الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 

إِنَّ مَقامَ الأمر بالمعروف والنَّهي عَن المُنكر من أَفضلِ المَقاماتْ، قالَ رسولُ الله -ِصلى الله عليه وسلم-: ((مَنْ رأَى منْكُم مُنكراً فَليغَيرهُ بيده، فَإنْ لم يَستطعْ فبِلسانِه، فإنْ لَم يستطعْ فَبِقلبه، وذلكَ أَضعفُ الإِيمانْ)).

هَذا هُو قَول الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فِي الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرْ، ولا يكاد يخْفَى عَلى أحدٍ من المُسلمينْ، ولكنْ هَل مَن يَعملُ بِهذا الحَديث يقْصدُ وجهَ اللهِ بِه؟ أمْ أَنَّه يَقصدُ إِرضاءَ نَفسهِ والتَّباهي بها؟

والمَقصودُ هُنا التَّحذيرُ والتَّنبيهُ لا التَّشهيرُ والتَّوبيخْ؛ لأنَّ هُناكَ نُفوسٌ تَحملُ بَعض الآفات، فبعضهم قد يَتَزينُ بِذلك لِيُقالَ إِنَّهُ آمرٌ بالمَعروفِ ونَاهٍ عن المُنكرْ، وإِنَّهُ جرِئٌ في الحَق لا تَأخذهُ في اللهِ لومةَ لائِم.

يَقول أحمدُ بن أبي الحوارِي سَمعتُ أَبا سَلمان يَقول: سَمعتُ أَبا جَعفر المنصورِ يبْكِي فِي خُطبتهِ يَوم ‏الجمعةْ‏‏،‏‏ ‏فاسْتَقبلني الغَضبُ وحَضرتني نِية أَنْ أَقُوم فَأَعظهُ بما أَعرفُ مِن فِعلهِ إِذا نَزل, قَالَ: فَكرهت أَنْ أقومَ إِلى خَليفةٍ فَأعظهُ والنَّاس جُلوسٌ يَرمقُونني بِأبصارِهم، فَيعرض لِي تزين، فَيُأمرُ بي فَأُقتلُ عَلى غَيرِ صحيح – أَي على غَيرِ نيةٍ صَحيحةٍ فَجلستُ وسَكتْ. وبَعضُهم يَتحولُ إِنكارهُ للمُنكرِ إلى غَضبٍ للنفسِ وانتصار لها بدلَ أَن يكون للهْ.

والغضبُ للنفسِ رُبمَا كان ابتداءً، كَأن يقول في نفسِه كيفَ يجرؤُ هؤلاءِ على ارتكابِ هذا المُنكر أمامي وأَنا الشيخُ الفُلاني، ألا يُقدرونَنِي،ألا يسْتَحونَ مني إلى غير ذلكْ، فيَأخذهُ الغَضب لنفسهِ فيَأمرُ وينهي بغير نيةٍ صحيحة, ورُبما كانَ مُخلصاً ابتداءً في أمرهِ ونَهيهْ، فيعرض له الغضبُ للنفسِ والانتصارِ لها في حالة الأمرِ والنَّهي، لكونِه لاقى بَعض الإهانةِ في إنْكارهِ المنكرْ، فتَصيرُ خصومةً للنفسِ.

كَما قَالَ عُمر بن عبد العزيزِ -رَحمهُ اللهُ- لرجلٍ: (لو لا أَنِّي غَضبانْ، لَعاقبتُك)، أَي أنَّك أغْضبتنِي فَخفتُ أَن تَمتزجَ العُقوبةُ بِكونِهِ غَضباً للهِ ولِنفسي، وقَد يَخلصُ للهِ في إِنكارهِ المُنكر، لكنهُ إِذَا جلسَ مجلساً أَخذَ يَصفُ فيه مَا فَعلَ، ويَتباهى بِهِ، ويَسبُّ أَصحابَ المُنكرِ سَبَّ الحَنقِ عَليهمْ ويَلعنهم، ولَعل القومَ قَد تَابُوا، فَحري بِمنْ تَصدى للأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكرِ أَنْ يتنبهَ لِهذا، وأَنْ يَسلكَ طَريقَ أَهلِ الإخلاصِ في صَلاحِ النِّيةِ والتَّلطفِ في الأمرِ والنهيْ، فقد كانَ هذَا طَريقُ السَّلفْ.

فَهذَا أَصلةُ بن شَيم -رَحمهُ اللهُ- رأى رجلاً يُكلمُ امرأةْ، فَقال: (إِنَّ اللهَ يراكمَا سَترنَا اللهُ وإياكُما), وكَان يَمرُّ بالقَومِ يلعبون فيقول: (يا إِخواني ما تَقولونَ فيمن أَرادَ سفراً فنَام طولَ الليلِ ولعبَ طولَ النَّهارِ مَتى يَقطعُ سَفرهْ، فانْتبه رَجلٌ مِنهمْ وقَالْ: يا قومُ إنَّما يعنينَا هَذَا  فَتابَ هُو وصَحبُه).

 

http://islamlight.net                    المصدر: