جناية ممتهن نهش لحوم العلماء

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد:

فإن من رحمة الله - تعالى -، ومنّه وكرمه وفضله أن امتن على هذه الأمة بأن قيض لها علماء فطاحلة أفذاذ، يحملون هم هذا الدين، ينفون عنه تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ علماء شرفهم الله - تعالى -بأن جعلهم ورثة الأنبياء، وشرفهم بأن اصطفاهم، وجعلهم أخشى الناس له، يقول الله - عز وجل -: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء). [سورة فاطر، الآية: 28].

وكيف لا يستحقون ذلك وهم من حَمَى حِمَا الدين من لصوص الضلال، ومنحرفي الخِلال؟!. فهم الذين عم فضلهم الخاص والعام، فعلّموا الناس الخير، وأرشدوهم لجادة الصواب والحق، وحذروهم من سلوك دروب الضلال، والوقوع في طوام الشبه والملذات.

ويا للعجب! فمع ما لهم من خصال حميدة، وخلال جميلة، تجد فئاماً من الناس قد انبروا لنهش لحومهم، وتتبع سقطاتهم وزلاتهم، فتجد شخصاً لا تُعرف له سابقة في العلم، ولا بادرة للخير، قد أخذ يفري في لحومهم، ويتهكم بأعراضهم، ويحاول البروز بتسلق أكتافهم، ظناً منه أنه سينال ما يروم، وما درى الغبي أنه استعجل المنية بالبروز والظهور.

أيها الإخوة:

إن مما ينبغي على الجميع اعتقاده، أنه ليس ثمة أحد من الناس معصوم من الخطأ، بل كل الناس معرض له، "وخير الخطائين التوابون".

ولذا فعليك يا عبد الله أن لا تصاب بأزمة نفسية، ولا بفاقرة قلبية، عندما تظفر بوهم لعالم، يقول الصنعاني - رحمه الله -: "وليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تُغمر في جنب فضله وتُجتنب ".

فعلى ذلك وطّن نفسك على قبول زلة العالم دونما اتباع منك له، أو تشنيع منك عليه، أو تسفيه منك لرأيه.

فإنّ الأمر بلغ ببعضهم - والعياذ بالله - أن تجرأ على تسور القلوب، وتسلق حائط الأفئدة والصدور! فتجده يرمي هذا بأنه زنديق ضال، وذاك بأنه مبتدع مخادع، وآخر بأنه منافق ومرائي! فلست أدري من سوغ له قذف الناس بما هو محال عليه اكتشافه، بل بما اختص الله - تعالى - بعلمه.

يقول ابن عساكر - رحمه الله -: "واعلم يا أخي - وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله - تعالى -منهم لنعش العلم خلق ذميم".

وإن مما يتولد عن ظاهرة تجريح العلماء: تفكك الأمة، وزرع بذور الشقاق والفتنة، وفشو العداوات، وانتشار الرزايا والبليّات، بأن تفتقد المرجعية الشرعية، وتتفشى صور الانحلال، وتظهر البدع والخرافات، وتتيسر امتطاء منابر العلماء لكل مسكين متعالم جاهل، فيا ليت شعري أي جناية سيجلبها لنا ممتهن نهش لحوم العلماء؟!.

وإذا عثرت على وهم لعالم فعليك تجاهه أن لا تتبعه في زلته، ولا تأخذه بهفوته، وفي هذا يقول الشيخ العلامة الجهبذ بكر بن عبد الله أبو زيد - شفاه الله - في كتابه الماتع (التعالم): "ومن قياس الأولى إذا رأينا عالماً عاملاً قد وقعت منه هنة أو هفوة فهو أولى بالإعذار، وعدم نسبته إليها، والتشنيع عليه بها؛ استصحاباً للأصل، وغمر ما بدر منه في بحر علمه وفضله".

وقد تتابعت كلمات العلماء في الاعتذار عن الأئمة فيما بدر منهم، وأن ما يبدو من العالم من هنات أو زلات لا تكون مانعة من الاستفادة منه.

فها هو الإمام الحافظ الذهبي - رحمه الله - يقول في دفع العتاب عن الإمام محمد بن نصر المرزوي: "ولو أنّا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورا له قمنا عليه وبدّعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابنُ نصر ولا ابنُ مندة، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة".

نسأل الله أن يهدي القلوب إلى الحق، وأن يستأصل شأفة سوء الظن من الصدور، إنه سميع مجيب،،،

 

http://www.islamlight.net                       المصدر: