حاجة العالم اليوم إلى الإسلام

جمال ماضي 

 

العالم اليوم وقد أصبح غرفة صغيرة، كل ما فيها مرئي بمشاهده، وظاهر بمواقفه، وواضح بمبادئه.

فمن الذي يصدع قائمًا لله، ويعلن أن حضارة الإسلام التي تقوم على الإيمان بالله واليوم الآخر هي في الحقيقة أمان العالم، وأن عبودية الإنسان لربه من خلال التزامه بالصراط المستقيم هي بالفعل سعادة العالم: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة 21]..

من يصدع في أسماع العالم وهو يرى المشاهد ويسمع المواقف، فيعلن: ما الذي جناه من استغنى عن الإسلام إلا هذه الأزمات والمشكلات الاجتماعية والأخلاقية والنفسية التي تتفاقم لحظة بعد لحظة، فالأرقام مخيفة، والمعاناة أليمة؛ من: انحلال الأسرة، وانتشار الجريمة، وتفشي الإدمان، والجهر بالشذوذ، والتمتع بالانتحار: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمي وقد كنت بصيرًا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} [طه 125].

من يصدع في عالمنا اليوم لوقف نزيف الأطماع والجشع ويعلن: هل نجحت حضارة الغرب في تحقيق العدل مع شعوب الأرض؟! فما زالت النظرة إلى العالم الثالث بما فيه العالم الإسلامي نظرة الناهب المستعمر، الذي يريد سلب خيرات الشعوب، وإبقاءها متخلفة [20% من سكان العالم يتمتعون بـ80% من خيراته، و80% من سكان العالم يتمتعون بـ20% من خيراته].

ومن هنا فالمسلمون: يصدعون اليوم في قوة، وفي داخلهم أمل عميق بغد مشرق، وفي ثقة يعلنون: في حضارتنا الأمان، وفي إسلامنا السعادة، وأمتنا قادرة ومعها سلاح البناء الشامل، الذي تنهار أمامه أسلحة الدمار، ولا يستطيع أحد أن يمنعنا كشعوب وحكام وعلماء وجماعات من استخدام هذا البناء! فلماذا لا نحسن استخدامه من أجل مستقبل للبشرية وضـاء؟! ولو أحسنا استخدامه لتوافد على الإسلام الجميع لأنهم في حاجة إليه، ولا يستطيعون النجاة من دونه؛ إنه الإسلام الذي ينظم حياتنا، فيربط الإنسان بربه ونفسه ومجتمعه ووطنه وبالعالم، بل وبالكون كله: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا} [النساء 174].

فمن يعطل الأمة عن واجبها في العمل بهذا النظام الذي ينشر على الأرض الإخاء والصدق والعدل والتسامح والتكافل والرحمة والمحبة والعفاف والفضيلة وتماسك الأسرة، في وقت تتوالد فيه مشكلات الغرب من فوضي وتوترات وظلم وجشع وأنانية وأطماع وتصفية للقيم والمبادئ، فإلى أين يقود الغرب العالم؟ لقد آن الأوان أن نقوم بمهمتنا فيأتي إلينا الغرب ناهلاً لا ناهبًا، مستفيدًا وليس أستاذًا: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت 53].

فما حاجة العالم اليوم وكله رغبة في تحقيق العدل وكله جد في تحقيق الحق؟! إن ما ينقصه هو معرفة الطريق إلى العدل والحق والحرية، حتى لا يضل الطريق، أو يتنكب السبيل، ومن هنا يحصل على حاجته:

- إنه يحتاج إلى وحدة بين الشعوب تهدأ بها الحروب، وويلات الاختلافات والصراعات، وفي الإسلام ما يحتاجه: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات 13].

- إنه يحتاج إلى العدل والحرية والحق، وهذا قانون الأرض وسنة الله الماضية: {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلاً} [الإسراء 77].

- إنه يحتاج إلى دستور ينظم أمر الإنسانية، وليس دستورًا خاصًا بمجموعة وطنية أو عنصرية أو نفعية، وهذا هو القرآن الدستور الذي يداوي معاناة عالمنا اليوم: {إن هذا القرآن يهدي للتي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا} [الإسراء 9]، {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون} [الزمر 27].

فيا أمتنا ويا حكامنا ويا شعوبنا ويا علماءنا: هيا نكمل نقص الحضارة العصرية بقيم الايجابية والإنسانية، هيا نكمل عثرات الحضارة العصرية بحماية مسيرتها بالتشريعات الإلهية، فإن الواقع مر والمشهد أليم: هل ننتظر: حتى تُصفى القضية في فلسطين، وتُهلك الأنفس في باكستان، وتُدمر المدن في لبنان، وتُمحى الهوية في العراق، وتسري المجاعة في السودان، هل ننتظر: حتى يُقضى على الأنظمة، ويُهان الحكام، وتذل الشعوب، ويُعتقل المصلحون، لماذا ننتظر: ومعنا للعالم راحة النفس تكمل راحة الجسد، وسكينة الروح تكمل رفاهية الجسد، لماذا ننتظر: ومعنا أسمى الغايات تكمل أجمل الوسائل، ومعنا الحياة الطيبة تكمل أروع الأشكال.

إن شكوى الناس في عالمنا اليوم من: انحلال خلقي، وقلق نفسي، وتفسخ عائلي، واضطراب عقلي، وتفكك اجتماعي، وجريمة وعنف، وأوبئة وأمراض، وتلوث بيئي، ونفايات نووية، لتعلن عن سر الألم وأصل الشقاء وأساس المرارة: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} [الحشر 19].

فالطريق إلى المستقبل، والسبيل إلى الغد المشرق، لا يكون إلا باتباع منهج الإسلام؛ لأن فيه الهداية الحقيقية: {وإن تطيعوه تهتدوا} [النور 54]، وإلا كان العالم على خطر: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور 63].

نعم.. الإسلام بمنهجه الثابت وقدرته على التجديد والمرونة في آن واحد، قادر على أن يقدم الأصلح لحل المشكلات في كافة المجالات.

نعم.. الإسلام بفكره وقيمه ومبادئه وحضارته، هو الأصل الذي تنطلق منه كل أوجه الحياة. ولا سبيل إلى ذلك إلا: بالتحرر من التبعية، فهذا هو الأمل المنشود الذي يتطلع إليه كل مخلص غيور من حكامنا. ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاعتماد على ذواتنا في جميع الميادين، وهذا هو الأمل الذي يصبو إليه كل مخلص غيور من شعوبنا.

ولا سبيل إلى ذلك إلا: بضبط سلوكياتنا بالقيم والتقاليد والتصورات الإسلامية، وهذا هو الأمل الذي ينشده كل مخلص وغيور من أمتنا. ولا سبيل إلى ذلك إلا: بإسهام كل دولنا ومؤسساتنا وفئاتنا وتياراتنا وأحزابنا، على كافة المستويات، وبأقصى الطاقات، وهذا هو الأمل الذي يرجوه كل مخلص غيور في عالمنا اليوم.

وهذه حقيقة وليست خيالاً، وواقعًا رأيناه بالأمس القريب، في اختيار الشعوب للإسلام، وهو ما شهدت به جريدة الجارديان البريطانية حول فوز الإسلاميين في تركيا: "إن الفوز الكبير الذي حققه العدالة والتنمية لا يعني فقط أن الشعب التركي أعلن رفضه للطبقات السياسية التقليدية في البلاد من قوميين وعلمانيين، ولكنه منح أردوجان تفويضًا من أجل مواصلة سياساته الإصلاحية". وهكذا فالعالم اليوم في أمس الحاجة إلى الإسلام، ليصنع مستقبله الآمن، ويبني غده السعيد، فهل من معتبر؟!!

 

23 /7/1428هـ

6-8-2007م

 

http://www.islammemo.cc                      المصدر: