واشنطن وخيار الإسقاط بدل الحرب مع طهران!

طارق ديلواني

 

كثيرا ما تردد في أروقة السياسيين، أن أفضل طريقة للقضاء على الأنظمة، هو عزلها عن شعوبها، وفي المقابل طالما استقوت الأنظمة في الأزمات، التي تهدد كيانها، بالداخل، حتى لو كانت أنظمة قمعية ديكتاتورية.

وبعيدا عن كل ما يقال من كلام مكرور يوميا وسيناريوهات حفظت عن ظهر قلب حول أزمة إيران النووية، واحتمال شن هجمات أمريكية ضدها، ثمة أدمغة في الكونغرس الأمريكي تخطط بذكاء وحنكة سياسية، للإطاحة بالنظام الإيراني وإزالة تهديده "المزعوم"، دونما الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة ربما.

وفي ذات الاتجاه، يجمع المراقبون والمحللون أن الرئيس الأمريكي جورج بوش، لن يغادر منصبه في البيت الأبيض، قبل أن يفعل شيئا حيال إيران، لكن يبدو أن الخطط تتبدل وتتغير، أسرع مما تعتقد طهران، التي تعد العدة لتلقي ضربة محتملة.

 

ـ سيناريو الإسقاط!

السيناريو الجديد لاستهداف إيران، كما أوردته صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" في عددها الأخير، يعتمد على ثلاثة محددات:

المحدد الأول: حصول واشنطن على الضوء الأخضر من المعارض الأوروبي الوحيد لضرب طهران، وهي روسيا.

والمحدد الثاني: إشراك إسرائيل في الضربة بشكل أساسي وحيوي.

والمحدد الثالث: محاولة عزل النظام الإيراني وإسقاطه قبل الشروع في توجيه ضربة عسكرية محدودة.

لكن المشكلة الرئيسية للإدارة الأمريكية، أنها تفكر عسكرياً في المقام الأول، بل ربما يكون العمل العسكري هو خيارها الوحيد في كثير من الأحيان، رغم كل ما يقال عن سيناريوهات نظيفة للجم إيران.

خيار الإسقاط السلمي، يبدو أنه مفضل حتى من قبل الأمريكيين، الذين أظهر آخر استطلاع لآرائهم، أن نحو 10% منهم فقط، يؤيدون فكرة المواجهة العسكرية مع طهران.

 

ـ اللجوء إلى الشعب الإيراني!

اثنان من أهم المحللين والمراقبين الأمريكيين للأزمة، وهما مارك جوبين، مدير مركز الأديان العالمية والدبلوماسية وحل النزاعات، وجريجوري ميكس، النائب الديمقراطي من ولاية نيويورك، وعضو لجنة العلاقات الخارجية، لديهما رؤية جديرة بالاهتمام، تقول إن إيران ليست كتنظيم "القاعدة"، لكونها تتألف من مجتمع جد معقد، يمزج بين نمط الحكم الديني والاتجاهات السياسية الشعبوية وجماعات سلطوية متباينة.

ولعل أخطر هذه المجموعات، "الحرس الثوري"، الذي يتألف من نخبة عسكرية نافذة وذات موارد مالية ضخمة، ويقدر لنفوذه أن يزداد أكثر مما هو عليه الآن، في حال سعي العالم لفرض عزلة دولية على طهران.

وضمن هذه التقسيمات، يعتمد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد على المنحى السياسي الشعبوي الميال نحو المواجهة مع الغرب، ومما زاد هذا الجموح عند نجاد في الآونة الأخيرة بالذات، تصنيف الرئيس بوش للحرس الثوري الإيراني ضمن المنظمات الإرهابية.

ونقطة الضعف الرئيسية هنا، بحسب المحللين، أن جموح النزعة الشعبية، لا يفعل فعله على أتم وجه، إلا حين تكون المواقف والسياسات الخارجية الغربية إزاء دول العالم الإسلامي، فاقدة للشرعية والمصداقية.

وبالنسبة لعامة الشعب الإيراني، فليس أسوأ على الإطلاق في نظرهم، أكثر من تعرض بلادهم لضربة عسكرية تشنها تل أبيب، مدفوعة بالتحرشات الأميركية.

هذا وقد أثبتت كل شواهد التاريخ، أن تعرض أي دولة من الدول لهجوم أجنبي عليها، عادة ما يرجح كفة الرأي العام في الدولة المعينة لصالح التيار اليميني المتشدد.

وعليه، يرى هؤلاء أن أفضل وسيلة لفرض عزلة كاملة على الحرس الثوري والرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد ونظامه المتزمت، هي أن يفتح الغرب ذراعيه للشعب الإيراني، وأن يدعوه لإقامة علاقة مثمرة متفائلة معه.

والأكثر من ذلك، أن هذا هو الوقت الأنسب لإقامة علاقات صداقة كهذه بين الغرب والشعب الإيراني. والسبب أن "نجاد" قد فشل في الوفاء بالوعود التي قطعها لشعبه إبان حملته الانتخابية الرئاسية، بينما يزداد يوماً بعد يوم، تململ الإيرانيين وضيقهم من الانخفاض الحاد وغير المسبوق الذي شهدته نسب توزيع عائدات بلادهم النفطية.

 

ـ لا للعقوبات الاقتصادية!

المثير في هذه الرؤية، أن واشنطن تفكر جديا في وقف العقوبات المفروضة على طهران، على أمل كسب ود الشعب الإيراني، فقد أثبتت التجارب السابقة أن فرض العقوبات الأحادية على دولة ما، لم يكن وسيلة ناجعة لإرغام تلك الدولة على تغيير سلوكها وسياساتها نحو الأفضل.

ووفقاً لدراسة أخيرة أعدها، كل من ديفيد ليكتزيان من جامعة تكساس التكنولوجية، وزميله كريستوفر سبريشر من جامعة تكساس (إيه آند إم)، فإن العقوبات الأحادية، وخلافاً لما يرجى منها، كثيراً ما تنتهي بلقاء الدولتين المتخاصمتين في ساحة الحرب والمواجهة العسكرية.

أما السبب الثاني لهذا التحول المفاجئ في اللعبة الأمريكية مع طهران، اقتناع واشنطن أن فرض العقوبات، كما في حالة العراق وصدام حسين، لم يؤثر في النظام بل أثر في الشعب فقط.

الأكثر أهمية هنا، استطلاعات للرأي تعتمد عليها واشنطن كثيرا في سياستها، ومفادها أن 70% من الإيرانيين، يؤيدون أن يكون تحسين العلاقات مع العالم الغربي في مقدمة أولويات حكومة طهران.

والأكثر إثارة للدهشة في استطلاعات الرأي هذه، أن 61% من الإيرانيين أعربوا عن عدم رضاهم عن أداء حكومة محمود أحمدي نجاد الحالية، وهذا ما يعتقد الساسة الأمريكيون من أنصار نظرية إسقاط النظام، أن على واشنطن الاستثمار فيه، وكسب ود الشعب الإيراني بناءً عليه، بموازاة عزل الحكومة وحرسها الثوري.

 

19/08/1428هـ

  

http://www.almokhtsar.com                    المصدر: