يتصرفون في أموال الأوقاف بلا رادع
بين الله - تعالى - أن المال ظل زائل ولابد، ومتاع مؤقت ينتهي بنهاية الدنيا، وتنتهي اللذة به بموت صاحبه وبعد هذا السرد نجد أن الله نهى عن أن تأكلوا أموالكم بالباطل، أو أن يأكل بعضكم مال بعض بالباطل.وأكله بالباطل: أكله من غير الوجه المشروع الذي أباحه الإسلام، فكل ما أنفقه الإنسان من ماله في حرام أو فيما لا فائدة فيه، أو عن طريق الإسراف والتبذير المقصود، فهو أكل للمال بالباطل. وما أخذه من مال غيره من نقود، أو عقار، أو عين سلعة أو عن طريق الاستغلال بالمعاملات الربوية أو أثمان السلع المغشوشة، أو ما كسب بالقمار، وما يدفع للكاهن ومهر البغي، والرشوة، والغلول من بيت مال المسلمين، وغير ذلك من شبه الحرام، كل ذلك أكل لمال غيره بالباطل، وكذلك النفقة فيما لا فائدة فيه أو يعود على صاحبه بالضرر فهو أكل للمال بالباطل.
والباطل هو الزائل الذاهب الذي عاقبته الويل والندم والخسران والعذاب، فما أحرى وأحق أهل هذه الجرائم الذين أعرضوا عن تعاليم دينهم، وانتهكوا حرمات الله، وتمردوا على هذه التعاليم السماوية {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}(1) ما أحراهم بنقمة الله وغضبه، وعذابه، وعسير حسابه.
إن من الكبائر أكل الأموال بالباطل، وأخبث ذلك وأشده خطراً أخذ الرشوة وإعطاؤها فذلكم الداء العضال الذي ما خالط جسماً إلا وقضى عليه "فأيما جسم نبت من سحت فالنار أولى به"، فما خالطت الرشوة عملاً إلا أفسدته، ولا نظاماً إلا قلبته، ولا قلباً مطمئنا إلا أقلقته.
إن ما دعاني لكتابة هذه السطور هو أنني تابعت عن كثب اللوحات الداعية إلى تبرعات أهل الخير لبناء العديد من المساجد ولاحظت فيما بعد أن بعض هذه اللوحات وضعت إما ارتجالية وإما اجتهادية من قبل القائمين عليها، كما لاحظت أن هذه اللوحات لهذه المشاريع لم تأت من تخطيط مسبق ومن لدن جهة معنية، الأمر الذي أتحدث عنه هو أن البعض هداهم الله يضعون لوحة على إحدى الأراضي في بعض الأحياء، طالبين فيها التبرع لإنشاء هذا المسجد على هذه الأرض أو بعبارة أخرى "سيقام على هذه الأرض مشروع بناء مسجد للتبرع يرجى الاتصال ب......... أو التحويل في حساب........ أنا لست ضد هذه الفكرة وأؤيدها وسبق وأن عملت "الرياض" جاهدة على نشر أخبار تدعو فيها إلى استكمال بناء عدد من المساجد، لكن الملاحظ هو بقاء بعض هذه اللوحات لأربع سنين أو خمس، ويأتي أهل الخير الداعمون بصمت فيضعون مبالغ من المال في الحسابات المكتوبة على هذه اللافتات.
لقد حصل أن تابعت أحد المشاريع لبناء مسجد الذي وضعت ذلك النوع من اللافتات ومن مدة طويلة وحتى تاريخ نشر هذا التحقيق لم ينجز شيء في هذا المشروع، فلا أدري ماذا يفعل القائمون على مثل هذه المشاريع المتعثرة أو المتأخرة بقصد أو بغير قصد فالأمر لا يخلو من:
أولا: إن هذا القائم - وأنا أتكلم عن بعض هذه المشاريع - ليس لديه القدرة على إدارة مثل هذا المشروع.
ثانياً: أن القائم على هذا المشروع أراد أن يستفيد بحسن نية من مبالغ هذا المشروع وقام بتأجيل البناء والاستفادة من المبالغ أما بأسهم أو بغيرها من الاستثمارات الأخرى فهو حلل لنفسه ما لا يحل له.
ثالثاً: إن القائم على هذا المشروع أراد أن يستغل كرم وأريحية ورغبة المواطنين في فعل الخير استغلالا غير كريم.
رابعاً: أن هذه النقاط السالفة الذكر تحتم علينا المطالبة بتكوين لجنة لوضع استراتيجية عمل لبناء وتشيد وصيانة المساجد أولا: تحديد الموقع المناسب والأهمية، ثم تحديد التكلفة بشرط ألا يبالغ فيها ثم بعد ذلك تحديد الأشخاص القائمين عليها وثم مراقبة مثل هذه المشاريع ومتابعة العمل فيها حتى النهاية.