الزواج المختلط ردة بعد إسلام .. وخوف على تربية الأبناء

فاطمة الناجي/ الرباط

 

أدى الانفتاح على المحيط الخارجي للعديد من الدول إلى بروز العديد من الظواهر السلبية، ولعل من بين هذه الظواهر الزواج المختلط، فبالمغرب مثلاً يقع زواج بين شباب مغاربة وفتيات أجنبيات، وزواج مغربيات بأجانب، وأصبح هذا الأمر ترتفع نسبته في الآونة الأخيرة خصوصاً مع ظهور التكنولوجيا الحديثة وآليات التواصل عبر الإنترنت ومواقع التعارف والزواج، حتى أصبحت ظاهرة تستدعي إثارة الانتباه إليها بالنظر إلى ما تخلفه من مشاكل مرتبطة بالهوية المغربية الأصيلة وما لها من تأثير على تربية الأطفال ونشأتهم.

 

تفكير في "ابنة البلد"

يروي عبد الرحيم قصته مع الزواج المختلط، الذي يعتبره غلطة في حياته، قائلاً "تزوجت ألمانية من أجل أن أحصن نفسي ظاناً أننا سنتفاهم خاصة أنها كانت تعمل معي، غير أن العديد من المشاكل بدأت تبرز بيننا خاصة فيما يتعلق بالإسلام واللباس، مما جعلني لا أتسرع في قرار إنجاب الأطفال".

عبد الرحيم، في حديثه لمجلة الأمة، شدد على أن المشكلة لا تكمن في بداية الحياة الزوجية لكن مع مجيء الأبناء تصبح العديد من العراقيل مطروحة من قبيل اللغة والدين والتقاليد وطبيعة التربية التي سيتلقاها الأطفال خاصة أن الطفل أقرب للأم مقارنة مع الأب.

دام زواج عبد الرحيم بزوجته الألمانية سنتين وبعدها اتخذ إجراءات الطلاق ويرغب الآن في الزواج بمغربية، لأنه يعتبر أن الزواج بـ"ابنة البلد" يجعل التواصل معه ومع عائلته سهلا ويسيراً، إضافة إلى أن الزوجة الأجنبية ستلقن تقاليدها وعاداتها خاصة التي تخالف الدين الإسلامي والتقاليد المغربية إلى أطفاله مما يؤدي لابتعادهم بذلك عن هويتهم الأصيلة. لم يكن عبد الرحيم وحده من فكر في الطلاق، بل بعض المغاربة، المقيمين بأوربا خاصة اتخذوا الإجراءات نفسها وغالباً ما تكون الأسباب متشابهة، ولذلك يحذرون من الزواج المختلط.

 

تربية على شاكلتها

محمد شاب مغربي (33 سنة) كان يدرس بروسيا الصيدلة وبعدما أنهى دراسته العليا عاد إلى المغرب ليعمل برفقة زوجته الروسية، حاولت الزوجة التكيف مع حياتها الجديدة في مدينة محمد الصغيرة، وأن تلتزم عادات وتقاليد المنطقة، فأنجبا طفلين، وبعد مرور خمس سنوات لم تستطع الزوجة تحمل عادات وتقاليد المنطقة، كما لم يستطع محمد أن تستمر زوجته في تربية ابنيهما على طريقتها، فهو يريد أن يكونا مغربيان وهي تحب أن تقوم بتربية طفليها بما تراه مناسباً لهما.

دام الصراع بين الزوجين، وذات يوم عاد محمد من عمله ليجد أن الزوجة اصطحبت طفليها وعادت إلى بلدها دون سابق إخبار ولا إنذار، مما جعله يعيش أزمة نفسية ويشعر بخطئه المتمثل في الارتباط بامرأة أجنبية غير مسلمة. ما يزال محمد يعيش بعيداً عن ولديه وما يخشاه أن ينشئا غير مسلمين خاصة أنهما ما زالا صغيرين ورافقا أمهما التي لا تتبع أي ملة أو دين، على حد تعبيره، يقول محمد بأسى "لحد الآن مازلت لم أجد حلا لمشكلتي وأنتظر حتى الصيف من أجل الذهاب إلى روسيا وبحث الموضوع معها لعلها تعود إلى المغرب، أو تتنازل لي عن الطفلين لأنني سأشعر بالذنب إذا اتبعا ديناً آخر غير دين الإسلام".

 

ردة بعد إسلام

بعض الأجانب يوثقون إسلامهم بالمغرب ليس بسبب اقتناعهم بالإسلام أو ارتضائهم به ديناً لهم، بل يكون الدافع هو رغبتهم في الزواج بمغربية خاصة أن الإسلام شرط لصحة عقد الزواج بالنسبة للرجل الذي يرغب الزواج من مغربية، وما تواجهه الزوجة بعد الزواج هو ردة الزوج الذي أعلن زواجه ليستمر في الدين الذي يدين به.

فاطمة من أمثال المغربيات اللواتي سقطن في هذا الخطأ، إذ تعرفت على مواطن فرنسي عبر الإنترنت واتفقا على الزواج شريطة أن يقتنع بالإسلام ويعلنه، فأخبرها بنيته في ذلك، وبعد سنة من التعارف أتى للمغرب وذهبا عند شاهدي عدل ووثق إسلامه وتقدم لخطبتها من أسرتها وعقدا القران.

بعد حفلة الزفاف رافقت فاطمة زوجها إلى فرنسا وبعد شهر اكتشفت أن إسلامه لم يكن سوى خدعة من أجل الزواج بها وسرعان ما عاد إلى حالته الأولى حيث أصبح يقصد الكنيسة ويتناول الحرام، فلم تجد بداً من الانفصال عنه والعودة إلى بلدها تجر خيبة أملها ولسان حالها يقول هذه نتيجة الزواج عبر الإنترنت والزواج المختلط..

 

أرقام ومعطيات

هذه نماذج من الحالات التي لجأت إلى الزواج المختلط الذي يعرفه المغرب، إذ أفادت دراسة جديدة أن النساء المغربيات أصبحن أكثر إقبالاً على الزواج من الأجانب عكس ما كان متعارفاً عليه من كون الرجل المغربي هو الأكثر إقبالاً على الزواج من الأجنبية.

وأوضحت الدراسة أن عدد المغربيات اللواتي تزوجن بأجانب انتقلت من 996 فتاة سنة 1997 إلى 2507 فتاة سنة 2001، بينما ارتفع عدد الرجال المغاربة المتزوجين بأجنبيات من 314 سنة 1997 إلى 1366 سنة 2001..

 

كما تفيد الإحصائيات التي أنجزها قسم قضاء الأسرة بالرباط حول الزواج المختلط بين مغربيات وأجانب، تسجيل 334 حالة سنة 2003، تتوزع فيها جنسيات الأجانب على 34 دولة، منها 15 دولة عربية: السعودية ومصر والجزائر والإمارات وتونس والبحرين وليبيا وفلسطين والأردن وسلطنة عمان وسوريا والسودان ولبنان والعراق وقطر، و11 دولة أوروبية: فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وإسبانيا وألمانيا وبولونيا وبلجيكا وسويسرا والسويد والبرتغال والدانمارك، وسبع دول إفريقية: جنوب إفريقيا وإفريقيا الوسطى والسينغال وغامبيا وبنين والكونغو وكينيا، وست دول آسيوية: أندونيسيا وباكستان وبنغلاديش والهند وإيران وكوريا الجنوبية، و2 من أميركا الشمالية: الولايات المتحدة الأميركية وكندا، بينما لم تسجل أي حالة من أمريكا الجنوبية وأستراليا.. ويأتي الفرنسيون بـ 116 حالة زواج بمغربيات، يليهم الإيطاليون بـ 20 حالة، ثم الكنديون بـ 19 حالة، فالأميركيون بـ 18 حالة.

 

السعودية التي جاءت في مقدمة البلدان العربية التي تزوج مواطنوها بمغربيات، سجلت 14 حالة زواج، تليها كل من مصر وبريطانيا بـ 12 حالة زواج بمغربيات، و9 حالات لأزواج من إسبانيا وألمانيا، و7 حالات من الجزائر وباكستان والإمارات، و6 من بولونيا وبلجيكا، و5 من أندونيسيا وسويسرا، و4 حالات من 5 دول هي السويد وتونس وبنغلاديش والبحرين وجنوب إفريقيا.

