تزوير في عمان ... من المسؤول ؟

عمر عياصرة

 

بعد أربع ساعات من بدء الانتخابات البلدية في الأردن، أعلنت جبهة العمل الإسلامي وهي الذراع السياسي لحركة الأخوان المسلمين انسحابها من العملية الانتخابية، وجاءت مبررات الجبهة مرتكزة على أن ثمة عمليات تزوير واسعة النطاق في الانتخابات تستهدف في مجملها مرشحي الحركة، سيما في المناطق الرئيسية: الزرقاء، أربد، مادبا.

وقد اختلف المراقبون والمحللون في قراءة خطوة جبهة العمل الإسلامي وتصعيدها المفاجئ، حيث يرى البعض أن ما أعلنته الحركة صحيح، وأن مخاوفها من استخدام العسكريين، الذين سمح لهم لأول مرة بالمشاركة في العملية الانتخابية، قد تأكدت وبشكل سافر في المناطق التي يجيد الإسلاميون اللعب فيها، وبناءاً على ذلك كان من الحكمة الخروج من هذا الصراع بماء الوجه من خلال انسحاب يحرج الحكومة المأزومة ويكشف حقيقة اتجاهات الإصلاح الديمقراطي في الأردن.

البعض الآخر ذهب إلى رواية الحكومة وأيدها وتبناها، وهي الرواية التي تقول إن الحركة الإسلامية خشيت من نتائج الانتخابات، وفوجئت بانحسار شعبيتها، فقامت بحركة تكتيكية، بغرض حفظ ماء الوجه وتوجيه اللوم للتزوير وللحكومة وللممارسات الانتخابية السلبية، وهي بذلك قد زورت الحقائق حسب زعم الحكومة.

والحقيقة التي يجب أن تمارسها الموضوعية العقلية هي أن ثمة استهداف من قبل الدولة الأردنية وحكومتها وأجهزتها للحركة الإسلامية، وهذا الاستهداف يجد شروطاً وظروفاً موضوعية تمكن هؤلاء من ممارسة شتى أنواع التشذيب والاستهداف للحركة الإسلامية.

ويعد الوضع الإقليمي، وظروف ما يجري على المسرح الفلسطيني، أبرز هذه الشروط التي تجعل صانع القرار الأردني أكثر توتراً وقلقاً من امتدادات الحركة الإسلامية وبرامجها وانتماءاتها وأهدافها.

والقارئ الموضوعي للمشهد السياسي الأردني، لا يسعه تفسير مسألة السماح للعسكريين بالمشاركة في الانتخابات، إلا كجزء من مشروع استهداف الحركة الإسلامية، حيث لا يمكن اعتبار هذه الخطوة بأنها تخدم الإصلاح السياسي كما زعم الناطق الرسمي الأردني، فالممارسات التشريعية في الأردن خلال السنوات الماضية تؤكد اتجاهات الدولة نحو مأسسة الحكم العرفي والقذف بمشروع الإصلاح والحريات وراء الظهر ولمدة طويلة وعسيرة.

على الجانب الآخر، فالحركة الإسلامية تعاني من ثغرات وإشكالات تجعلها أقل قدرة على صناعة الأفق المناسب للتعامل مع الأحداث والتعاطي معها، فهناك فوضى رموز في الحركة الإسلامية، وغياب قدرة على اتخاذ قرارات مناسبة تواجه بها حالة الاستهداف ومبرراتها وأدواتها، وهي أحوج ما تكون إلى عقل سياسي واقعي ورقمي يعالج المعادلة ويرسم الخطوات القادمة.

الحركة الإسلامية بقرارها هذا، دخلت في مرحلة تعاطي سياسي حقيقي مع النظام الأردني، وعليها ـ وفق ذلك ـ أن تحمل برنامجاً ومشروعاً متكاملاً، تواجه به تيار الاستهداف الذي يرمي بثقله نحو تزيين مبررات استهداف الحركة في ظل سلوكها الأخير والمفاجئ.

المطلوب من النخب الوطنية الأردنية في شتى مواقع التأثير أن تدرك وعلى الفور خطورة ما يجري في الأردن، وأن ثمة أجندات ومراكز قوى ظاهرة وخفية ترسم للأردن مستقبلاً مغامراً، وعليهم أن يتخلوا عن صمتهم وأن يسمعوا الأجهزة والمؤسسات والقصر صوتهم معلنين أن الحركة الإسلامية جزء من النسيج الوطني، وغيابها واستهدافها يعني الفراغ، والفراغ لن تملأه إلا قوى العدمية والتطرف.

وعلى هذه القوى الوطنية أن تمارس نفوذها الكامن باتجاه معرفة حقيقة القوى السياسية الفاعلة في الأردن واتجاهاتها وأجنداتها وانتماءاتها، فتؤكد عندها على القوى الصالحة وتعري الفاسدة، وتحتمل هي لذلك العناء والشدة، فتلك ضريبة حب الأوطان والوفاء لها.

وعلى الحركة الإسلامية إعادة قراءة ذاتها وحساباتها، وأن لا تقع في حوصلة الضحية والمظلوم، فتبرر لنفسها اتجاهات سيرها الحالية، بل عليها أن تبدأ من الذات، فتعالجها وتعيد قراءة خطابها وسلوكها السياسي والاجتماعي والثقافي، كما وعلى الحركة الإسلامية أن تدرك أن رصيدها الاجتماعي و التعبوي قد أصابه الخطر وبات محل نقاش داخل أروقة المحللين.

الحراك السياسي في الأردن غير متزن، والقرارات غير مفهومة المصدر، والاستقطابات قد تدشن مرحلة التصعيد، وهذا يستدعي من الجميع إعادة التمركز وبناء الأولويات وقراءة الخيارات، عل ذلك يكشف من يرغب بالبلد سوءاً ومن يريد للأردن خيراً.

 

01-8-2007

 

http://www.alasr.ws                  المصدر: