - تعالى -في إظهار دينه وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق؛من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم.
ولم يزل - صلى الله عليه وسلم - على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ، ولهذا قالت له خديجة في أول مبعثه: والله، لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكَلَّ [الكل: الثقل من كل ما يتكلف، والعيال. (النهاية 4/198)]. وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق [من حديث طويل عن عائشة - رضي الله عنها -، وأخرجه البخاري (2) وأخرجه مسلم (160)].
ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتضاعفت أضعافا كثيرة. وفي الصحيحين [أخرجه البخاري مطولاً (2857) ومسلم (2307)]. عن أنس، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود الناس". وفي [صحيح مسلم (2312)]. عنه، قال: "ما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام شيئا إلا أعطاه، فجاء رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة". وفي رواية له: أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - غنما بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه، فقال: يا قوم أسلموا؛ فإن محمدا يعطي عطاء ما يخاف الفقر.
قال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها. وفيه [أخرجه مسلم (2313)]. أيضا: عن صفوان بن أمية، قال: لقد أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أعطاني، وإنه لمن أبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي. قال ابن شهاب [هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري توفي سنة 124هـ]: أعطاه يوم حنين مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة، وفي مغازي الواقدي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى صفوان يومئذ واديا مملوءاً إبلا ونعما، فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي. وفي الصحيحين [أخرجه البخاري (2821 ولم يرد في صحيح مسلم]. عن جبير بن مطعم: أن الأعراب علقوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مرجعه من حنين يسألونه أن يقسم بينهم، فقال: "لو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً، ولا كذوباً، ولا جباناً".
وفيهما [أخرجه البخاري (6034، ومسلم (2311)]. عن جابر، قال: "ما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا فقال: لا"، وأنه قال لجابر: لو جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، وقال: بيديه: جميعاً. [واخَرَّج البخاري [(1277)]. من حديث سهل بن سعد: أن شملة أهديت للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلبسها وهو محتاج إليها، فسأله إياها رجل فأعطاه، فلامه الناس، وقالوا: كان محتاجا إليها، وقد علمت أنه لا يرد سائلا، فقال: إنما سألتها لتكون كفني، فكانت كفنه. وكان جوده - صلى الله عليه وسلم - كله لله - عز وجل -، وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال: إما لفقير، أو محتاج، أو ينفقه في سبيل الله، أو يتألف به على الإسلام من يَقْوَى الإسلامُ بإسلامه.
وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده، فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع. وكان قد أتاه - صلى الله عليه وسلم - سبي مرة، فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت، وطلبت منه خادما يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها، وقال: "لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع" [أخرجه البخاري (6/215)]. وكان جوده - صلى الله عليه وسلم - يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه تضاعف فيه أيضا، فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة، وكان على ذلك من قبل البعثة.
ذكر ابن إسحاق عن وهب بن كيسان، عن عبيد بن عمير، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجاور في حراء من كل سنة شهراً، يطعم من جاءه من المساكين، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به ما أراد من كرامته، من السنة التي بعثه فيها، وذلك الشهر شهر رمضان، خرج إلى حراء كما يخرج لجواره معه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله - تعالى -برسالته، ورحم العباد بها، جاءه جبريل من الله - عز وجل -. ثم كان بعد الرسالة جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل ذلك؛ فإنه كان يلتقي هو وجبريل - عليه السلام -، وهو أفضل الملائكة وأكرمهم، ويدارسه الكتاب الذي جاء به إليه، وهو أشرف الكتب وأفضلها، وهو يحث على الإحسان ومكارم الأخلاق.
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الكتاب له خلقاً بحيث يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حث عليه، و يمتنع مما زجر عنه؛ فلهذا كان يتضاعف جوده وإفضاله في هذا الشهر؛ لقرب عهده بمخالطة جبريل - عليه السلام -، وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم، الذي يحث على المكارم والجود. ولا شك إن المخالطة تؤثر وتورث أخلاقا من المخالط. كان بعض الشعراء قد امتدح ملكا جواداً، فأعطاه جائزة سنية، فخرج بها من عنده وفرقها كلها على الناس، فأنشد:
لمست بكفي كفه أبتغي الغنا *** ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
[أحد بيتين مشهورين لابن الخياط، مدح بهما المهدي، وهما في الأغاني (18/14)، وأمالي المرتضى (1/522)، وبعده:
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى *** أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي].
فبلغ ذلك الملك فأضعف له الجائزة، وقد قال بعض الشعراء يمتدح بعض الأجواد ولا يصلح أن يكون ذلك إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
تعود بسط الكف حتى لو أنه*** ثناها لقبض لم تجبه أنامله
تراه إذا ما جئته متهللا *** كأنك تعطيه الذي أنت سائله
هو البحر من أي النواحي أتيته*** فلجته المعروف والجود ساحله
ولو لم يكن في كفه غير روحه *** لجاد بها فليتق الله سائله
[الأبيات عدا البيت الثاني في ديوان أبي تمام (3/29) من قصيدة في مدح المعتصم بالله. والثاني لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص57. ونسب بعضها لعدد من الشعراء].
فوائد تضاعف الكرم النبوي في رمضان:
وفي تضاعف جوده - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:
منها: شرف الزمان، ومضاعفة أجر العمل فيه. وفي الترمذي [وأورده الألباني في كتابه "ضعيف الجامع الصغير" (1117)] عن أنس مرفوعاً: "أفضل الصدقة صدقة رمضان"،
ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم، كما أن من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا.
وفي حديث زيد بن خالد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من فطر صائما فله مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء". خرَّجه الإمام أحمد [في المسند (4/114-116]. والنسائي، والترمذي، وابن ماجه. وخرجه الطبراني ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (3/157) وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه الحكم بن عبد الله الأبلي، وهو متروك"]. من "حديث عائشة، وزاد: "وما عمل الصائم من أعمال البر إلا كان [أجره] لصاحب الطعام ما دام قوة الطعام فيه".
وخرج ابن خزيمة في صحيحه [(1887) في فضائل شهر رمضان، وروي هنا مختصراً. وإسناده ضعيف. قال البنا في "الفتح الرباني (9/223): رواه ابن خزيمة في صحيحه، ثم قال: إن صح الخبر. وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف] من حديث سلمان مرفوعا حديثا في فضل شهر رمضان، وفيه: "وهو شهر المواساة، وشهر يزاد فيه في رزق المؤمن؛ من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء". قالوا: يا رسول الله! ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم. قال: "يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائما على مذقة لبن، أو تمرة، أو شربة ماء. ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة".
ومنها: أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، لا سيما في ليلة القدر. والله - تعالى -يرحم من عباده الرحماء، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء" [أخرجه البخاري (1284)، ومسلم (923)].
فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل؛ والجزاء من جنس العمل.
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة، كما في حديث علي - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن في الجنة غرفا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها". قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: "لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام" [أخرجه الترمذي (1985) ورواه الإمام أحمد في المسند (5/343)].
وهذه الخصال كلها تكون في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصيام، والقيام؛ والصدقة، وطيب الكلام؛ فإنه ينهى فيه الصائم عن اللغو والرفث.
والصيام والصلاة والصدقة توصل صاحبها إلى الله - عز وجل -. وفي صحيح مسلم [(1028)]. عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، [قال: فمن أطعم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا]، قال: من تصدق بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: ما اجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة".
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها، وخصوصا إن ضم إلى ذلك قيام الليل. فقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الصيام جنة" [وهو قطعة من حديث أخرجه البخاري (1894)، ومسلم (1151)، والجُنَّة: الوقاية]. وفي رواية: "جنة أحدكم من النار كجنته من القتال" [أخرجه النسائي (4/167)، وابن ماجه (1639)، وأحمد في المسند (4/22-217) وصحيح ابن ماجه للألباني (1328). ولفظه: "الصيام جُنَّة من النار، كجُنَّة أحدكم من القتال"].
وفي حديث معاذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار. وقيام الرجل من جوف الليل" [من حديث طويل أخرجه الترمذي (2619)، وقال: حديث حسن صحيح ورواه أحمد أيضاً في المسند (5/231-237-248)، وابن ماجه (3973)]. يعني أنه يطفىء الخطيئة أيضاً، وقد صرح بذلك في رواية الإمام أحمد. وفي الحديث الصحيح [أخرجه البخاري (1417)، وأخرجه مسلم (1016)]. عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اتقوا النار ولو بشق تمرة". كان أبو الدرداء يقول: صلوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور. صوموا يوما شديدا حره لحر يوم النشور، تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير.
ومنها: أن الصيام لا بد أن يقع فيه خلل أو نقص؛ وتكفير الصيام للذنوب مشروط بالتحفظ مما ينبغي التحفظ منه؛ كما ورد ذلك في حديث خرجه ابن حبان في صحيحه. وعامة صيام الناس لا يجتمع في صومه التحفظ كما ينبغي، ولهذا نهى أن يقول الرجل: صمت رمضان كله، أو قمته كله. فالصدقة تجبر ما فيه من النقص والخلل، ولهذا وجب في آخر شهر رمضان زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث. والصيام والصدقة لهما مدخل في كفارات الأيمان، ومحظورات الإحرام، وكفارة الوطء في رمضان. ولهذا كان الله - تعالى -قد خير المسلمين في ابتداء الأمر بين الصيام وإطعام المسكين، ثم نسخ ذلك، وبقي الإطعام لمن يعجز عن الصيام؛ لكبره. ومن أخر قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر، فإنه يقضيه ويضم إليه إطعام مسكين لكل يوم، تقوية له عند أكثر العلماء، كما أفتى به الصحابة. وكذلك من أفطر لأجل غيره، كالحامل والمرضع؛ على قول طائفة من العلماء.
ومنها: أن الصائم يدع طعامه وشرابه لله، فإذا أعان الصائمين على التقوي على طعامهم وشرابهم كان بمنزلة من ترك شهوة لله، وآثر بها، أو واسى منها. ولهذا يشرع له تفطير الصوام معه إذا أفطر؛ لأن الطعام يكون محبوبا له حينئذ، فيواسي منه، حتى يكون من أطعم الطعام على حبه، ويكون في ذلك شكر لله على نعمة إباحة الطعام والشراب له، ورده عليه بعد منعه إياه؛ فإن هذه النعمة إنما عرف قدرها عند المنع منها. وسئل بعض السلف: لم شرع الصيام؟ قال: ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع. وهذا من بعض حكم الصوم وفوائده. وقد ذكرنا فيما تقدم حديث سلمان [المرفوع]، وفيه: "وهو شهر المواساة" فمن لم يقدر فيه على درجة الإيثار على نفسه فلا يعجز عن درجة أهل المواساة.
صور من إيثار الصائمين:
كان كثير من السلف يواسون من إفطارهم أو يؤثرون به ويطوون، كان ابن عمر يصوم، ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعهم أهله عنه، لم يتعش تلك الليلة. وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه، أخذ نصيبه من الطعام وقام، فأعطاه السائل، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائما ولم يأكل شيئا.
واشتهى بعض الصالحين من السلف طعاماً، وكان صائماً، فوضع بين يديه عند فطوره، فسمع سائلا يقول: من يقرض الملي الوفي الغني؟ فقال: عبده المعدم من الحسنات. فقام فأخذ الصحفة فخرج بها إليه، وبات طاوياً. وجاء سائل إلى الإمام أحمد، فدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره، ثم طوى وأصبح صائماً. وكان الحسن [إذا أطلق لفظ "الحسن" فهو الحسن بن يسار البصري، الإمام الزاهد]. يطعم إخوانه وهو صائم تطوعاً، ويجلس يروحهم [بالمروحة]، وهم يأكلون، وكان ابن المبارك يطعم إخوانه في السفر الألوان من الحلواء وغيرها وهو صائم. سلام الله على تلك الأرواح. رحمة الله على تلك الأشباح؛ لم يبق إلا أخبار وآثار. كم بين من يمنع الحق الواجب عليه وبين أهل الإيثار.
لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم *** ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
وله فوائد أخر: قال الشافعي - رضي الله عنه -: أحب للرجل الزيادة في الجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم. وكذا قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا أيضاً.
"شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن":
ودل الحديث أيضاً [حديث ابن عباس في الصحيحين: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل في فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن القرآن. رواه البخاري (6)، ومسلم (2308)]. على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له. وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان.
وفي حديث فاطمة - رضي الله عنها - عن أبيها - صلى الله عليه وسلم -: "أنه أخبرها: أن جبريل [- عليه السلام -] كان يعارضه القرآن كل عام مرةً، وأنه عارضه في عام وفاته مرتين" [قطعة من حديث أخرجه البخاري (3624)، ومسلم (2450)].
وفي حديث ابن عباس [رواه البخاري (6)، ورواه مسلم (2308)]. "أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلاً"، فدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال - تعالى -: "إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا". وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال - تعالى -: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن". وقد قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في ليلة القدر. ويشهد لذلك قوله - تعالى -: "إنا أنزلناه في ليلة القدر"، وقوله: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة".
وقد سبق عن عبيد بن عمير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدىء بالوحي ونزول القرآن عليه في شهر رمضان.
وفي [مسند أحمد (4/107]. عن واثلة بن الأسقع، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان".
طول القراءة في قيام رمضان:
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، وقد صلى معه حذيفة ليلة في رمضان، قال: فقرأ بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل. فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة. خَرَّجه الإمام أحمد [(5/400)]، وخرجه النسائي [(2/224)]، وعنده: أنه ما صلى إلا أربع ركعات.
وكان عمر قد أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما بالناس في شهر رمضان، فكان القارىء يقرأ بالمائتين في ركعةٍ، حتى كانوا يعتمدون على العصى من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر. وفي رواية: أنهم كانوا يربطون الحبال بين السواري، ثم يتعلقون بها. وروي أن عمر جمع ثلاثة قراء، فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ بالناس ثلاثين، وأوسطهم بخمس وعشرين، وأبطأهم بعشرين. ثم كان في زمن التابعين يقرؤون بالبقرة في قيام رمضان في ثمان ركعات، فإن قرأ بها في اثنتي عشرة ركعة رأوا أنه قد خفف. قال ابن منصور: سئل إسحاق بن راهوية: كم يقرأ في قيام شهر رمضان؟ فلم يرخص في دون عشر آيات. فقيل له: إنهم لا يرضون. فقال لا رضوا، فلا تؤمَّهم إذا لم يرضوا بعشر آيات من البقرة، ثم إذا صرت إلى الآيات الخفاف فبقدر عشر آيات من البقرة، يعني في كل ركعة. وكذلك كره مالك أن يقرأ دون عشر آيات.
وسئل الإمام أحمد عما روي عن عمر كما تقدم ذكره في السريع القراءة والبطيء؟ فقال: في هذا مشقة على الناس ولا سيما في هذه الليالي القصار. وإنما الأمر على ما يحتمله الناس وقال أحمد لبعض أصحابه، وكان يصلي بهم في رمضان: هؤلاء قوم ضعفى، اقرأ خمساً، ستاً، سبعاً. قال: فقرأت فختمت ليلة سبع وعشرين. وقد روى الحسن: أن الذي أمره عمر أن يصلي بالناس كان يقرأ خمس آيات، ست آيات. وكلام الإمام أحمد يدل على أنه يراعي في القراءة حال المأمومين، فلا يشق عليهم. وقاله أيضا غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم. وقد روي عن أبي ذر "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام بهم ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، وليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل. فقالوا له: لو نفلتنا بقية ليلتنا؟ فقال: "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته". أخرجه أهل السنن [أخرجه أبو داود (1375)، والترمذي (806)، والنسائي (3/83-84)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح] وحسنه الترمذي.
وهذا يدل على أن قيام ثلث الليل ونصفه يكتب به قيام ليلة، لكن مع الإمام. وكان الإمام أحمد يأخذ بهذا الحديث ويصلي مع الإمام حتى ينصرف ولا ينصرف حتى ينصرف الإمام. وقال بعض السلف: من قام نصف الليل فقد قام الليل.
وفي سنن أبي داود [(1398)، وإسناده حسن]. عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين". يعني أنه كتب له قنطار من الأجر. ويروى من حديث تميم وأنس مرفوعاً: "من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قيام ليلة" [رواه أحمد فس مسنده (4/103) بلفظ "له قنوت ليلة" وصححه الألباني (الصحيحة (644)]. وفي إسنادهما ضعف. وروي حديث تميم موقوفا عليه، وهو أصح.
وعن ابن مسعود، قال: "من قرأ ليلة خمسين آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب له قنطار" [أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/268)].
ومن أراد أن يزيد في القراءة ويطيل، وكان يصلي لنفسه فليطول ما شاء، كما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم -. وكذلك من صلى بجماعة يرضون بصلاته. وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع؛ منهم قتادة وبعضهم في كل عشرة؛ منهم أبو رجاء العطاردي.
صور من حال السلف مع القرآن في رمضان:
وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها؛ كان الأسود يقرأ القرآن في كل ليلتين في رمضان، وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة، وفي بقية الشهر في ثلاث. وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة. وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة. وعن أبي حنيفة نحوه. وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان. وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام.
قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان نفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن. وكانت عائشة - رضي الله عنها - تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف، وجمع إليه أصحابه. وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك. فأما في الأوقات المفضلة، كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة (شرفها الله)، كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن، اغتناما للزمان والمكان. وهو قول أحمد وإسحاق و غيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم، كما سبق ذكره.
جهاد النفس في رمضان:
واعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه؛ جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام. فمن جمع بين هذين الجهادين، ووفى بحقوقهما، وصبر عليهما، وُفِّيَ أجره بغير حساب. قال كعب: ينادي يوم القيامة مناد: بأن كل حارث يعطى بحرثه ويزاد غير أهل القرآن والصيام، يعطون أجورهم بغير حساب، ويشفعان له أيضا عند الله - عز وجل -، كما في المسند [رواه أحمد في "المسند" (2/174) وإسناده صحيح]. عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "الصيام والقيام يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشراب بالنهار. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان". فالصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها، سواء كان تحريمها يختص بالصيام، كشهوة الطعام، والشراب، والنكاح، ومقدماتها، أو لا يختص به، كشهوة فضول الكلام المحرم، والنظر المحرم، والسماع المحرم، والكسب المحرم؛ فإذا منعه الصيام من هذه المحرمات كلها، فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا رب! منعته شهواته، فشفعني فيه. فهذا لمن حفظ صيامه، ومنعه من شهواته.
فأما من ضيع صيامه ولم يمنعه مما حرمه الله عليه، فإنه جدير أن يضرب به وجه صاحبه؛ ويقول له: ضيعك الله كما ضيعتني. كما ورد مثل ذلك في الصلاة. قال بعض السلف: إذا احتضر المؤمن، يقال للملك: شم رأسه. قال: أجد في رأسه القرآن. فيقال: شم قلبه. فيقول: أجد في قلبه الصيام، فيقال: شم قدميه، فيقول: أجد في قدميه القيام. فيقال: حفظ نفسه - حفظه الله - عز وجل -.
وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل، فأما من قرأ القرآن وقام به، فقد قام بحقه فيشفع له.
وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً، فقال: "ذاك لا يتوسد القرآن" [مسند أحمد (3/449)]. يعني لا ينام عليه فيصير له كالوسادة.
وخرج الإمام أحمد [رواه الإمام أحمد في "المسند" (5/348) مطولاً]. من حديث بريدة مرفوعاً: "أن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حتى ينشق عنه قبره، كالرجل الشاحب" [الشاحب: المتغير اللون]. فيقول: هل تعرفني؟ أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وكل تاجر من وراء تجارته؛ فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ؛ هَذًّا[الهذ: سرعة القطع، وسرعة القراءة]. كان أو ترتيلا". وفي حديث عبادة بن الصامت الطويل: "إن القرآن يأتي صاحبه في القبر، فيقول له: أنا الذي كنت أسهر ليلك، و أظمىء نهارك، وأمنعك شهوتك وسمعك وبصرك؛ فستجدني من الأخلاء خليل صدق. ثم يصعد فيسأل له فراشا ودثاراً، فيؤمر له بفراش من الجنةـ وقنديل من الجنة، وياسمين من الجنة. ثم يدفع القرآن في قبلة القبر، فيوسع عليه ما شاء الله من ذلك".
صفات أهل القرآن وحالهم مع الليل:
قال ابن مسعود: ينبغي لقارىء القرآن أن يعرف بليله إذا الناس ينائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون وبحزنه إذا الناس يفرحون.
قال محمد بن كعب [هو محمد بن كعب القرظي، مات نحو سنة 120هـ]: كنا نعرف قارىء القرآن بصفرة لونه. يشير إلى سهره وطول تهجده.
قال وهيب بن الورد [وهيب بن الورد، أبو أميَّة، مات سنة 153هـ]: قيل لرجل ألا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي. وصحب رجل رجلا شهرين، فلم يره نائماً، فقال: مالي لا أراك نائماً؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي؛ ما أخرج من أعجوبة إلا وقعت في أخرى.
قال أحمد أبي الحواري: إني لأقرأ القرآن وأنظر فيه آيةً آيةً، فيحار عقلي بها، وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم، ويسعهم أن يشغلوا بشيء من الدنيا، وهم يتلون كلام الله؟ أما إنهم لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه، وتلذذوا به، واستَحْلَوا المناجاة به، لذهب عنهم النوم فرحا بما قد رزقوا. أنشد ذو النون [المصري]:
منع القرآن بوعده ووعيده *** مقل العيون بليلها لا تهجع
فهموا عن الملك العظيم كلامه *** فهما تذل له الرقاب وتخضع
فأما من كان معه القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار، فإنه ينتصب القرآن خصماً له، يطالبه بحقوقه التي ضيعها. وخرج الإمام أحمد [من حديث طويل أخرجه الإمام أحمد في مسنده (5/14)] من حديث سمرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في منامه رجلا مستلقيا على قفاه، ورجل قائم بيده فهر [الفهر: الحجر ملءُ الكف. وقيل: الحجر مطلقاً. (النهاية 3/481)]. أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فيتدهده [يتدهده الحجر، ويتدهدى: يتدحرج. (النهاية 2/143). ]. الحجر، فإذا ذهب ليأخذه عاد رأسه كما كان، فيصنع به مثل ذلك، فسأل عنه، فقيل له: هذا رجل آتاه الله القرآن فنام عنه بالليل، ولم يعمل به بالنهار، فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة".
وقد [أخرجه البخاري (3/251) رقم (1386)]. بغير هذا اللفظ.
وفي "حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يمثل القرآن يوم القيامة رجلاً، فيؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره، فيتمثل له خصماً، فيقول: يا رب! حملته إياي؛ فبئس حامل تعدى حدودي، وضيع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي. فما يزال يقذف عليه الحجج حتى يقال: شأنك به، فيأخذ بيده، فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار.
ويؤتى بالرجل الصالح كان قد حمله وحفظ أمره فيتمثل خصما دونه، فيقول: يا رب! حملته إياي، فخير حامل؛ حفظ حدودي، وعمل بفرائضي، واجتنب معصيتي، واتبع طاعتي، فلا يزال يقذف له بالحجج حتى يقال: شأنك به، فيأخذه بيده، فما يرسله حتى يلبسه حلة الإستبرق، ويعقد عليه تاج الملك، ويسقيه كأس الخمر" [أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (10/491].
نداء:
يا من ضيع عمره في غير الطاعة! يا من فرط في شهره، بل في دهره وأضاعه! يا من بضاعته التسويف والتفريط، وبئست البضاعة! يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة؟!
ويل لمن شفعاؤه خصماؤه *** والصور في يوم القيامة ينفخ
رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، وقائم حظه من قيامه السهر. كل قيام لا ينهى عن الفحشاء والمنكر لا يزيد صاحبه إلا بعداً، وكل صيام لا يصان عن قول الزور والعمل به لا يورث صاحبه إلا مقتا ورداً.
يا قوم أين آثار الصيام أين أنوار القيام؟
هذا -عباد الله- شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفي بقيته للعابدين مستمتع. وهذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهركم ويسمع. وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا يتصدع. ومع هذا فلا قلب يخشع، ولا عين تدمع، ولا صيام يصان عن الحرام فينفع! ولا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع! قلوب خلت من التقوى فهي خراب بلقع، وتراكمت عليها ظلمة الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع. كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة. وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة؛ لا الشاب منا ينتهي عن الصبوة، ولا الشيخ ينزجر عن القبيح فيلتحق بالصفوة. أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة، وإذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة، وإذا صاموا صامت منهم الألسنة والأسماع والأبصار؟ أفما لنا فيهم أسوة؟! كم بيننا وبين أهل الصفا أبعد مما بيننا وبين الصفا والمروة. كلما حسنت منا الأقوال ساءت الأعمال. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم [وحسبنا الله].
يا نفس فاز الصالحون بالتقى *** وأبصروا الحق وقلبي قد عمي
يا حسنهم والليل قد جنهم *** ونورهم يفوق نور الأنجم
ترنموا بالذكر في ليــلهم *** فعيشهم قد طاب بالترنم
قلوبهم للذكر قد تفرغت *** دموعهم كلؤلؤ منتظم
أسحارهم بهم لهم قد أشرقت *** وخلع الغفران خير القسم
ويحك يا نفس ألا تيقظ *** ينفع قبل أن تزل قدمي
مضى الزمان في توان وهوى *** فاستدركي ما قد بقي واغتنمي
----------------------------------------
(*) منتقى من كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف للعلامة/ أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الدمشقي [المتوفى:795هـ] (تحقيق يا سين محمد السواس -دار ابن كثير-).
9/9/1428
21/09/2007