المنهج الوقائي في الإسلام (9)
د. علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى:
أما بعد:
أيها الأخوة المؤمنون: حديثنا موصول في المنهج الوقائي في الإسلام وقد أسلفنا القول في منهج الإسلام في الوقاية من فتنة الدنيا التي قد تسلب القلوب، وتخطف الأنظار، وتهوي بالعقول والأفكار، ولما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء).
ولما كان من مقدمة أسباب الفتنة تلك الفتنة الناشئة عن العلاقات الآثمة المحرمة بين الرجال والنساء، وما تفضي إليه من شيوع الفواحش والرذائل وانتشار العلل والأمراض وتقطع الأواصر وتفكك الأسر، وما ينشئ عن ذلك أيضاً من غياب الأمن وكثرة الجرائم، وما يتعلق بذلك من عقوق الأبناء وضياع مهمات الآباء لما كان الأمر كذلك.
فإن حديثنا اليوم عن منهج الوقاية في الأسرة اللبنة الأولى في المجتمع تلك النواة التي إن صلحت كان صلاحها سبباً في صلاح المجتمع؛ بل وباباً من أبواب الولوج إلى مستقبل أفضل من خلال تربية للأبناء أمثل الأسرة في لغة العرب لها معناً جميل تدلنا هذه اللغة التي تبين المعنى على الحقيقة المعنوية للأسرة قال ابن منظور في لسان العرب: "الأسرة: الدرع الحصينة، وتطلق على عشيرة الرجل ورهطه الأدنون؛ لأنه يتقوى بهم "فالأسرة بالنسبة للإنسان درع حصينة تحصنه من الفتن، وتجعل له من يكون معه عوناً على أسباب هذه الحياة ومواجهة مشكلاتها .. فهي قوة معنوية ومادية ونوع من التماسك والترابط الذي يجعل هناك نوعاً من التحصن والتماسك الذي يكون - بإذن الله -عز وجل- سداً مانعاً من تلك التيارات الجارفة التي تريد أن لا تبقي خلقاً، وأن لا تحافظ على فضيلة، وأن لا يكون في النفس البشرية معناً من معانيها الإنسانية التي فطرها الله -عز وجل- عليها.
وحديثنا في مثل هذا الأمر يحتاج إلى كثير وكثير من التفصيل والبيان لأنه يلامس واقعنا ومجتمعنا.. وكثير مما نشكو منه من المشكلات والمعضلات يرجع إلى تفريط في أمر الله وهدي رسوله -صلى الله عليه وسلم- عموماً، وفي باب الأسرة والمرأة خصوصاً فلننظر إلى ما أراده وقرره الإسلام في كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما هو تمام العصمة وكمال الحصانة بحيث إذا اتبعه أهل الإيمان والإسلام نالوا تلك المعاني العظيمة:
أولاً: النية:
والإسلام يبدأ ببواعث الأمور ومنطلقاتها وجوهرها ولبها قبل ما يعالج ما يتعلق بالمظاهر والأعمال، فقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .. ).
فمبعث التوجه لبناء الأسرة ينبغي أن يكون مبعثاً إيمانياً إسلامياً؛ لأنه إن يكن كذلك كان بدئ هذا على غير منهج الله سبباً للانحراف ومسماراً يدق في هذه الأسرة يوشك بعد حين عاجلاً أو آجل أن يكون سبباً في هدمها لأن الأعمال بالنيات وهذا ظاهر في نصوص القرآن والسنة: {و أنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإيمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}.
إن كانوا صادقين في توجههم لهذا النكاح لاتباع أمر الله وهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتحقيق المقاصد الشرعية من هذا؛ فإن الله -عز وجل- تكفل بأن يعينهم كما ورد عند النسائي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ثلاثة حق على الله أن يعينهم - وذكر منهم - الناكح يريد العفاف ).
له مقصد مشروع، له نية لله -سبحانه وتعالى- يتبعها بعد ذلك - كما سيأتي - باتباع الأوامر القرآنية والنبوية فالمبعث في هذا أن الزواج أو أن تكوين الأسرة عبودية لله، واتباع لشرع الله واقتفاء لهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي قال: (النكاح من سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني).
وهو أيضاً تأس واقتداء بالرسل والأنبياء كما أخبر الحق -سبحانه وتعالى-: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية}.
وقصد ثالث، ونية ثالثة في بقاء النوع وتكثير النسل فيما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما حث وحض فقال: (تناسلوا تكاثروا؛ فإني مباهي بكم الأمم يوم القيامة).
وكذلك تلبية نداء الفطرة وغريزة الجنس المركوزة في نفس الإنسان عبر طريق مشروع نظيف طاهر ليس فيه ذلك الاعتساف والاعتداء،ولا ذلك الذل والابتذال وتلك الإباحية والفساد بل في هذه المؤسسة الإسلامية القائمة على أمر الله -عز وجل-، فمن كانت نيته على غير هذا كما قد يكون من بعض الناس إنما يبتغي الزواج لشيء من مفاخرة، أو لشيء من معاندة يتزوج امرأة يريد أن يذلها أو أن يسيء إلى أهلها ويضمر شراً فإن مثل هذا لا يكون له توفيقاً في غالب الأحوال ويسلب ما في الزواج من مودة ورحمة وسكينة وسعادة.
الأمر الثاني: الاختيار:
إذا نوى توجه للبحث وجاء الإسلام ليرشده ويبين له الأسباب التي تجعل اختياره موفق يكون أساساً لحياة ممتدة، قائمة على الحب والمودة وعلى التعاون على البر والتقوى يخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري في الحديث المعروف المشهور أيضاً: (تنكح المرأة لأربع: لجمالها ولحسبها ولمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك).
وهذا الحديث واضح في دلالاته في ذكر الأمور التي يلتفت إليها وينظر إليها وهي الأربعة مال، وحسب، ودين، ثم رجح النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتبار الدين وجعله الأول والأمثل الذي يكون ما بعده تبع له، وأخبر عليه الصلاة والسلام بهذا حتى يتقي المسلمون الأسباب المفسدة الفاسدة وأن لا يغتروا بالمظاهر الكاذبة، فقد حذر المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فقال: (إياكم وخضراء الدمن) قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: (المرأة الحسناء في منبت السوء).
وتأمل هذا الحديث مبادرة منه صلى الله عليه وسلم لتكون هناك أسباب للوقاية والحماية تحذير من خضراء الدمن، فلما استفسروا عنها، قال: (المرأة الحسناء في منبت سوء).
ذات جمال ومظهر أخاذ لكنها في منبت سوء وأخلاق فاسدة .. فأي شيء ينفع جمالها إذا انقلبت جحيماً وسعيرا،أو إذا كانت تسلك طريق الرذيلة !نسأل الله -عز وجل- السلامة.
والله -عز وجل- من قبل هذا يؤسس القاعدة القرآنية في قوله عز وجل: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم}.
والله -عز وجل- يقول: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين}.
فأي نظر هو الذي يلتفت إليه كثير من الناس اليوم؟
ألا تراهم يسألون عن الأحساب والأنساب؟ ألا ترهم يبحثون عن الأرصدة والأموال؟ ألا تراهم يبحثون عن الصور، والجمال البهاء، والبياض، والسمار ونحو ذلك والدين في آخر القائمة؟
إن لم يكن قد خرج عنها فلم يكن له مكان فيها ثم من بعد ذلك يشكو من سوء خلق الزوجة، أو عدم تربيتها للأبناء، أو نحو ذلك فيقال لمثل هذا: "يداك أوكتا وفوك نفخ" اخترت على هواك، وتبعت ميلك، وأعرضت عما أرشدك إليه القرآن والسنة، ثم تشكو من بعد ذلك!
والأمر في المقابل كذلك في السنن الترمذي وغيره أيضاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).
فما شكا الفتنة والفساد فليعلم سببها في مخالفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. والأمر في هذا بيّن واضح.
والنبي أيضاً يحذر أن لا تغرنا المظاهر فيأتيك من يأتيك ببعض المظاهر فتعطيه ابنتك فيكون له معها من الأحوال مالا تحمد عقباه..
مرّ رجل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ومعه بعض الصحابة، فلما مضى قال لهم: ما تقولون في هذا - وكان الرجل ذا هيبة وبهاء وحسن منظر – فقالوا: إن هذا حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، ثم لم يلبث قليلاً حتى مرّ رجل من فقراء المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم - بعد أن مضى - ما تقولون في هذا ؟ قالوا: إن هذا حريٌّ إن نكح أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع.. هذا هو المنظار الاجتماعي الظاهري، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- إثر ذلك: (إن هذا - إشارة إلى ذلك الفقير - خير من ملء الأرض من مثل ذاك).
إن المفاضلة عن الإسلام والإيمان إنما تكون بالتقوى والإيمان وبالصلاح و الاستقامة على أمر الله لا تغرنك ألبسة فاخرة، ولا أموال ظاهرة، ولا مظاهر زائلة فإن وراء ذلك كله أمر ينتهي إليه كل الخلق ومن بعد ذلك حساب وعقاب وكم نرى من الآباء من لا يلفت نظره إلى ذلك بل لا يفكرون إلا فيه، بل لا يبحثون إلا عنه، بل لا يسألون إلا عنه كأنما بناتهم بضائع تباع وتشترى فيرون من عنده المال الأكثر فيعطونه هذه البنت، ويشكون من بعد ذلك عندما ترد إليهم مكسورة الجناح، مهيضة الأركان، قد أذلهّا وأساء إليها .. فيلطمون حينئذ خدودهم، ويشكون أمرهم، وما عرفوا أنهم سلموا الغنمة للقصاب ومهمته أن ينحر ! وذلك هو المتوقع والمنتظر منه، فإذا سلمت ابنتك لغير ذي خلق ودين فأي شيء ترجو منه؟ وأي أمر تنتظره منه؟
وهكذا نرى كل ما يقع من مشكلات مجتمعاتنا، وكل ما هو ما واقع في ديار الإسلام والمسلمين إنما هو بترك الطرق السليمة، والمناهج القويمة التي جاءت في القرآن والسنة حماية لنا وصيانة لنا من الوقوع في المهالك والأضرار، ونرى في ذلك أيضاً أموراً كثيرة، ونصوص عظيمة تدلنا على الآثار .. ذكر ابن عبد البر قصة فيها ذكر لأمر حدث بين عمر ورجل من المسلمين:
جاءه الرجل يشكو عقوق ابنه ويذكر من ذلك أمور محزنة مؤلمة فجاء عمر بالابن وقرعه على عقوقه أبيه، فقال الابن لعمر الفاروق -رضي الله عنه-: أليس للابن حقوق على أبيه؟، قال: بلى! قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب، قال: فإن أبي عندما انتقى أمي انتقى أمة سوداء حبشية مجوسية فنكحها - يعني كانت في الأصل مجوسية - ثم بعد ذلك قال ولم يحسن اسمي، وإنما سماني جعلاً - وهو الخنفساء - ثم لم يعلمني حرفاً واحداً من كتاب الله، فالتفت عمر إلى الرجل فقال: "قد عققت ابنك قبل أن يعقك"؛ عندما لم يحسن اختيار امرأة صالحة مربية تقوم على أمر الأبناء أي شيء يتوقع من مثل هذا.
وهذا مثال من الأمثلة وباب من الأبواب التي قد تصل الأمور فيه إلى منتهاها فإذا كان هذا أيضاً باب مهم وهو باب الاختيار.
والباب الثالث الذي نلج إليه أيضاً وهو: باب التبكير والتيسير:
أي التبكير بالزواج وتيسيره .. هذا رسولنا -صلى الله عليه وسلم- يقول في نداء فيه الحث العظيم والندب الكبير إلى الزواج لتحقيق هذه المصالح ولسد تلك الأبواب من المفاسد: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).
فالأصل أن أدنى درجات الاستطاعة ينبغي معه التبكير إلى الزوج، ولو نظرنا في سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وفي سيرة أصحابه والسلف الصالح -رضوان الله عليهم- وأجيال متعاقبة في تاريخ أمة الإسلام لم تكن تعرف إلا التبكير بالزواج، وله مصالح عديدة، وفوائد وثمار عظيمة، وقوله: {و أنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم إيمائكم}.
يدل على مثل هذا المعنى أي المبادرة والمبادرة تكون من الأولياء مما يدل على أنه معينين لأبنائهم وبناتهم مما قد لا يستقلون به، بل قد قال بعض أهل العلم: إن من أوجب وأعظم الحقوق على الأب إن كان مستطيعاً أن يزوج ابنه وكثيرون يستطيعون بل ينفقون على أبنائهم من الأموال ما يزوجهم أربعاً فإن قلت له زوجه، قال: مازال صغيراً وأي صغر يعني مازال ابن العشرين أو ابن الخامسة والعشرين!.
وأظنه ينوي أن يزوجه أو يساعده على الزواج إذا بدأ يتوكأ على عصى مما قد ألم به من تقدم السن، أو الأمراض، أو نحو ذلك وكذلك الأمر بالنسبة للفتيات وهو أعظم حبيسات في البيوت قعيدات في الغرف حتى يتجاوزن العشرين والثلاثين ثم يبحثن أو يبحثوا أهلهن فلا يجدون أحد يتقدم لزواج وهذه بلية من البلايا ورزية من الرزايا وأعراف اجتماعية جدت ومظاهر عن المنهج الإسلامي شذت، وإذا بها تكون كأنما هي الأمر الغالب المنتشر وكأن غيره هو الشاذ المخالف ولماذا؟ ومن الذي جاءنا بهذا؟ ومن أين أصبح هذا عرفاً مقررا وأمر متبعا إنها تلك الترخصات والابتعاد عن منهج القرآن والسنة والتيسير الذي أيضاً تعد مخالفته عقبة كبيرة وجوده سبباً من أسباب الوقاية والحماية ألسنا نرى ونسمع كثيراً من المشكلات إما إن فتاة تبلغ الثلاثين لا تتزوج في مثل هذه العصر التي عظمت فيها الفتن، وكثرت فيها الشهوات وتعددت وتفننت ألوان المغريات أنى لنا أن نتوقع منها تماسكاً وحفظاً لنفسها وأعظم من ذلك الشباب مع ما يرى ومع ما يخالط ومع ما عنده من جرأة وما يرى ويتعلم من تلك الأسباب نسأل الله -عز وجل- السلامة.
هذا حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- يبين لنا هذا الأمر ويؤكده علينا فيما رواه البخاري: عن عبد الرحمن بن عوف - ونحن نعرف أن ابن عوف رضي الله عنه كان رجل من أثرياء المسلمين وممن فتح الله وبسط عليهم الرزق - تزوج عبد الرحمن بن عوف على قدر نواة من ذهب، فلقيه النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو هاش باش، فسأله عن سر ذلك! فقال: أعرست بنواة؟، وقال الشرّاح: "إن ذلك فيه دلالة على أن عبد الرحمن بن عوف كان مسروراً بتيسير زواجه بمهر قليل رغم أن عنده مال كثير، وفرح بذلك حتى رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- فرحه ورأى أن ذلك من أسباب البركة والخير".
والله -عز وجل- قد قال لنا في شأن الزواج: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}.
فإذا غلت المهور، وعظمت الديون لم تكن مودة، ولم تكن رحمة؛ إنما صار البيت خصومات وحسابات وشركات ومقاصات وغيره من الأمور التي تذهب بهاء الحياة وتبعد سعادتها.
وفي حديث آخر أيضاً - وهو حديث عمر المشهور - فقد تكلم فيه بعض أهل العلم وبعضهم حسنه بل صححه بعض منهم عندما قال -رضي الله عنه-: " ألا لا تغالوا في صدق النساء فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-! ما أصدق امرأة من نسائه وما أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية". فهل لنا في رسول الله قدوة وأسوة؟
ولو كان هذا التغالي كما قال عمر مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكنه عندما تزوج أو زوج كان أعلى مهر اثنتي عشرة أوقية قال عمر! وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها بغض في نفسه؛ وحتى يقول: "كلفت لكم عرق القربة"، ويقول: "أنا ما تركت وراءي شيئاً ولا أمامي شيئاً حتى جعلته في مهرك ! أنا بسببك أخذت كذا وكذا ! وتدينت كذا وكذا!" فما يزال ذلك حتى تبغضه، وحتى يكره العيش معها، ويكون من وراء ذلك ما يكون؛ بل قد ذكر بعض أهل العلم استنباطاً من قوله عز وجل: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا}.
استنبط بعضهم - وإن كانت الآية نازلة في الإيماء وفي بعض إيماء أبي ابن سلول حينما كان يقول لهن: اذهبي فبغي لنا شيئاً؛ يعني اذهبي فافعلي الفاحشة واتِ بمال حتى ينتفع به -قال بعضهم: و مثله كل سبب يؤدي إلى دفع الفتاة إلى الوقوع في الفاحشة؛ فإن وقعت وكان السبب من ذلك تعظيم مهرها من أهلها بما منع زواجها ربما يدخلون في عموم هذه الآية".
وذكر ابن عبد البر قصة قال: وجد صبي منبوذ في بعض مساجد أصفهان معه صرة فيها مئة دينار، ورقعة مكتوب فيها: "هذا جزاء من لا يزوج ابنته". وهو أمر واضح، ودلالته بينة .. فأمر التبكير والتيسير من أسباب العصمة، ومن أسباب الوقاية بإذن الله -عز وجل-.
وأمر أيضاً بعده وهو أمر: الحرية والتخيير بالنسبة للفتاة والمرأة:
عندما يأتي خاطبها ويتقدم لها من يرغب الزواج منها؛ فإن الأمر إليها، وإن الرضى منها، وإن الاختيار لها، وإن قولة مع من أولاء في آخر الأمر مردها إليها .. ليس عرفاً اجتماعياً ولكنه حكم شرعي، وقد يذكر لها الأمر قد ترغب فيه، وقد تذكر لها المحاسن، أو تذكر له المساوئ فتعان على اتخاذ الرأي لكنها لا تجبر عليه؛ كما نعرف في الحديث المتفق عليه عند البخاري ومسلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن) قالوا: يا رسول الله فكيف إذنها؟ قال: أن تسكت!).
وهذا أمر عظيم كم نرى من الأسر من يغفل عنه ويجبر المرأة، أو ابنته، أو يستغفلها فيمرر عليها زواجاً المصلحة فيه له والنظر فيه إلى ما يحتاج إليه من مال، أو من سيارة، أو نحو ذلك وإنما الفتاة بالنسبة له نوع من الطعم الذي أغرى به ذلك الزوج ليحقق مقصده والطعم ما شأنه أن يأكل ويهضم فلتذهب إلى الجحيم تلك البنت كأنما ينحرها أبوها، أو تقدمها أسرتها إلى المذبح لتذبح ! نسأل الله -عز وجل-السلامة.
واستمع إلى ما وقع في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-: خنساء بنت خذام كانت ثيباً، و ذكرت للنبي -صلى الله عليه وسلم- أن أباها زوجها بدون إذنها، فأتت الرسول -عليه الصلاة والسلام- وأخبرته فرد النبي -صلى الله عليه وسلم- نكاحها؛ أي أبطل نكاحها عليه الصلاة والسلام. رواه الجماعة إلا مسلم بهذا.
لماذا؟ لأن هذا هو الشرع وهذا هو الدين وأيضاً في رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه، أن فتاة - أي بكر صغيرة - جاءت إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- قالت: إن أبي زوجني لابن أخيه ليرفع به خسيسته - مصلحة ذاتية للأب في صفقات أو في معاملات اجتماعية معينة - فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمر إليها؛ أي الأمر إليك إن قبلت فالأمر قد مضى وأن رفضت؛ فإن العقد يفسخ.
فجعل الأمر إليها فأجازت ما فعله أبوها، وقالت: أردت أن أعلّم النساء أن ليس للآباء شيء؛ أي ليس له شيْ في أمر الموافقة النهائية، أو الإجبار، أو الإكراه وكم نرى من مخالفة ذلك المشكلات نسأل الله -عز وجل- أن يحفظ علينا أسرنا.
الخطبة الثانية:
أما بعد:
أيها الأخوة المؤمنون: إن مراعاة هذه الأمور الشرعية من تقوى الله -عز وجل- وهي عصمة وحماية ووقاية من وقوع المفاسد والمشكلات بإذن الله -عز وجل-.
ومن هذا الباب أيضاً: باب الرعاية والتقدير:
بأن جعل للمرأة رعاية وتقدير بأن يتولى أمر نكاحها بعد موافقتها وليها؛ حتى لا تباشر الأمور بنفسها، وحتى لا تكون عرضة للحرج والحياء، وحتى لا تكون أيضاً عرضة للخداع والمكر والكيد الذي لا تعرفه المرأة الغراء ويتقنه الرجال الأذكياء وأصحاب المكر والدهاء فقد يغريها وقد يعمل لها أموراً كذا وكذا ويضحك عليها فتصدقه؛ فإن كان أمرها إليها وقعت في المحذور، وإن كان أمرها أيضاً إلى وليها بصّرها وحذرها، وإن جاء للعقد ورأى شيئاً أنكره، وإن كانت تريد شرطاً أقره لها وحافظ لها على حقها ولم يسلبها ذلك الأمر .. بحياء قد تتعرض له إذا جاءت لتعقد وحدها فيقال لها: ولما هذه الشروط وأنا وأنت شيء واحد! ونحن سنصنع كذا وكذا ! فتتنازل، أما وليها فهو المعبر عن رأيها المحافظ لحقها للمكره لها ولا النائب بلا أمرها عنها بل هو لهذا الأمر، ومن هنا قال الله -عز وجل-: {وأنكحوا الأيامى منكمس} أي أن الأمر يتولاه وليها. وفي حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا نكاح إلا بولي). بل قد قال عليه الصلاة والسلام - كما عند الإمام أحمد في المسند والترمذي في السنن - قال: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل).
ونحن نرى ماذا يروج في الأفلام والتمثيليات: كل امرأة تزوج نفسها ممن شاءت، وتفعل ما شاءت، وتخرج عن طوع أهلها وأبيها وأمها، ويقال: إن هذا من باب الحرية الشخصية، ومن باب الثقة بالمرأة، وينسون كل هذه المآسي التي تقع عندما يتجاوز الناس حدود شرع الله -عز وجل- والولي البصير الخبير الشفيق الرحيم خير لها من نفسها في كثير من الأحوال حتى إنه قد يعرضها للصالحين من عباد الله يبتغي هو لها زوجاً هو الذي يسعى ويبحث؛ حتى يختار لها الأفضل والأكمل والقدوة في ذلك صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الفاروق عمر كما نعلم لما تأيمت حفصة -رضي الله عنها- ومات زوجها، وانقضت عدتها، مضى إلى عثمان -رضي الله عنه- قال: إن شئت زوجتك حفصة، قال: أمهلني، ثم لم يمضي إلا أيام حتى جاء، فقال: إني رأيت أن لا أتزوج في يومي هذا، ووجد عمر شيئاً في نفسه، ثم مضى إلى أبو بكر، قال: إن شئت زوجتك حفصة، قال: فسكت ولم يرد عليه، قال: فوجدت في نفسي عليه أكثر مما وجدت على عثمان، ثم خطبها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتزوجها فجاء أبو بكر إلى عمر، فقال: لعلك وجدت عليّ إذ لم أرد عليك فما منعني من ذلك إلا أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذكرها، وما كنت لأفشي سر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو أمسك عنها لتزوجتها.
هذا عمر يعرض حفصة -رضي الله عنه-. لا يعرضها بضاعة بائرة ! وإنما يلتمس لها الأفذاذ والكرام من الرجال؛ لأن أولئك قوم كانوا يعرفون معنى الأسرة، ومعنى المجتمع، ومعنى حاجة المرأة إلى الزوج، ومعنى الأصهار والتقارب والتراحم، بل إن المرأة نفسها عرضت نفسها للأخيار تلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول ثابت الجنانيس: أتيت أنساً وعنده ابنة له قاعدة، فذكر أن امرأة عرضت نفسها على النبي -صلى الله عليه وسلم- ليتزوجها، فقالت ابنة أنس: واسوءتاه ما أقل حيائها! كيف تعرض نفسها؟ فقال أنس -رضي الله عنه-: هي خير منك عرضت نفسها على رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
وهكذا نرى كيف ينبغي أن تكون الأمور وهذا هو أمر الإسلام وهذه آيات القرآن وهذا هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من سار عليه وتبعه كان له كل الخير وعصم بإذن الله -عز وجل- من كل الشر، ومن تنكب غير هذا فلا يلومن إلا نفسه .. نسأل الله -عز وجل- أن يحفظ علينا أسرنا، وأن يرزقنا برّ أبنائنا، وأن يوفقنا لحسن تربية أبنائنا .. ونسأله - عز وجل - أن يحفظ شبابنا وشاباتنا .. نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل العصمة والحشمة والحياء والعفة.