رحلة إلى المجر ( 2 )

 

نواصل اليوم أيها الأحبة، المسير في دراسة أحوال الأقلية الإسلامية في دولة المجر، وقد كنا توقفنا في الحلقة السابقة عند المآسي التي آلت إليها أهم معالم الحضارة الإسلامية الكبرى في تلك البلاد واليوم ندخل مدينة بيتش الواقعة في أقصى جنوب البلاد، لنقف على ما يعانيه فيها مسجداً مهيباً من الانتهاك لحرمته، وفرض الرموز المسيحية عليه، إذ أضيف صليب بارز فوق الهلال الذي يعلو القبة الخضراء للمسجد التاريخي، فيما عُلِّق صليب ضخم فوق محرابه الذي يضم نقوشاً عربية هي عبارة عن كلمة التوحيد. وتم تحويل هذا المسجد إلى متحف يتضمن صوراً مزعومة للرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وبينما يُبدي عشرون ألف مسلم في المجر حزناً على عشرات المساجد والمدارس والمعالم الإسلامية في البلاد، بعد أن تم إحراقها وهدمها أو طمسها بعد العام 1686؛ فإنّ هناك من بات يشاطرهم هذا الحزن منذ أواسط القرن العشرين. إذ تداعى خبراء الآثار والمفتونون بالمعالم الحضارية التي شيدتها الإنسانية عبر التاريخ إلى التدخل للمطالبة بصيانة المعالم النادرة التي نجت من الممارسات الهمجية.

ورغم الحال المزري والامتهان الشديد الذي ما زال يخيم على هذه الآثار الإسلامية فإنّ مكسباً هاماً كان قد تحقق في السنوات الأخيرة بضمها إلى قائمة المنشآت التاريخية المُصانة من العبث بموجب القانون، لكنّ المسلمين يأملون في عودتها إلى وضعها الطبيعي الذي تقتضيه الحياة في رحاب الحرية الدينية والأجواء الديمقراطية.

وقد تأسست في بودابست منذ عدة سنوات جمعية إسلامية مهمتها الحفاظ على الآثار الإسلامية وإعادة ترميم المساجد، كما تم إنشاء مدرسة إسلامية تستخدم في اللغة المجرية بعض الكلمات العربية بنفس معناها، ويوجد في المجر العديد من الكتب والمخطوطات الإسلامية.

وكما لم تسلم الأبنية من أيدي الحقد الصليبي كذلك لم يسلم الإنسان حيث تناقصت أعداد المسلمين في المجر. فبلغت أعدادهم في أعقاب الحرب العالمية الثانية ثلاثة آلاف مسلم.

 ثم تزايدت أعداد المسلمين مرة أخرى،، و كان من أهم الظواهر التي شهدتها المجر في أعقاب الانفتاح الديمقراطي انتعاش الإقبال على اعتناق الدين الإسلامي. فيما كان من المستغرب بالنسبة للمراقبين أن يعتنق المئات من الفتيات والشبان الدين الإسلامي دون جُهد يُذكر من جانب المسلمين. وبذلك تحول الزي الإسلامي إلى مشهد مألوف في أروقة الجامعات المجرية، في إشارة على إقبال الشريحة الطلابية على الدين الإسلامي.

وفي العهد الشيوعي جمعت علاقات ودية بودابست مع عدد من العواصم العربية الصديقة كدمشق وبغداد وعدن، تمثل في حضور كبير للطلبة الوافدين من سورية والعراق واليمن، بالإضافة إلى العدد الكبير من الطلبة الفلسطينيين والسودانيين الذين تلقوا تعليمهم العالي في جامعاتها العريقة.

وخلافاً لطبيعة الهجرة المألوفة إلى بلدان غرب أوروبا طلباً للعمل، فقد جاء التحصيل الأكاديمي في مقدمة مبررات الوجود العربي والإسلامي في هذا البلد، وهو ما يبدو ملحوظاً في دول شرق أوروبا بشكل عام.

ولكن هامش الحريات الدينية المتاح حتى العام 1989 لم يكن ليفسح المجال أمام نمو الحضور الديني الإسلامي، الذي اقتصر خلال ذلك العهد على بعض النشاطات الثقافية والاجتماعية في الأطر الطلابية العربية.

وفي نهاية يونيو 1989م طرأ حدث تاريخي، عندما قام المسئولون المجريون والنمساويون بإزاحة الستار الحديدي، في خطوة رمزية تعكس انتصار الانفتاح والديمقراطية في الكتلة الشرقية ككل وليس في المجر وحدها.

في أعقاب ذلك افتتحت عدد من المصليات في مدن المجر، فيما تم تسجيل جمعيات إسلامية، وأصبح بالإمكان القيام بالفعاليات العامة بلا ملاحقة من جانب الشرطة السرية.

وانطلاقاً من مدينة بودابست، التي كانت مدينة إسلامية قبل قرون، تعمل حالياً عدد من الجمعيات والمؤسسات الإسلامية الصغيرة، وقد تأسست هذه الجمعيات في غضون السنوات العشر الماضية، وفي العام 2000 تأسست في مدينة بيتش الواقعة جنوب البلاد "جمعية المنارة". وتُقام الصلوات في مساجد قليلة لا تغطي أراضي البلاد التي تتوزع على 19 مقاطعة تفترش 93 ألف كيلومتراً مربعاً، ففي بودابست يوجد مسجدان صغيران، وهناك مسجد في كل من مدينة سجد، ومدينة ميشكولت، فيما تقام صلاة الجمعة وحدها في مسجد تاريخي بمدينة بيتش جرى تحويله إلى مزار سياحي ومتحف ونشرت الصلبان قسراً في أروقته.

وبينما تسعى الجمعيات الإسلامية العديدة إلى توفير فرص ممارسة الشعائر الإسلامية في المجتمع غير المسلم، فإنّ جمعية القلم تكثف منذ تأسيسها في العام 1998 فعالياتها التي تُعنى باحتضان معتنقي الإسلام من المجريين، وتثقيفهم، والتطرق إلى الخدمات التي يمكن للمسلمين أن يوفروها للمجتمع المجري الذي يعاني من تناقضات معقدة.

ومازال مسلمو المجر يواجهون مع مطلع القرن الحادي والعشرين جمله من التحديات لكن أبرزها يتمثل في إحياء اعتراف الدولة بالإسلام و بالمجموعة الدينية المسلمة مثلما حدث بالنمسا التي أصدرت قانون الإسلام لعام 1912م- الذي يتضمن الاعتراف الرسمي بالدين الإسلامي، وينظم العلاقة مع المسلمين-، ويعود الاعتراف المجري بالدين الإسلامي إلى بدايات القرن العشرين إلا أن هذا الاعتراف في الحقيقة يكتنفه الغموض.

ومع كل ما سبق فإن المسلمون في المجر يتمتعون بكامل الحرية في العبادة والدعوة، وأوضح رئيس جمعية دار السلام في العاصمة المجرية" بودابست"، أن التعصب للمذاهب بين المسلمين في المجر أمر ليس موجود، وهم كالجسد الواحد ويحكمهم المنهج الإسلامي القويم. كما أن أحوال المسلمين في هنغاريا تدعو للتفاؤل؛ لأن المسلمين في المجر استطاعوا تأسيس حضارة إسلامية راقية، ولأن الأقلية المسلمة في المجر من الأقليات المسلمة النشطة في قارة أوروبا، ولأن اللغة المجرية ليست لغة أوروبية وإنما لغة آسيوية تأثرت بالعروبة والقرآن الكريم.

و مع ذلك يتطلع إخواننا المسلمين بالمجر إلى تحقيق جملة من الأهداف الكبرى في المرحلة المقبلة، ليضمنوا لوجودهم استقراراً هادئاً وفاعلاً في هذه البلاد بعد أن آل حال مسلمي القرون الغابرة فيها إلى تذويب قسري وعذابات أليمة.

 

http://www.islammemo.cc                      المصدر: