مواعظ المفسرين (1-4)

د. عمر بن عبدالله المقبل

 

الحمد لله القائل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس/57، 58]، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد الوعاظ، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

"فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق، وأوامره ونواهيه محتوية على الحكم والمصالح المقرونة بها، وهي من أسهل شيء على النفوس، وأيسرها على الأبدان، خالية من التكلف لا تناقض فيها ولا اختلاف، ولا صعوبة فيها ولا اعتساف، تصلح لكل زمان ومكان، وتليق لكل أحد" (1).

ومن هنا جاءت هذه المجموعة الثانية من مواعظ المفسرين؛ لتضاف إلى أخواتها الخمس عشرةـ وهي تمثل المجموعة الأولى من هذه المواعظ ـ جمعتها من كلام بعض المفسرين - رحمهم الله - حينما يسيل قلم أحدهم بكلمات تتصل بالجانب الوعظي في الآية، والذي يثمر ـ كما ينبغي أن يكون الأمر ـ حثاً على طاعة أو زجراً عن معصية، أو زيادة إيمان في قلب العبد، حينما يعيش في سَبْحٍ من التأملات لكلام الله العظيم.

 

وإن من المحزن أن البعض يهوّن من شأن الوعظ لأسباب كثيرة ـ ليس هذا محل ذكرها ـ ولكن الذي أود أن أنوه به، هو التذكير بأن من أعظم مقاصد تنزيل الكتاب هو تدبره، والاتعاظ به، والامتثال لما دل عليه، ولذا قال ابن جرير الطبري - رحمه الله - في تفسير قوله - تعالى -: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ)[الأنفال/21-23] :

" يقول - تعالى ذكره - للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تكونوا ـ أيها المؤمنون ـ في مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: "قد سمعنا"، بآذاننا "وهم لا يسمعون"، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم ولا ينتفعون به، لإعراضهم عنه، وتركهم أن يُوعُوه قلوبهم ويتدبروه.

فجعلهم الله، إذ لم ينتفعوا بمواعظ القرآن ـ وإن كانوا قد سمعوها بأذانهم ـ بمنزلة من لم يسمعها، يقول جل ثناؤه لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تكونوا أنتم في الإعراض عن أمر رسول الله، وترك الانتهاء إليه وأنتم تسمعونه بآذانكم، كهؤلاء المشركين الذين يسمعون مواعظ كتاب الله بآذانهم، ويقولون: "قد سمعنا"، وهم عن الاستماع لها والاتعاظ بها معرضون كمن لا يسمَعُها...

ولو علم الله في هؤلاء القائلين خيرًا، لأسمعهم مواعظ القرآن وعِبَره، حتى يعقلوا عن الله - عز وجل - حججه منه، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاء فهم لا يؤمنون، ولو أفهمهم ذلك حتى يعلموا ويفهموا، لتولوا عن الله وعن رسوله، وهم معرضون عن الإيمان بما دلَّهم على صحته مواعظُ الله، وعبره وحججه، معاندون للحق بعد العلم به" (2).

وقال - رحمه الله - في تفسير قوله - تعالى -: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد/24]:

"يقول - تعالى -ذكره: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنزله على نبيه - عليه الصلاة والسلام -، ويتفكَّرون في حُججه التي بيَّنها لهم في تنزيله فيعلموا بها خطأ ما هم عليه مقيمون؟! (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا؟!) يقول: أم أقفل الله على قلوبهم فلا يعقلون ما أنزل الله في كتابه من المواعظ والعِبَر" (3)

ثم ساق بسنده عن قتادة في تفسير هذه الآية أنه قال: "إذا والله يجدون في القرآن زاجرا عن معصية الله، لو تدبره القوم فعقلوه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند ذلك" (4).

ومن جميل ما يذكر في تفسير هذه الآية ـ أيضاً ـ ما رواه ابن جرير ـ أيضاً ـ عن خالد بن معدان أنه قال: "ما من آدميّ إلا وله أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه، وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه لدينه، وما وعد الله من الغيب، فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه، وإذا أراد الله به غير ذلك طَمسَ عليهما، فذلك قوله(أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (5).

والمقصود من هذا، التنبه إلى أهمية الوعظ بالقرآن، والاتعاظ به، وخطورة الاقتصار على مجرد التلاوة من غير عمل، فإن ذلك قصورٌ وتقصير، ينبغي للمؤمن أن يترفع عنه، نذكر بهذا أنفسنا، وإخواننا المسلمين، في كل وقت وخصوصاً مع إقبال هذا الشهر الكريم.

ولعل في هذه المجموعة ـ بالإضافة إلى المجموعة السابقة ـ ما يحرك هذا المعنى في نفوسنا إذا قرأنا كلام ربنا، نسأل الله - تعالى -أن يجعلنا ممن يتعظ بكتابه، ويتلوه حق تلاوته، والحمد لله رب العالمين.

 

قال الإمام العلامة أبو عبدالله القرطبي في مقدمة تفسيره:

"فما أحق من عَلِمَ كتاب الله أن يزدجر بنواهيه، ويتذكر ما شرح له فيه، ويخشى الله ويتقيه، ويراقبه ويستحييه، فإنه حُمِّلَ أعباءَ الرسل، وصار شهيداً في القيامة على من خالف من أهل الملل، قال الله - تعالى -: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة/143].

ألَا وإن الحجة على من علمه فأغفله، أوكدُ منها على من قصر عنه وجهله، ومن أوتي علم القرآن فلم ينتفع، وزجرته نواهيه فلم يرتدع، وارتكب من المآثم قبيحاً، ومن الجرائم فضوحاً، كان القرآن حجة عليه، وخصماً لديه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "القرآن حجة لك أو عليك" خرجه مسلم.

فالواجب على من خصه الله بحفظ كتابه، أن يتلوه حق تلاوته، ويتدبر حقائق عبارته، ويتفهم عجائبه، ويتبين غرائبه، قال الله - تعالى -: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)[ص/29].

وقال الله - تعالى -: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)[محمد/24].

جعلنا الله ممن يرعاه حق رعايته، ويتدبره حق تدبره، ويقوم بقسطه، ويفي بشرطه، ولا يلتمس الهدى في غيره، وهدانا لأعلامه الظاهرة، وأحكامه القاطعة الباهرة، وجمع لنا به خير الدنيا والآخرة، فانه أهل التقوى وأهل المغفرة... ثم تحدث - رحمه الله - عما يعين على تدبره وفهمه، فقال:

فأول ذلك أن يستشعر المؤمن من فضل القرآن أنه كلام رب العالمين،... فهو من نور ذاته جل وعز، ولولا أنه - سبحانه - جعل في قلوب عباده من القوة على حمله ما جعله، ليتدبروه وليعتبروا به، وليتذكروا ما فيه من طاعته وعبادته، يقول - تعالى -جده - وقوله الحق: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)[الحشر/21].

فأين قوت القلوب من قوة الجبال؟! ولكن الله - تعالى -رزق عباده من القوة على حمله ما شاء أن يرزقهم، فضلا منه ورحمة؟! "(6).

 

قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله تعالى - في تفسيره لقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [المائدة/105]:

اعلم أن كلا من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به، وقد دلت السنة الصحيحة على « أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله أنه حمار من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها ».

وقد دل القرآن العظيم على أن المأمور المعرض عن التذكرة حمار ـ أيضاً ـ.

أما السنة المذكورة فقوله - صلى الله عليه وسلم - « يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق اقتابه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان ما أصابك، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر، فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه »، أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنهما -.

ومعنى تندلق أقتابه: تتدلى أمعاؤه، أعاذنا الله والمسلمين من كل سوء، وعن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « رأيت ليلة أسرى بي رجالا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمِ بِمَقَارِيضَ مِن نار كلما قُرِضَتْ رجعت فقلت لجبريل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خُطَبَاء من أمتك كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون » أخرجه الإمام أحمد، وغيره.

واعلم أن التحقيق أن هذا الوعيد الشديد ـ الذي ذكرنا من اندلاق الأمعاء في النار، وقرض الشفاه بمقاريض النار، ليس على الأمر بالمعروف، وإنما هو على ارتكابه المنكر عالماً بذلك، ينصح الناس عنه، فالحق أن الأمر بالمعروف غير ساقط عن صالح، ولا طالح، والوعيد على المعصية، لا على الأمر بالمعروف، لأنه في حد ذاته ليس فيه إلا الخير...

وأما الآية الدالة على أن المعرض عن التذكير كالحمار أيضاً، فهي قوله - تعالى -{فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 49-51] والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فيجب على المذكر - بالكسر - والمذكر - بالفتح - أن يعملا بمقتضى التذكرة، وأن يتحفظا من عدم المبالاة بها، لئلا يكونا حمارين من حمر جهنم.

 

---------------------------

 (1) من تفسير العلامة السعدي للآية رقم (21) من سورة الحشر، ص: (1015).

(2) تفسير الطبري 11/98-130 باختصار.

(3) تفسير الطبري 21/215.

(4) تفسير الطبري 21/216.

(5) تفسير الطبري 21/216.

(6) تفسير القرطبي 1/6-9، ط. الرسالة، بتصرف واختصار.

 

5/9/1428  

17/09/2007

 

http://www.islamtoday.net                      المصدر: