حكومة رام الله ترتكب جرما فادحا في حق الشعب وقضيته
د. بشير موسى نافع
لم تعد أهداف الرئيس عباس والمعسكر الملتف حوله خافية علي أحد؛ كما أن ما يعتقد الرئيس الفلسطيني أنها مصادر قوته أصبحت واضحة كذلك.
المشكلة أن الشر الذي يسكن أهداف الرئيس، والموقع الذي يحتله حلفاؤه في الصراع على فلسطين، تجعل وسائله وسياساته أقرب إلى الجريمة في حق القضية الوطنية منها إلى أي شيء آخر. وهي ليست جريمة عباس وحسب، بل ورئيس وزرائه، وكل من يخرج للدفاع عن هذه السياسات.
كما أغلب مراحل عمله في قيادة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، يقع عباس في الوهم الذي وقع فيه مرات من قبل. ليس من الواضح تحت أية ظروف على وجه التحديد بدأت رؤية عباس لتسوية سياسية سلمية للصراع على فلسطين في التبلور.
ولكن المؤكد أنه كان أحد الشخصيات السياسية الفلسطينية المبكرة التي سعت إلى بناء صلات بأطراف إسرائيلية رسمية وغير رسمية في السبعينات من القرن الماضي.
لقد بات معروفاً في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، أن حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973م، وما تلاها من تطورات، شكلت تحدياً كبيراً لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما أدى في العام التالي إلى تبني المنظمة برنامج النقاط العشر، الذي وضع الحركة الوطنية الفلسطينية على مسار التسوية سريع الانحدار.
ولكن ما سيتضح بعد ذلك، أن القيادة الوطنية لم تكن موحدة على نهج واحد للتسوية. ففي حين وقف قطاع ملموس من القيادات الوطنية موقف المتوجس والحذر، وعارض ما استطاع التسرع في اتجاه التسوية، رأى قطاع آخر، أن من المصلحة الالتحاق بالقاطرة العربية الرسمية، خاصة تلك التي تقودها القاهرة.
الخشية من تبلور اختلال فادح في ميزان القوى، بسبب عزم مصر الخروج من ساحة الصراع العربي الإسرائيلي، وخشية أخرى من تقدم الأردن لتسلم زمام المسألة الفلسطينية، ومن ثم حرمان المنظمة من أوهام مكاسب التسوية، دفعا قيادة منظمة التحرير إلى الانخراط في التوجه العربي الرسمي الجديد. بيد أن المواقف من عملية التسوية لم تقتصر على التوجس والالتحاق بالتوجه العربي الرسمي؛ إذ كان ثمة نهج ثالث يمثله محمود عباس، يعمل على تأسيس مسار فلسطيني منفرد في التفاوض مع الدولة العبرية: فلسطينيون وإسرائيليون، وجهاً لوجه، ودون ضغوط الالتزامات العربية.
لم يكن الطريق أمام هذا النهج سهلاً وممهداً؛ كان التفاوض المنفرد خياراً متساوقاً مع التصور الإسرائيلي، على أن الإسرائيليين أرادوا التأكد من تخلي الفلسطينيين عن الكفاح المسلح، كما كانوا يسعون إلى تخفيض سقف التفاوض إلى أدنى مستوى ممكن. ولكن نهج التفاوض المنفرد لم ينقطع على أية حال.
في مطلع التسعينيات، تبلورت ظروف موضوعية جديدة، إقليمياً ودولياً، دفعت إدارة بوش الأب إلي تبني مشروع جاد لإيجاد تسوية للصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهو ما تبلور أخيراً في مؤتمر مدريد.
وبالرغم من أن مسار مدريد لم يرق إلى طموحات الفلسطينيين، وأن إطاره العربي لم يكن إطاراً صلباً ومتماسكاً بالقدر اللازم والضروري لحماية المصالح العربية المشتركة، فحتى هذا الإطار الهش لم يكن محل رضا من أنصار نهج التفرد.
ولم يكن غريباً بالتالي أن تنطلق مساعي التفاوض المتفرد مع الإسرائيليين من خلف ظهر مفاوضي مسار مدريد الفلسطينيين والعرب، ودون علم أي منهم أو من العواصم العربية. هذه المساعي هي التي جاءت بمفاوضات أوسلو، التي كان عرابها الفلسطيني ليس إلا محمود عباس.
وفي حمى الابتهاج بتوقيع اتفاق أوسلو، والأوهام الهائلة التي أحاطت بوعوده، لم يخف عباس رغبته في إدارة الظهر للصحراء والوجه نحو المتوسط، وكأن تاريخ الفلسطينيين وجغرافيتهم خيار مجاني يمكن التخلي عنه أو نسيانه، أو كأن ميزان القوى يسمح بمثل هذا التخلي.
لم يستمع عرابو أوسلو لأي من الانتقادات التي وجهت له فلسطينياً أو عربياً، وبدا لبعض الوقت أن السلطة الفلسطينية قد ارتضت لعب دور الجسر والشريك للانتشار الإسرائيلي السياسي والاقتصادي والثقافي في كل المجال العربي ـ الإسلامي.
ولكنَ تطوراً غريباً سيبرز خلال السنوات الأخيرة من تسعينات القرن الماضي؛ فمنذ أخذ مسار أوسلو في التعثر، بدأت أصوات عرابي الاتفاق، وعباس علي رأسهم، في إبداء الندم، والإقرار علناً بالخطأ الذي ارتكب في أوسلو. وما إن شاع انحياز عباس لصف عرفات في رفض القبول بالضغوط الأمريكية الإسرائيلية خلال مباحثات كامب ديفيد 2000م، ظن كثيرون، بمن فيهم كاتب هذه السطور، أن عباس تغير، وأنه أدرك بعد التجربة الطويلة عقم النهج الذي روج له طوال أكثر من عقدين.
الحقيقة أنه إن كان الرجل قد تغير، فلم يتغير كثيراً. في جوهر رؤيته لمستقبل الصراع على فلسطين، محمود عباس لا يكترث لانتماء فلسطين العربي الإسلامي، ولا يرى في الارتباط العربي، الرسمي والشعبي علي السواء، بفلسطين إلا عبئاً ينبغي التخلص منه؛ عباس لا يري جدوى إلا في تفاوض منفرد بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بغض النظر عن الخلل الهائل في ميزان القوى، وفي الأبعاد العالمية للمشروع الصهيوني.
ولكنَ ثمة تطوراً أخطر طرأ على رؤية عباس خلال السنوات الأخيرة، وهو استعداده للقبول بأن التهجير والانقسام الذي تعرض له الشعب الفلسطيني في 1948م، نهائي ولا سبيل لمعالجته.
ولذا، ففي كل محاولات استئناف أوسلو التي شارك فيها، مباشرة أو بصفة غير مباشرة، أبدى عباس استعداداً للتخلي عن حق العودة، أي التخلي عن أكثر من نصف الشعب الفلسطيني. هذا السياق الطويل من تداخل الأوهام، وتجاهل حقائق التاريخ وموازين القوى، والتغاضي عن ثوابت القضية الوطنية، هو ما يجب استدعاؤه لفهم موقف عباس من الوضع الفلسطيني الراهن.
تصريحات عباس المتكررة حول حرصه على وحدة الشعب الفلسطيني، والدعوة إلى تراجع حماس عما يسمى الآن في خطاب معسكر الرئيس بالانقلاب على الشرعية في غزة، هي تصريحات لا تنم عن الهدف الحقيقي لعباس.
ما يريده عباس هو استغلال أحداث حزيران (يونيو) في قطاع غزة لإضعاف حماس، للقضاء على فعاليتها السياسية وقدرتها على تشكيل معارضة فلسطينية جادة وتعددية، لما يتصور الرئيس أن عليه إتباعه للتوصل إلى تسوية، وتجريدها من مكاسب الشرعية العربية والإسلامية والعالمثالثية، التي حققتها قبل وبعد الفوز في انتخابات 2006م التشريعية.
ولكن عباس يدرك أنه لا يستطيع تحقيق هدفه هذا بالارتكان إلى قوة حركة فتح وثقلها الشعبي.
فتح، كما يعلم عباس وكما حرص أن تكون طوال سنوات، تعاني من أعباء الشيخوخة، من أثقال أوسلو، ومن الأوبئة الأخلاقية والسياسية التي ألمت بها من سلطة الحكم الذاتي.
ويدرك عباس أيضاً أنه لا يستطيع اللجوء إلى النظام العربي، سيما دول الثقل الرئيسة، مثل مصر وسورية والسعودية؛ فقد أوضحت هذه الدول (على اختلاف مواقفها) منذ البداية رغبتها في محاصرة الأزمة واستئناف الحوار بين الأطراف الفلسطينية المتدافعة.
الخيار المتبقي هو الخيار الذي يلتقي أصلاً مع هدف تقويض وضع حماس وتجريدها من أدوات القوة: الخيار الأمريكي - الإسرائيلي.
لم يدر عباس ظهره للدول العربية الرئيسية وحسب، بل ويستقوي بالموقف الأمريكي ـ الإسرائيلي على العرب، ليعود بذلك إلى ما ميز تصوره للمسألة الفلسطينية وعلاقة الفلسطينيين بالمحيط العربي، منذ بدأ مسيرة البحث عن تسوية قبل أكثر من ثلاثين عاماً.
وهو لم يكتف بهذا، بل أوضح في تحالفه مع النفوذ الأمريكي ـ الإسرائيلي في الأمم المتحدة ضد مشروع البيان القطري، استعداده للذهاب إلى أقصى مدى ممكن لتحقيق أهدافه. ولا يكترث عباس بالانقسام الفلسطيني، بل إنه يرى في هذا الانقسام تخلصاً من عبء آخر يمكن أن يثقل خطاه نحو تحقيق أهدافه.
الحقيقة أن الرئيس الفلسطيني يغرق من جديد في واحدة من سحب الأوهام التي طالما احتمى بها منذ انتهج طريق التسوية، معتقداً أن بإمكانه هذه المرة التوصل إلى حل نهائي للصراع على فلسطين، أو على الأقل إلى إطار لهذه التسوية.
لقد عرف العالم خلال العقود الأخيرة سلسلة من حالات الحصار والتجويع التي فرضها النظام الدولي علي دول وشعوب بأكملها، من إيران في سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية، مروراً بالعراق في الفترة الفاصلة بين حربي الخليج الأولي والثانية، وكوريا الشمالية طوال أكثر من عقد من السنوات، إلى فلسطين في العامين الماضيين.
وبالرغم من توفر التشريعات القانونية الدولية لتغطية حالات الحصار تلك، فقد تعرف الضمير العالمي دائماً على الجريمة المستبطنة في حصار دولي، يقصد به تجويع وإذلال شعب بأكمله.
ولكن العالم لم يشهد حالة كتلك التي ينفذها عباس ورئيس وزرائه وبطانة المستشارين والناطقين الملتفين حوله، حالة حصار وتجويع يفرضه رئيس على جزء من شعبه.
وإلا، فكيف يمكن تفسير موقف المندوب الفلسطيني في الأمم المتحدة من مشروع البيان القطري؟ كيف يمكن تفسير قرارات فياض المتلاحقة بحرمان آلاف الموظفين في قطاع غزة من رواتبهم؟ كيف يمكن تفسير تواطؤ حكومة رام الله، بل وحثها كافة الأطراف المعنية، على إقفال المعابر القليلة، التي يتنفس منها أهالي القطاع؟ ومهما بلغت محاولات التبرير السياسية من تذاكي، فإن سياسة الحصار والتجويع التي يفرضها عباس وفياض على فلسطينيي القطاع، تتوفر على كل العناصر الضرورية للجريمة. هذه سياسات مجرمة بأي مقياس للجريمة.
تعتبر القضية الفلسطينية، بالطبع، أكثر قضايا العالم الحديث تعقيداً وأطولها عمراً؛ وتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية خلال القرن الأخير كان تاريخاً شائكاً ومحفوفاً بالمخاطر. وفي مثل هذه الظروف ليس من السهل دائماً التحكم في ما هو سيئ في النفس الإنسانية.
والفلسطينيون، سيما المتخصص منهم، يعرفون مساوئ قادتهم، كما ميزاتهم الكبرى، من الحاج أمين الحسيني إلى ياسر عرفات. ولكن التاريخ الفلسطيني لم يعرف زعيماً يحتقر شعبه ولا يكترث لآلامه، زعيماً يغرق في مشاعر الحقد والكراهية، زعيماً يجهل تقاليد شعبه وميراثه، وزعيماً يفتقد الشروط الأولية للزعامة، كما محمود عباس.
القادة الوطنيون، سيما أولئك الذين ألقيت على كواهلهم مسؤولية التحرر الوطني، يبذلون عادة من أنفسهم للحفاظ علي مقدرات شعوبهم، على ما يمكن توفيره من أسباب راحتها، وعلي أقصي ما يمكن تحقيقه من مستويات وحدتها. وقد كانت قيادة عرفات، بكل سلبياتها، تعبيراً عن هذه الخصال.
ما يمثله قادة رام الله اليوم، المخططون الرئيسيون بينهم والمهرجون، ليس حراسة ميراث عرفات، بل الانقلاب عليه.
ستمر هذه الأزمة بلا شك، عاجلاً أو آجلاً، كما مر غيرها من الأزمات.
ولكن مشكلة هؤلاء أن ثمة كثيراً مما قد يختلف عليه من سمات تميز الضمير الجمعي الفلسطيني؛ ما لا خلاف عليه هو عمق ذاكرة الفلسطينيين.
15-8-2007