وامتنع الحبيب من دخول بيته
عبد الله بن محمد البصري
الخطبة الأولى:
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ - جل وعلا -، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجعَلْ لَكُم فُرقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِرْ لَكُم وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، تَصَوَّرُوا ـ رحمكم اللهُ ـ لَو أَنَّ نَبيَّ اللهِ محمدًا صَلَوَاتُ رَبي وَسَلامُهُ عليه جَاءَ إِلى بَيتِ أَحَدِكُم زَائِرًا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلى البَابِ تَوَقَّفَ وَامتَنَعَ مِنَ الدُّخُولِ؛ لأَنَّهُ رَأَى شيئًا يَكرَهُهُ، فَمَاذَا عَسَى صَاحِبُ البَيتِ وَالحَالُ تِلكَ فَاعِلاً؟! وما تُرَاهُ وَهَذا هُوَ الوَاقِعُ قَائِلاً؟! إنه سَيَسأَلُ عَن سَبَبِ الامتِنَاعِ وَمَنشَأِ الكَرَاهِيَةِ، فَإِذَا عَرَفَهُ بَذَلَ جُهدَهُ في إِصلاحِ شَأنِهِ لِيَحظَى بِدُخُولِ الحَبِيبِ إِلى بَيتِهِ.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ هُنَاكَ مُنكَرًا عَظِيمًا تَهَاوَنَّا بِهِ جمِيعًا إِلاَّ مَن رَحِمَ اللهُ، وَتَساهَلْنَا فِيهِ إِلاَّ قِلَّةٌ لا تَكَادُ تُذكَرُ، مُنكَرٌ امتَنَعَ بِسَبَبِهِ الحَبِيبُ مِن دُخُولِ بَيتِهِ - عليه الصلاة والسلام -، بل وَأَخبرَ أَنَّهُ مَانِعٌ مِن دُخُولِ المَلائِكَةِ لِلبَيتِ، وَمَعَ ذَلِكَ لا تَكَادُ تَجِدُ بَيتًا مِن بُيُوتِنَا اليَومَ إِلاَّ دَخَلَهُ ذَلِكَ المُنكَرُ وَعَشَّشَ فِيهِ وَفَرَّخَ، فَلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، مَا حَالُ بُيُوتٍ لا تَدخُلُهَا مَلائِكَةُ الرَّحمَةِ؟! أَتُرَونَهَا بُيُوتًا مُبَارَكَةً طَيَّبَةً؟! أَتَظُنُّونَهَا مُستَقِرَّةً مُطمَئِنَّةً؟! أَتحسِبُونَ أَنَّ لِلخَيرِ فِيهَا نَصِيبًا كَبِيرًا؟! اللهُ وَحدَهُ يَعلَمُ ذَلِكَ وَهُوَ الخَبِيرُ بِهِ، وَلَكِنْ تَعَالَوا بِنَا لِنَتَأَمَّلَ أَحَادِيثَ صَحِيحَةً صَرِيحَةً، لَعَلَّنَا نُرَاجِعُ بَعدَهَا أَنفُسَنَا وَنَتَرَاجَعُ عَن ذَنبِنَا.
رَوَى البُخَارِيُّ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنها اشتَرَت نُمرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ قَامَ على البَابِ فَلَم يَدخُلْ، فَعَرَفَتْ في وَجهِهِ الكَرَاهِيَةَ، قَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُوبُ إِلى اللهِ وَإِلى رَسُولِهِ، مَاذَا أَذنَبتُ؟! قال: ((مَا بَالُ هَذِهِ النُّمرُقَةِ؟)) فَقَالَت: اشتَرَيتُهَا لِتَقعُدَ عَلَيهَا وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّ أَصحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَومَ القِيَامَةِ، وَيُقَالُ لهم: أَحيُوا مَا خَلَقتُم))، وَقَالَ: ((إِنَّ البَيتَ الذِي فِيهِ الصُّوَرُ لا تَدخُلُهُ المَلائِكَةُ))، وَرَوَى مُسلِمٌ عَنهَا - رضي الله عنها - أَنها قَالَت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَقَدْ سَتَرتُ سَهْوَةً لي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجهُهُ وَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِندَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلقِ اللهِ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعنَاهُ فَجَعَلنَا مِنهُ وِسَادَةً أَو وِسَادَتَينِ.
أَعَرَفتُمُ الآنَ ذَلِكُمُ المُنكَرَ العَظِيمَ الذِي كَرِهَهُ رَسُولُ اللهِ وَتَغَيَّرَ لَهُ وَجهُهُ؟ أَعلِمتُم السَّبَبَ الذِي امتَنَعَ بِهِ النَّبيُّ مِن دُخُولِ بَيتِهِ؟ إِنها الصُّوَرُ، نَعَمْ، إِنها الصُّوَرُ، تِلكَ البَلِيَّةُ التي انتَشَرَتِ اليَومَ في كُلِّ نَاحِيَةٍ وَعَمَّت وَطَمَّت، وَكَثُرَ تَعلِيقُهَا عَلَى جُدرَانِ بَعضِ البُيُوتِ، وَامتَلأَت بها كَثِيرٌ مِنَ الجَوَّالاتِ، وَاستُهِينَ بها في الأَعرَاسِ وَالحَفَلاتِ، وَبُدِئَت بها حَيَاةُ الأَزوَاجِ وَالزَّوجَاتِ، وَاحتَفَظَ بها النَّاسُ في مُجَلَّدَاتٍ وَسِجِلاَّتٍ، وَكَأَنَّ لِسَانَ حَالِهِم يَقُولُ: لا تَصدِيقَ لِمَا صَحَّ مِنَ النَّهيِ عَنِ التَّصوِيرِ، أَو كَأَنَّهُم يَقُولُونَ: نَعلَمُ ذَلِكَ وَنحنُ بِهِ مُؤمِنُونَ مُصَدِّقُونَ، وَلَكِنْ لا حَاجَةَ لِبُيُوتِنَا أَن تَدخُلَهَا المَلائِكَةُ.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ التَّصوِيرَ كَبِيرَةٌ مِن كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، مُتَوَعَّدٌ فَاعِلُهَا بِالنَّارِ وَشَدِيدِ العَذَابِ عَلَى لِسَانِ محمدِ بنِ عَبدِ اللهِ، روى مُسلِمٌ - رحمه الله - أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلى ابنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفتِنِي فِيهَا، فَقَالَ لَهُ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ، قَالَ: أُنَبِّئُكَ بِمَا سَمِعتُ مِن رَسُولِ اللهِ، سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: ((كُلُّ مُصَوِّرٍ في النَّارِ، يَجعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفسًا فَتُعَذِّبُهُ في جَهَنَّمَ))، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((مَنْ صَوَّرَ صُورَةً في الدُّنيَا كُلِّفَ يَومَ القِيَامَةِ أَن يَنفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ))، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ)). قال الإِمَامُ الذَّهبيُّ - رحمه الله - في كِتَابِهِ الكَبَائِرِ: "وَأَمَّا الصُّوَرُ فَهِيَ كُلُّ مُصَوَّرٍ مِن ذَوَاتِ الأَروَاحِ، سَوَاءٌ كَانَت لها أَشخَاصٌ مُنتَصِبَةٌ، أَو كَانت مَنقُوشَةً في سَقفٍ أَو جِدَارٍ، أَو مَوضُوعَةً في نَمَطٍ أَو مَنسُوجَةً في ثَوبٍ أَو مَكَانٍ، فَإِنَّ قَضِيَّةَ العُمُومِ تَأتي عَلَيهِ فَلْيُجتَنَبْ.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَمَعَ عِظَمِ أَمرِ التَّصوِيرِ فَقَد عَادَ لَدَى كَثِيرٍ مِنَّا اليَومَ أَسهَلَ مِن شُربِ المَاءِ، وَلَو أَنَّنَا تَصَوَّرنَا مَوقِفَ الرَّسُولِ وَهُوَ يَمتَنِعُ مِن دُخُولِ البَيتِ لأَجلِ الصُّوَرِ، لَو أَنَّنَا تَصَوَّرنَا بُيُوتَنَا وَمَلائِكَةُ الرَّحمَةِ لا تَدخُلُهَا، ثم تَسَاءَلنَا مِن بَعدِ ذَلِكَ: مَنِ الذِي يَدخُلُ بُيُوتًا لا تَدخُلُهَا مَلائِكَةُ الرَّحمَةِ؟ لَو تَصَوَّرنَا ذَلِكَ حَقَّ التَّصوُّرِ، لَو فَكَّرنَا فِيهِ بِعَينِ البَصِيرَةِ وَالتَّدَيُّنِ لَعَرَفنَا أَنَّنَا قَدِ اجتَرَأنَا على مَعصِيَةٍ فَادِحَةٍ وَأَتَينَا مُنكَرًا عَظِيمًا.
أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَلْنَتُبْ إِلى اللهِ مِن هَذَا المُنكَرِ العَظِيمَ، فَمَن كَانَ عِندَهُ صُوَرٌ لِذَوَاتِ الأَروَاحِ فَلْيُزِلْهَا، وَمَن كَانَت عِندَهُ مُجَسَّمَاتٌ لِذَوَاتِ الأَروَاحِ فَلْيَتَخَلَّصْ مِنهَا، وَمَن بُلِيَ مِنَ الشَّبَابِ في جَوَّالِهِ بِهَذِهِ الصُّوَرِ أَو تِلكَ المَقَاطِعِ فَلْيُبَادِرْ بِمَسحِهَا، فَإِنَّ الأَمرَ عَظِيمٌ وَالوَعِيدَ شَدِيدٌ، وَبِإِزَالَةِ التَّصَاوِيرِ وَالتَّمَاثِيلِ أَمَرَ الحَبِيبُ، رَوَى مُسلِمٌ - رحمه الله - عَن أَبي الهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ قال: قال لي عَليُّ بنُ أبي طَالِبٍ: أَلا أَبعَثُكَ على مَا بَعَثَني عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ؟ أَن لاَّ تَدَعَ تِمثَالاً إِلاَّ طَمَستَهُ، وَلا قَبرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيتَهُ. وفي روايةِ النَّسَائِيِّ: لا تَدَعَنَّ قَبرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيتَهُ، وَلا صُورَةً في بَيتٍ إِلاَّ طََمَستَهَا.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَنحنُ نَعِيشُ هَذِهِ الإِجَازَةَ التي اعتَدنَا عَلَى تَزوِيجِ أَبنَائِنَا وَبَنَاتِنَا فِيهَا، فَإِنَّ مِنَ المُنكَرَاتِ التي تهاوَنَ بها بَعضُنا وَاستَسهَلَهَا في حَفَلاتِ الزَّوَاجِ مُنكَرَ التَّصوِيرِ، قَالَ الشَّيخُ محمدُ بنُ صالحٍ العُثِيمِين- رحمه الله-: "سَمِعنَا أَنَّهُ يَحصُلُ في بَعضِ الزَّوَاجَاتِ دُخُولُ بَعضِ السُّفَهَاءِ مَعَ النَّسَاءِ لالتِقَاطِ صُورَةِ اللِّقَاءِ بَينَ الزَّوجَينِ، وَسَمِعنَا أَنَّ بَعضَ النِّسَاءِ أَيضًا يَحمِلْنَ آلاتِ التَّصوِيرِ لِتَصوِيرِ الحَفلِ وَاللِّقَاءِ بَينَ الزَّوجِ وَزَوجَتِهِ، فَيَا سُبحَانَ اللهِ! مَا أَدرِي كَيفَ بَلَغَ الأَمرُ بِهَؤُلاءِ إِلى هَذَا التَّدَهوُرِ، وَكَيفَ انحدَرُوا إِلى الهَاوِيَةِ بِهَذِهِ السُّرعَةِ، كَيفَ خَرَجُوا عَنِ الحُدُودِ الشَّرعِيَّةِ وَالمُرُوءَاتِ المَرعِيَّةِ إِلى عَادَاتٍ أَخَذُوهَا مِنَ الكُفَّارِ أَو مِن مُقَلِّدِي الكُفَّارِ، كَيفَ يَدَعُ هَؤُلاءِ مَا يَأمُرُهُم بِهِ دِينُهُم وَمَا عَلَيهِ مُجتَمَعُهُم مِنَ الحَيَاءِ وَالحِشمَةِ وَالبُعْدِ عَن أَسبَابِ الفِتنَةِ إِلى مَا كَانَت عَلَيهِ المُجتَمَعَاتُ الفَاسِدَةُ التي عَثَا بها الشَّرُّ وَالفَسَادُ فَيُقَلِّدُونَهُم ذَلِكَ التَّقلِيدَ الأَعمَى، فَمَثَلُهُم كَمَثَلِ الذِي يَنعِقُ بما لا يَسمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً، صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ فَهُم لا يَعقِلُونَ"، إِلى أَن قَالَ - رحمه الله -: "وَتَصَوَّرُوا عِظَمَ الفِتنَةِ وَفَدَاحَتَهَا حِينَمَا تُلتَقَطُ هَذِهِ الصُّوَرُ في تِلكَ الحَالِ؛ لِتَكُونَ بِأَيدِي النَّاسِ يَعرِضُونها على مَن شَاؤُوا، وَيَتَمَتَّعُونَ بِالنَّظَرِ إِلى الجَمِيلِ مِنهَا متى شَاؤُوا، وَيَشمَتُونَ بِالقَبِيحِ مِنهَا متى شَاؤُوا، هَل يَرضَى أَحَدٌ مِنكُم أَن تَكُونَ صُورَةُ ابنَتِهِ أَو أُختِهِ أَو زَوجَتِهِ بِأَيدِي النَّاسِ يَنظُرُونَ إِلَيهَا كيف شَاؤُوا؟! هَل يَرضَى عَاقِلٌ أَن تَكُونَ صُورَتُهُ في أَوَّلِ لِقَاءٍ بَيَنَهُ وَبَينَ زَوجَتِهِ مَعرُوضَةً يَتَدَاوَلُهَا النَّاسُ بَينَهُم؟! إِنَّ هَذَا ممَّا تُنكِرُهُ الفِطَرُ وَتُسَفِّهُهُ العُقُولُ، فَارجِعُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ إِلى فِطَرِكُم وَعُقُولِكُم، وَتَفَكَّروا هَل لِهَذَا العَمَلِ المُنكَرِ مَا يُبَرِّرُهُ، إِنَّ هَذَا العَمَلَ لا يَزِيدُ الزَّوجَينِ إِلفَةً في القُلُوبِ، ولا صِحَّةً في الأَجسَامِ، وَلا سَعَةً في الرِّزقِ، وَلا حَمدًا بَينَ النَّاسِ، بَل هُوَ شَرٌّ وَفِتنَةٌ لا خَيرَ فِيهِ" انتهى كَلامُهُ.
وَصَدَقَ - رحمه الله -، فَإِنَّ التَّصوِيرَ لا يُوجِدُ المَحَبَّةَ وَلا يَزِيدُ الإِلفَةَ بَينَ الزَّوجَينِ، وَلا يُكسِبُهُمَا خَيرًا لا في الدُّنيَا ولا في الآخِرَةِ، بَل إِنَّ الوَاقِعَ لَيَشهَدُ أَنَّ مِنَ العِلاقَاتِ الأُسْرِيَّةِ مَا فَسَدَ بِسَبَبِ صُورَةٍ انتَشَرَت أَو مَقطَعٍ تَدَاوَلَهُ النَّاسُ بَينَهُم، اِلتَقَطَهُ سَفِيهٌ على غِرَّةٍ، أَو ظَفِرَت بِهِ فَاجِرَةٌ في حِينِ غَفلَةٍ، فَصَارَ بِسَبَبِ التِّقنِيَةِ وَأَجهِزَةِ الاتِّصَالاتِ وَالشَّبَكَاتِ عُرضَةً لِلأَعيُنِ الخَائِنَةِ وَالقُلُوبِ المَرِيضَةِ؛ ممَّا أَسقَطَ الزَّوجَةَ مِن عَينِ زَوجِهَا وَأَخرَجَ حُبَّهَا مِن قَلبِهِ، فَطَلَّقَهَا وَاستَبدَلَ بها أُخرَى لم يَرَهَا غَيرُهُ.
أَلا فَلْنَحذَرْ مِنَ التَّصوِيرِ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَلْنُحَذِّرْ نِسَاءَنَا وَبَنَاتِنَا مِنهُ؛ سِترًا لأَنفُسِنَا وَحِفظًا لِعَورَاتِنَا وَصِيَانَةً لِبُيُوتِنَا وَاستِدَامَةً لِعِلاقَاتِنَا وَطَاعَةً لِمَولانَا وَحَذَرًا مِن عِقَابِهِ وَإِرغَامًا لِلشَّيطَانِ وَأَعوَانِهِ وَأَتبَاعِهِ وَرَدًّا لِكَيدِهُم في نُحُورِهِم.
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأمُرُ بِالفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَلَولا فَضلُ اللهِ عَلَيكُم وَرَحمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِن أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
الخطبة الثانية :
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ - تعالى -وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوا أَمرَهُ وَنَهيَهُ وَلا تَعصُوهُ، وَاتَّقُوا اللهَ وَاعلَمُوا أَنَّكُم مُلاقُوهُ.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَقَد يَتَعَلَّلُ بَعضُ مَن بُلُوا بِالتَّصوِيرِ بِفَتَاوَى بَعضِ العُلَمَاءِ الذِينَ رَأَوا أَنَّ الصُّوَرَ التي تُلتَقَطُ بِالآلاتِ لَيسَت مُحَرَّمَةً، فَنَقُولُ: وَإِنْ كان مِنَ العُلَمَاءِ مَن يَرَى هَذَا الرَّأيَ فَإِنَّ أَحَادِيثَ الوَعِيدِ التي وَرَدَت عَن إِمَامِ المُفتِينَ وَسَيِّدِ العُلَمَاءِ - عليه الصلاة والسلام - كَافِيَةٌ لِزَجرِ المُسلِمِ عَنِ التَّصوِيرِ وَالحَذرِ مِنهُ، وَلَو مِن بَابِ قَولِهِ: ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلى مَا لا يَرِيبُكَ))، وَلا شَكَّ أَنَّ مَنِ استَهَانَ بِالتَّصوِيرِ بِالآلاتِ وَاستَبَاحَهُ وَأَكثَرَ مِنهُ على خَطَرٍ مِنَ الوُقُوعِ فِيمَا تَحرِيمُهُ ظَاهِرٌ مِنَ الرَّسمِ بِاليَدِ أَوِ التَّمَاثِيلِ المُجَسَّمَةِ، قال: ((مَن وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرعَى حَولَ الحِمَى يُوشِكُ أَن يَقَعَ فِيهِ)).
وَأَمْرٌ آخَرُ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَهُوَ أَنَّهُ وَحَتى وَإِن كَانَتِ الصُّوَرُ التي تُلتَقَطُ بِالآلاتِ مُبَاحَةً عِندَ بَعضِ العُلَمَاءِ فَإِنَّهُ مَا مِنهُم مَن يُبِيحُهَا إِذَا كَانَ فِيهَا مَحذُورٌ شَرعِيٌّ في الحَالِ أَو أَدَّت إِلى ما لا يُحمَدُ المُستَقبَلِ، فَإِنَّ الأُمُورَ بِمَقَاصِدِهَا وَغَايَاتِهَا، وَإِنَّ المُتَأَمِّلَ لِكَثِيرٍ مِنَ الصُّوَرِ التي تُلتَقَطُ اليَومَ في الأَعرَاسِ وَالمُنَاسَبَاتِ أَو تِلكَ التي يَتَبَادَلُهَا الشَّبَابُ في الجَوَّالاتِ لَيَجِدُ فِيهَا مَحَاذِيرَ عَدِيدَةً وَلَيسَ مَحذُورًا وَاحِدًا، وَلَو صَدَقَ كَثِيرٌ مِنهُم مَعَ رَبِّهِم ثم مَعَ أَنفُسِهِم لَعَلِمُوا أَنهم لا يَجرُؤُونَ على إِطلاعِ النَّاسِ عَلَى مَا في جَوَّالاتِهِم، فَعَلامَ يَدُلُّ هَذَا؟! إِنَّهُ وَاللهِ عَينُ الإِثمِ وَمَحَضُ المُنكَرِ، فقد روى الإِمامُ مُسلِمٌ - رحمه الله - عنِ النَّوَّاسِ بنِ سِمعَانَ - رضي الله عنه - قال: سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ عَنِ البِرِّ وَالإِثمِ، فقال: ((البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ، وَالإِثمُ مَا حَاكَ في صَدرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عَلَيهِ النَّاسُ)).
أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَالأَمرُ لِلشَّبَابِ خَاصَّةً، لِنَتَّقِ اللهَ وَلْنُطَهِّرْ جَوَّالاتِنَا وَغُرَفَنَا وَبُيُوتَنَا مِنَ الصُّوَرِ التي نَكرَهُ أَن يَطَّلِعَ عَلَيهَا النَّاسُ، فَإِنَّهُ وَإِنِ استَطَعنَا حِفظَهَا في جَوَّالاتِنَا بِكَلِمَةِ سِرٍّ لا يَعرِفُهَا إِلاَّ نحنُ أَو جَعَلنَاهَا في مَكَانٍ لا يَصِلُ إِلَيهِ إِلاَّ نحنُ فَإِنها عِندَ اللهِ لَيسَت بِسِرٍّ، وَهُوَ - سبحانه - القَائِلُ: إِن تُبدُوا شَيئًا أَو تُخفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا، فَاللهَ اللهَ أَن يَأتيَ أَحَدَكُم الموتُ وَقَدِ امتَلأَ بَيتُهُ أَو جَوَّالُهُ أَو جَيبُهُ بِصُوَرِ نِسَاءِ المُسلِمِينَ وَمَشَاهِدِ عَورَاتِهِم، وَالحَذرَ الحَذرَ مِن تَبَادُلِ الصُّوَرِ أَوِ المَقَاطِعِ التي فِيهَا شَيءٌ مِن إِشَاعَةِ الفَاحِشَةِ، فَإِنَّ الأَمرَ عَظِيمٌ وَالوَعِيدَ شَدِيدٌ، وَالمَوتَ قَادِمٌ وَالفِرَارَ مُستَحِيلٌ، قال - سبحانه -: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لا تَعلَمُونَ.
إِنَّهُ لا أَحمَقَ وَلا أَجهَلَ وَلا أَخسَرَ مِن رَجُلٍ يُعَرِّضُ نَفسَهُ لِلوَعِيدِ الشَّدِيدِ مِن أَجلِ صُورَةٍ في يَدِهِ أَو في جَوَّالِهِ، يُقَلِّبُ نَاظِرَيهِ فِيهَا بَينَ حِينٍ وَآخَرَ، لِيَطعَنَ بها قَلبَهُ ويُحرِقَ فُؤادَهُ، فَلا هُوَ الذِي حَصَّلَ لَذَّتَهَا وَلا ذَاقَهَا، وَلا هُوَ بِالذِي سَلِمَ مِن تَبِعَتِهَا وَثَقِيلِ وِزرِهَا وَسَيِّئِ أَثَرِهَا، فَالتَّوبَةَ التَّوبَةَ قَبلَ النَّدَمِ، وَلْنُحِبَّ لإِخوَانِنَا المُسلِمِينَ وَأَخوَاتِنَا المُسلِمَاتِ مَا نُحِبُّهُ لأَنفُسِنَا وَأَهلِينَا، فَإِنَّهُ ما مِنَّا مَن يَرضَى بِنَشرِ صُورَةِ أُمِّهِ أوِ ابنَتِهِ أَو أُختِهِ أَو زَوجَتِهِ أَو إِحدَى قَرِيبَاتِهِ، فَكَيفَ يَرضَاهُ لِلمُسلِمِينَ؟! وإنه لا يَكمُلُ إِيمَانٌ عَبدٍ دُونَ ذَلِكَ، قال: ((وَالذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لا يُؤمِنُ عَبدٌ حتى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ مِنَ الخَيرِ)).