الإعلان في رمضان
د. علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها الأخوة المؤمنون: حديث اليوم مع أول جمعة في شهر رمضان أردت أن يكون فيه شيء من المقارنة من جهة، ومن صورة يفهمها الناس ويألفونها لما لها من صلة قريبة دائمة بهم عبر وسائل إعلامية مختلفة، لأننا نحتاج إلى ما يصلنا بواقعنا، ويخاطبنا بما يحيط بنا، حتى يكون ذلك أدعى إلى الفهم والعمل والحذر من الخطر في الوقت ذاته.
"الإعلان في رمضان": كلنا يعرف أن الإعلانات مرغبة ومشوقة، وأنها في آخر الأمر مروجة ومسوقة، أي أنها تدعوك لشيء تدلك على منفعة فيه، وعلى مصلحة لك في أخذه واقتنائه، وترغبك بطريقة تصل بك إليه، وتدفعك من جميع الجوانب نحوه، وهي -أي وسائل الإعلان- تستخدم التكفيف فترى هذا الإعلان في الصحيفة، وتراه في الطرقات، وتشاهده على الشاشات، وتسمعه عبر الإذاعات وتراه مفرقا في الأوراق والنشرات، حتى يكاد الناس أن يحفظوا هذا الإعلان عن ظهر قلب، ويكون مجرد رؤية أي حرف فيه أو صورة متصلة به يستطيعون أن يعرفوا كل ما يتصل أو يتعلق بذلك.
ونحن نريد أن نأخذ هذه الصنعة التي قد يروج بها ما ليس نافعا، وقد يسوق بها ما ليس صالحا، لننظر إلى جانب آخر، ونحن ننظر إلى الإعلان في رمضان من جهات أخرى، ومن زوايا متعددة، تمر بنا لكنها لا يكون لها حال الإعلان الذي تحدثنا عنه الآن، الإعلان القرآني في رمضان وعن رمضان، آيات تتلى إلى قيام الساعة، آيات محفوظة غير أنها إلى حد ما في الواقع منسية: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] هذه كلمات من القرآن، هي في طريقتها كأنما يشبهها الإعلام {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} الاختصاص ظاهر، الدعوة متضمنة، الرسالة واضحة، الترغيب ظاهر في ذلك، ونرى أثر هذا في حياتنا الرمضانية، فنحن في رمضان نقبل على القرآن لأنه فيه أُنزل، ولأن مدارسة جبريل لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام في رمضان كان اختصاصها، ولأن لرمضان خصيصة في الشفاعة لمن يتلوه ويسهر به ليله في قيامه، ولأن للقرآن في رمضان مزايا كثيرة وخصائص عديدة، فهل نذكر هذا الإعلان؟ هل نحفظه هل نتعلق به؟ هل نروجه؟ هل نستمع إليه؟ والأهم من ذلك كله هل ننفذه ونعمل به؟
{وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} البقرة : 184] شعار قرآني عظيم، {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}
الآية في سياقها لها دلالة متعلق بفريضة الصوم في أول الأمر، وأنه كان فيه شيء من التخيير بحسب القدرة والطاقة، ثم جاء الأمر من بعد بفرضية الصوم، لكن في هذا الترجيح قال الله جل وعلا: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}.
ويبقى القرآن ودلالة معانيه مضطردة واسعة، لا يحدها حد ولا تقف عند زمان، {وَأَن تَصُومُواْ} فريضتكم وفي غير فريضتكم، فإن في ذلك الخير العميم لكم، خير لنقاء قلوبكم، وزكاة نفوسكم، وإخلاص نياتكم، ومراقبة ربكم، وخفة أجسادكم، وصحة أبدانكم، خير لكم في كل شأن من شؤونكم، فهل تدركون هذا الخير، من الذي يقوله؟ الله -جل وعلا-، من الذي يسوقه ويتكفل به؟ الباري -سبحانه وتعالى-، ليس قولا من شركات، وليس قولا من شخصيات، بل هو القول الرباني المضطرد المطلق، وفي سياق آيات الصيام تأتينا أيضا بشريات وإعلانات، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] وللدعاء في رمضان خصائص ذكرناها، إعلان للاستكثار من الدعاء، إعلان للترغيب في الدعاء، إعلان بأبرز مزية يمكن أن تشدنا إلى هذا الدعاء، وهي قرب الله -عز وجل-، وسرعة استجابته سبحانه وتعالى، وللصائم دعوة لا ترد.. (ثلاثة لا ترد دعوتهم.. الصائم حين يفطر) (1).
ونمضي للنظر إلى صورة واسعة وإعلان شامل نجد الصوم فيه في موضعه ضمن هذا السياق الذي ينبغي أن يلتفت نظرنا إليه {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 35].
كم تأتي في الإعلانات أنواع وأصناف ثم تربط كلها في سياق واحد، هذه كلها صفات منها هذا الصوم الذي في شهرنا هذا يتحقق معظم أو كل ذلك الذي ذكر في هذه الآية فيتجدد الإسلام ويزداد الإيمان ويعظم القنوت ويزداد الخشوع، ويكثر التصدق، ويتوالى الذكر وتحفظ الحرمات وتحفظ الجوارح من المحرمات.
إعلان ترغيب عجيب عظيم، لنا لو كنا نفقه، ولست بمفيض في مثل هذا فالأمر فيه كثير، ولكني أنتقل بكم إلى صفحة أخرى.
الإعلان النبوي: وفي أحاديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- مزيد ومزيد من الترغيب والتشويق والترويج والتسويق والدعوة إلى كثير وكثير من خير دنيانا وأخرانا، وصلاح أحوالنا وأعمالنا بإذنه -عز وجل-، (عليك بالصوم فإنه لا عدل له) (2) حديث رواه النسائي وغيره، جاء جوابا لأبي أمامة الباهلي عندما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عمل فريد خاص يكون له عظيم الأجر والتقريب من الله -عز وجل-، فجاء الجواب النبوي في الكلمات الجامعة التي أوتيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عليك بالصوم فإنه لا عدل له) لا مثل له، لا نظير له في أثره، في أجره في خيره، في كثير وكثير من جوانبه التي نعلم بعضها ولا نعلم كثيرا منها، هل تعرفون بعض الإعلانات ماذا تقول لك؟ كذا وبس، الحل الوحيد هو كذا، هذا ولا شيء غيره، هكذا يقول لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأين نحن من مثل هذه الدعاية النبوية الترغيبية الإيمانية الحكيمة.
وليس ذلك فحسب بل الأمر كثير ووقفاتنا قد تطول في هذا لكننا نوجز: (للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه) (3).
كم هي الدعايات التي نراها للمهرجانات وللحفلات وللأفراح وللضحك وللكوميديا ولقضاء أوقات تنسى فيها هموم الدنيا وتنزاح عنك فيها أسباب الشقاء؟ هل تعادل هذه هذا الذي جاء في سياق هذا الحديث الذي هو من الأحاديث القدسية في أوله كما نعلم، {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].
الفرح الحقيقي، السعادة التامة، الهناء الذي يستقر في سويداء القلب وأعماق النفس، اللذة التي لا مثيل لها، لا تكون إلا في طاعة الله، لا تكون إلا بالاستمساك بمنهج الله، لو حزت الدنيا بكل ما فيها، لو عملت من الشهوات بكل أنواعها فثق أن سعادةً لن تستقر في نفسك، وهناءً لن يذوقه قلبك إن كنت بعيدا عن الله -عز وجل-: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} [طه: 124].
تأملوا سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- وهو يوجز لذائذ الدنيا وسعادتها فيقول: (حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة) (4).
فوق هذه الشهوات فوق هذه الملذات، فوق هذه الأمور الكثيرة التي ساقتها لنا أيضا الآيات .. {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} [آل عمران: 14] ماذا؟ {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}.
ثم بعد ذلك هناك شيء آخر، (جعل قرة عيني في الصلاة) منتهى اللذة غاية السعادة كمال الهناء، لا يكون إلا في الإقبال على الله في الإخلاص في الله، في التضرع لله، في التذلل بين يدي الله، في الانكسار لعظمة الله، في الخضوع والخشوع لما ينبغي أن نكون عليه في حال عباداتنا وطاعاتنا، حتى قال المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فيما أخبر به عن آخر الزمان: (أن السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها) (5) لقلة الطاعة والعبادة، أتعرفون ما كان يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أرحنا بالصلاة يا بلال) (6)، أرحنا بالعبادة بالصلاة بالوقوف والمثول بين يدي الله، نرتاح من نصب الدنيا، من أوضارها، من أشرارها، من خصوماتها، من كثير وكثير من منغصاتها، تبرأ نفوسنا من الأمراض، تسلم أبداننا من العلل، تطير أرواحنا إلى مرضات الله عز وجل تدمع عيوننا من خشية الله -سبحانه وتعالى-، تلهج ألسنتنا بذكره، تخضع جوارحنا كلها لحركات وسكنات لطاعته، من أعظم من هذا العابد المقبل على الله -عز وجل-، ولذا قال أسلافنا: "والله إننا لفي لذة وسعادة، لو علمها الملوك وأبناء الملوك ثم لم يجدوا إلا أن يجالدونا عليها بالسيوف لفعلوا"
هذه لذة الطاعات، ألا تشعرون بها في رمضان، ألا تشعرون بها وأنتم تقفون في القيام؟ ألا تشعرون بها وأنتم في جوف الليل أو في الأسحار تدعون الله وتكثرون من الاستغفار؟ ألا تشعرون بها وأنتم تنفقون من أموالكم لتدخلوا السعادة على إخوانكم؟ كم نحن في حاجة إلى الخروج من صخب الدنيا، إلى الفرح الحقيقي، الذي أخبر به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ما وصفوا به "وكانوا أفرح شيء بالخير والطاعة".
وهكذا يمكن أن نسوق الكثير والكثير، كم نحن في حاجة إلى الموازين الصحيحة، ليست السعادة فيما تملك في يدك، بل بما يخلص إلى قلبك، ليست السعادة بهذه الأشياء، بل بالحقائق المعنوية، كم نرى من قليل ذات اليد، وضحكته من أقصى فمه إلى فمه، مرتاح البال هانئ النفس، لا يحمل هماً، وكم ترى من أصحاب الملايين من الكدر على وجهه، والهم مرسوم على قسمات جبينه، فكره مشتت، وكثير من أحواله غير متسق ولا متزن، اعرف أين هو الطريق الصحيح لهذه اللذة، بهذا الإعلان النبوي فرح عندما تفطر، فرح بالطاعة بالاستقامة بالاستجابة، بالموافقة والاقتداء بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وفرح أخروي يتجاوز الزمان والمكان والحياة الدنيا وحياة البرزخ وهول المحشر ليكون ما وراء ذلك، فرح بصومه عند لقاء ربه، يوم يقول الحق سبحانه وتعالى ويناجي مناجيه في يوم القيامة: (أين الصائمون فيقومون ويدخلون من باب الريان، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد غيرهم) (7).
أعظم شيء في الوجود مثل هذا الفرح، ومثل هذا الترغيب النبوي الفريد العجيب الذي ساقه لنا في مثل هذه الكلمات الموجزة، وكلكم كذلك يعرف الحديث وهو عند الترمذي في سننه وكذا رواه النسائي وابن ماجه وغيرهم (إذا كان أول ليلة من رمضان نادى منادً يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء في كل ليلة) (8).
لو قيل لنا إعلان كما نسمع الإعلانات في الإذاعة على وجه الخصوص في كل يوم جائزة كذا وكذا، وفي آخر الشهر جائزة عظيمة كذا وكذا، ألستم تسمعون هذا؟ في كل يوم ألف ريال والجائزة الكبرى في آخر الشهر عشرة آلاف أو مائة ألف أو غير ذلك، هذه جوائز يومية في كل يوم وليلة عتقاء لله -عز وجل- من النار، من يتعرض لهذا العتق، من يسأل هذا العتق، من يفكر في هذا العتق، من يتمنى هذا العتق، من يرى هذا العتق في مقامه الأعظم وغايته الكبرى حتى يكون عنده أوكد همه وأعظم شغله، أليس المؤمن المسلم يكدح في دنياه وكل همه أن يكون من عتقاء الله -عز وجل- من النار؟ فكيف والأمر يساق في كل ليلة، والأبواب تفتح في كل ليلة، والخيرات تبذل في كل ليلة، والدعوات تستجاب في كل ليلة، فأين الغافلون؟ وأين المحرومون؟ وأين المفرطون؟ من هذه الأمنيات والبشريات، والدعايات الحقيقية الصادقة التي مهرت بمهر النبوة بقول محمد -صلى الله عليه وسلم-.
ولو أردت أن أمضي لوجدت الكثير والكثير، (الصيام جنة وحصن حصين من النار) (9) رواه أحمد في مسنده والبيهقي في الشعب وهو حديث حسن.
كم من الدعايات تأتيك لتقول: هذا هو الجهاز الذي يمنع كذا أو كذا، هذا الجهاز الذي يصد كذا وكذا، مع وجود هذا الجهاز فلا تفكر في كذا وكذا، ألست تريد وقاية من الشيطان، ألست تريد سلامة من الشهوات المحرمة، ألست تريد حفظا للجوارح من الآثام؟ ألست تريد هذا كله (الصيام جنة وحصن حصين من النار) قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين الذين يتدرعون بهذا الدرع؟ ويدخلون في هذا الحصن؟ ويحرصون على حراسة حدودهم وجوارحهم بهذه الحماية العظيمة التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم-؟
(ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفا) (10) (سبعين خريفا) ليست أقوالاً فيها مبالغات، ليست دعايات للترويج كلا، إنها أحاديث قالها المصطفى -صلى الله عليه وسلم- { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3- 4]، وهكذا نجد الأمر مضطرداً في مثل هذا.
وأنتقل بكم إلى الإعلان العلمي الذي قاله علماؤنا أوجزوا فيه القول، أحسنوا فيه العبارات جودوا فيه البلاغات حتى ينبهوا إلى ما في هذا الشهر وهذه الفريضة من الخيرات حتى يروجوا ويسوقوا لهذه الطاعات وتلك العبادات من كلام ابن القيم عن الصيام قال: "هو لجام المتقين، وجُنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين"، "لجام المتقين" تضبط أمورك، لا تقودك شهواتك، لا تصبح الضعيف المأسور الذليل لأجل شهوة في جوع بطن، أو شراب وجفاف حلق، أو شهوة في جماع وغير ذلك، بل أنت أقوى وأنت أشد من أن تستزلك تلك الشهوات أو أن تستميلك تلك المغريات.
"لجام المتقين وجُنة المحاربين" حارب الشيطان وسلاحك قوي ودرعك حصينة.
"ورياضة الأبرار والمقربين" كم نحتاج إلى هذه الرياضات العظيمة المؤثرة، وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة وحمايتها من التخليط الجانب لها، المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، تطهير كامل لا يبقى بعده أثر للشوائب بإذن الله، ولا تبقى كدرات تعكر صفو الإيمان، أو تنقص من قوة اليقين، أو غير ذلك، بهذا الصوم والعبادات الأخرى.
الصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، قد خطفت الشهوات من قلبك أجزاءً، واحتلت من نفسك مواقع، وأخذت من عقلك مساحات، اليوم فرصة للاستعادة لطرد المحتلين واستعادة كل شيء، إذا خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له، اليوم في هذا الشهر لست عبداً للشهوة تقودك إلى المهاوي والرذائل بل أنت اليوم مع الإيمان والحكمة والبصر والبصيرة التي تهديك إلى مواقع الخير، وتمنعك من مواقع الزلل والشر بحمد الله -سبحانه وتعالى-.
وللمنوي إعلان آخر يقول فيه: "في الصوم خلاء عن الطعام، وانصراف عن حال الأنعام" وهذه هي الكلمة التي أعجبتني في هذا الإعلان، "انصراف عن حال الأنعام" البهائم تأكل وتشرب وتنكح، هذه غاية وجودها في هذه الحياة، أنت تشابهها في ذلك من حيث الفطرة والغريزة، لكن إن جعلت حياتك كلها طعام وشراب ونكاح، لا تفكر إلا في ذلك، ولا تستزيد إلا منه، ولا تسعى إلا إليه، ولا تبذل المال إلا لأجل تحصيله، فيوشك أن تكون كحال الأنعام، يأتيك الصوم كما يقول هنا: "خلاء عن الطعام وانصراف عن حال الأنعام".
أنت إنسان وأنت مكرم بالإسلام، وأنت معظم متميز بالإيمان، فلا تكن كحال البهيمة والحيوان، فهل نعود مرة أخرى كما يحصل عند بعض الناس، يكثرون الشراب والطعام في رمضان أكثر منه في غير رمضان، فيفسدون كثيراً من حِكم الصيام، ويذهبون كثيراً من أحوال المفارقة بينه وبين هذه البهائم والأنعام، والأمر في هذا كما قلنا يطول، قال فيه: "انقطاع شهوة الفرج وسلامة الأعراض عن الاشتغال بالدنيا والتوجه إلى الله والعكوف في بيته ليحصل بذلك ينبوع الحكمة من القلب"
ولعلنا نجد الإعلانات كثيرة.
أنتقل في وقفتنا هذه إلى الإعلان العملي، هناك إعلان تعلنه الأمة الإسلامية كلها بمجموعها في كل أقطارها، وبجميع شعوبها، إعلانات ملموسة مرئية على الأقل في المظاهر العامة، إعلان للاجتماع والوحدة، فلا أحد يصوم غير رمضان، قد يختلف يوم أو يومان في رؤية أو غير ذلك، لكن الأمة تجتمع على عبادة واحدة في زمن واحد على هيئة واحدة، لتقول لنفسها أو تذكر نفسها بأنها أمة واحدة، أنها أمة اجتماع، أنها أمة ليست عندها من أسباب الفرقة والاختلاف ما يجعلها تتفرق شذر مذر، ويضعف حالها وتنقطع أوصالها، وتنفصم عرى روابطها، وتعود أو يعود بعضها ضد بعض، وهذا أمره عظيم، كما نعلمه من واقع الحال، وإعلان عن الاستجابة والقدوة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24] لماذا أنتم اليوم صائمون؟ استجابة لله، لماذا تصومون من الفجر إلى وقت الغروب وعلى صفة معينة؟ اقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هذا هو الوصف الصحيح، هذا هو السمت الحقيقي لأمة الإسلام أمة القرآن والسنة، أمة الكتاب والحديث، أمة منهج الله -عز وجل- وهدي رسوله -صلى الله عليه وسلم-، لا تستجيب لشرق ولا لغرب، ولا لنظم وضعية ولا لأمم متفقة أو مختلفة، الأساس الأول والأخير عندها هو هذا الذي يجعلها تغير أحوالها في طعامها وشرابها وأوقاتها وسائر أعمالها، لأجل طاعة ربها.
وإعلان ثالث في الإرادة والقوة، أمة تملك نفسها وتملك قرارها وتستطيع أن تتخلى عن كل شيء إذا جاء الأمر عن الله وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم-، (... يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي..) (11) كما ورد في الحديث القدسي عن رب العزة والجلال.
أليست هذه إعلانات ظاهرة في الأحوال العامة على أقل تقدير؟ أين هي من الأحوال التي نريد أن نبقى عليها وأن نرقى إليها؟ وأن نتنافس فيها؟
نسأل الله -عز وجل- أن يقربنا دائما وأبدا إلى طاعته ومرضاته، وأن يجعل حب الطاعات إلى قلوبنا أعظم من حبنا للماء البارد على الظمأ الشديد، أذقنا اللهم لذة طاعتك وحلاوة مناجاتك والأنس بقربك، والتذلل بين يديك يا رب العالمين. أقول هذا القول واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
أما بعد:
أيها الأخوة المؤمنون: ونحن في موسم التقوى الأعظم في شهر رمضان المبارك مع فريضة الصوم العظيمة الجليلة، ولابد لي من وقفة لا أريد أن أكدر بها خواطركم ولا أن أعكر صفو ما دعوتكم إليه أو رغبتكم فيه من خلال هذه الإعلانات العظيمة التي تدعونا إلى كل خير، لكنني كذلك في الوقت نفسه أريد أن لا نعيش في الأبراج العادية، وأن لا نبقى مع الأحلام الوردية، وأن ننظر إلى الحالات الواقعية، وأن ننظر إلى الإعلانات الإذاعية والتلفزيونية، الإعلان المعاكس ضد كل هذا الذي قلناه، نجده وللأسف الشديد جزء منه إعلان معاكس عملي، نرى صوراً منه نحتاج إلى التأمل فيها وإلى السعي ولو بالقليل لتغييرها، أين هذا الاجتماع والوحدة مع ما نرى من صور كثيرة من الفرقة والتخاصم والتناحر والتقاتل؟ أين هذه الوحدة الجامعة من الخذلان والتخلي عن الإخوان وعن المسلمين في كثير بل في كل مكان؟ أين نحن ونحن في هذا الشهر الكريم شهر الأمة الواحدة، أين نحن مما يجري في فلسطين وفي العراق، وفي أفغانستان؟ أين نحن من هموم مشاعرنا؟ من دعوات قلوبنا وألسنتنا؟ من بذل أموالنا ونفقاتنا؟ من الشعور الحقيقي بانتمائنا لأمتنا وولائنا لإخواننا ونصرتنا التي أمرنا الله بها؟ {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال: 72]، وحديث نبينا صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره .. بحسب المسلم من الشر أن يحقر أخاه المسلم) (12)، هكذا يخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذا هو الإسلام الذي يترابط فيه كل فرد كالبنيان المرصوص كما أخبر عليه الصلاة والسلام، كالجسد الواحد كما أخبر عليه الصلاة والسلام، ليست هذه تعبيرات، ليست تشبيهات هي حقائق كانت في زمن الإسلام عبر تاريخه كذلك نراها في كل حركة وسكنة في ذلك المجتمع الإسلامي الكبير.
ونحن ننظر كذلك إلى الاستجابة والقدوة، للنظر إلى كثير من المخالفات والمعاصي في إعلانات معاكسة، نراها عجيبة، أستمع في الإذاعة إذا كنت في السيارة -لا أقول مرة بل مرات وعشرات المرات- لإعلانات تعلن بشكل واضح وصريح ممارسة الحرام المنصوص نصاً واضحاً صريحاً على حرمته في كتاب الله -عز وجل-، أظنكم تستغربون وتظنون أني سأقول إعلانات عن كذا وكذا، إعلانات تسمعونها جميعكم كل يوم عشرات المرات، اتصل على الرقم كذا وكذا، أرسل رسالة كذا وكذا، وستحصل على جائزة كذا وكذا، أي شيء هذا إنه الميسر والقمار المحرم الصريح الواضح، يأخذون أموالك ويعطونك فتاتاً من الجوائز من ذات هذه الأموال، أرسل كلمة على الجوال، ثم ماذا؟ كم من الأموال تأتي لماذا؟ هذه المسابقات التي يُتصل فيها بالأرقام التي تسحب الأموال، تظهر كل يوم، أصبح الناس يألفونها وللأسف الصائمون العابدون قد يتفاعلون معها، وهم يشعرون أو لا يشعرون يعلمون أو لا يعلمون، أنهم يرتكبون محرما سيق في حرمته {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] تحريم ظاهر، بل قد قال النبي عليه الصلاة والسلام فيه من الأحاديث ما فيه وعيد عظيم، ونرى ذلك كذلك في الإعلانات التي تدعونا إلى الغفلة حتى لا نتذكر، وإلى الضحك واللهو حتى لا نعتبر ونجد، وإلى المزاح والضحك، حتى لا نخشع ونخضع، كم تسمعون من هذه الإعلانات كل يوم، وربما ترون كذلك، لماذا؟ لماذا تروج هذه الإعلانات؟ ولماذا تحصل؟ لكن أما وقد حصلت لماذا نستجيب لها؟ لماذا نتفاعل معها؟ ونترك إعلانات قرآنية ونبوية وعلمية وعملية وتاريخية فيها خير دنيانا وأخرانا؟ لماذا لا نحكم عقولنا؟ لماذا لا ننظر إلى حقيقة سعادتنا وإلى حقيقة ربحنا وخسارتنا؟ بدلاً من هذه الموازين المرتكسة التي ينتصب الناس فيها عند أعز الأوقات في ما بعد الإفطار ليقابلوا الشاشات وينظروا إلى الملهيات أو إلى المسابقات في وقت يمكن أن يخلدوا فيه إلى راحة ليستعدوا إلى طاعة، أو يعمروه بالذكر والتلاوة، أو يكون فيه وقت لجلسة الأسرة حتى تتذاكر في الخير وتتواصى به، حولنا كثيراً من أنماط حياتنا من خلال هذه الوسائل الإعلامية والإعلانية إلى عكس ما أردا الله -عز وجل- منا وكأننا نحكي أحوالاً -وللأسف الشديد غير ما أشرنا إليه-.
أين الإرادة والقوة في الكسل الذي نراه؟ وكثيرا ما أقول هذا ويغضب مني بعض الأخوة وأردده لأنني ما زلت مقتنعا به، في كل رمضان أقول انظروا عند بدء الخطبة إلى خلفكم قليلاً، ماذا ترون؟ النسبة الأقل من كل أوقات العام وفي سائر الأشهر التي يبكر فيها الناس للجمعة، لماذا؟ لأنهم نائمون، منذ متى؟ منذ انشقاق الفجر على أقل تقدير، فضلاً عمن نام في ليله، أفلا تستيقظ قبل الوقت قليلاً في رمضان في شهر الخير والأجر والثواب، نأتي نجر الخطى متثاقلين نائمين كسالى، لا أقول هذا هجوماً، ولكن أقوله تذكيراً، أقوله لنكون صرحاء مع أنفسنا، نحن نحتاج إلى هذه الصراحة القاسية أحياناً، وخير لنا أن نقول هذا لأنفسنا وأن نوجه فيما بيننا نصحاً بأسلوب حسن نعم، لكن بحقيقة واضحة كذلك، أين نحن من هذا؟ وترك العمل وترك الدارسة والطلبة الغائبون، وكل الصور التي تقول نحن في رمضان أمة خاملة عقولها معطلة، قواها خائرة، أجسادها في الأرض ملقاة، لماذا؟ لا أعرف لهذا سببا مطلقاً إلا هذه الأوهام والصورة النمطية الاجتماعية التي غيرت حقائق عباداتنا وأذهبت كثيرا من الحِكم والمقاصد والمنافع فيما ساقه الله -عز وجل- لنا، حتى قال قائلنا:
نحن يا شهرنا العظيم غدونا *** أرنبات تفر من صياد
وغدت خيمة الأخوة في *** الريح بلا أعمد ولا أوتاد
وهكذا نجد الأحوال التي تحتاج منا إلى تأمل فيما أسميته الإعلان المعاكس، كثيرة هي الإعلانات التي تعاكس المقاصد الشرعية والمنافع التعبدية، فاحذر منها ولا يُرغبنّك شيء من عرض الدنيا مغموس بالحرام، ومغموس بملهيات ومغريات تصرف عن الطاعات وتترك الخير العظيم الذي يتعاظم مع كل ليلة ومع ثلث وثلث وآخر الشهر، ونحن كما قلت في مرات سابقة كلما دخل الشهر المفروض أن نزداد لكن كثيراً منا أحيانا ينقص.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يعظم الإيمان في قلوبنا، وأن يرسخ اليقين في نفوسنا، وأن يعيننا على صيام رمضان وقيامه، وعلى حسن تلاوة القرآن وتدبر آياته، وأن يرطب ألسنتنا بذكره، وأن يملأ قلوبنا بحبه وأن يثبت أقدامنا على نهجه، وأن يجعل مرضاته غاية قصدنا، ومنتهى أملنا، ونسأله -عز وجل- أن يجعل أيدينا منفقة في سبيله وأقدامنا منتصبة في طاعته وجباهنا خاضعة لعظمته وألسنتنا لهجة بذكره إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
(1) رواه الترمذي. رقم الحديث: [2449]. الإمام أحمد في مسنده [7700]
(2) رواه النسائي. رقم الحديث: [2192]، والإمام أحمد في مسنده [21128]
(3) رواه البخاري. رقم الحديث: [1771]. ومسلم [1945]
(4) رواه النسائي. رقم الحديث: [3878] والإمام أحمد في مسنده [11845]
(5) رواه البخاري. رقم الحديث: [3192]. ونصه: عن أَبَي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا}.
(6) رواه الإمام أحمد في مسنده. رقم الحديث: [22009]. وأبو داود [4333]
(7) رواه البخاري. رقم الحديث: [1763] ومسلم [1947]
(8) رواه الترمذي. رقم الحديث: [618]
(9) روه الإمام أحمد في مسنده. رقم الحديث: [8857]
(10) رواه البخاري [2628]. ومسلم [1948]
(11) رواه البخاري. رقم الحديث: [1761]
(12) رواه مسلم. رقم الحديث: [4650]