خمس دول أخرى، سجلت 3 حالات زواج بمغربيات وهي البرتغال وليبيا وإيران وإفريقيا الوسطى والسينغال، وسجلت حالتان من كل من فلسطين والأردن وسلطنة عمان وسوريا والسودان ولبنان والعراق وغامبيا..

وأخيراً حالة زواج واحدة لأجانب بمغربيات سجلت في سبع دول هي قطر وكوريا الجنوبية والدانمارك وبنين والكونغو وكينيا والهند..

 

القانون والزواج المختلط

الزواج المختلط بين المغاربة والأجانب بالمغرب يخضع لشرط أساسي هو شرط الدين، أن يكون الزوج مسلماً بالنسبة للمرأة المغربية وأن تكون المرأة المرغوب الزواج بها مسلمة أو كتابية وهذا الشرط الآخر يصعب تحققه لأن الغالب في الغرب حالياً هو عدم انتماء المرأة إلى أي دين إذا لم تكن ملحدة.

و نص ظهير 4 مارس 1960على أن الزواج المختلط بين مغاربة وأجانب في الحالة التي لا يكون فيها محظوراً يجب أن يدون أولاً طبقاً للشروط الجوهرية والشكلية التي تنطبق على الطرف المغربي في الزواج، ويمكن إشهاره بناء على طلب الزوجين لدى ضابط الحالة المدنية.

ورغم جواز الزواج المختلط بالمغرب، غير أن الجهات المسؤولة بالمغرب تنبهت إلى خطورته لكونه تشوبه شوائب عديدة قد تضر بالمواطن المغربي، سواء كان زوجاً أو زوجة، وكذا بالأمن العام للدولة، وأصدرت في هذا الشأن عدة منشورات إلى الجهات المختصة والمعنية بالأمر، ومن بينها المنشور عدد 854 المؤرخ في 19 جمادى الثانية 1399 (17 ماي 1979)، ثم المنشور عدد 929 المؤرخ في 13 جمادى الثانية 1402 (8 أبريل 1982)، وأخيراً المنشور عدد 6|95، وتدور كلها حول التحذير من العواقب والنتائج السلبية للزواج المختلط، وفي نفس الوقت تدعو الجهات المختصة من وكلاء للملك والقضاة والعدول من أجل القيام بالتحري والبحث والتدقيق ليكون العقد مطابقاً لقواعد الفقه الإسلامي.

 

سلبياته وعواقبه

تطرقت الأستاذة لطيفة شايل في بحث لها نشر بمجلة البحوث بالمغرب إلى المشاكل التي يعرفها الزواج المختلط، كمشكل اقتسام الثروة بين الزوجين، إذ أن بعض المهاجرين الذين اكتسبوا ممتلكات بالخارج سواء عقارية أو منقولات، حيث لا يتقبلون فكرة اقتسام الممتلكات مناصفة مع الزوجة، خصوصاً إذا كونت من طرف الزوج ولم تكن للزوجة مساهمة مادية في تكوين هذه الثروة، وهذا راجع أساساً إلى أن الشخص المقبل على الزواج وخصوصاً في مجتمعاتنا، التي يطلق عليها الشرقية، لا يتوجه إلى ذوي الاختصاص للاطلاع على كل ما له وما عليه، حتى لا يفاجأ بعد ذلك بأن عليه التزامات وتبعات لم يكن يتصورها عند إقدامه على هذا الزواج. ومن المشاكل أيضاً مشكلة الإرث حيث إن قواعد الإرث في الشريعة الإسلامية لا تسمح بالتوارث بين المسلم وغير المسلم، وبالتالي فإن الزوجة تواجه من طرف عائلة الزوج بأنها لا حق لها في ميراث الزوج ما دامت لم تسلم، وبالتالي فالأبناء وحدهم يرثون، كما أن القانون في معظم الدول الغربية يعطي الإرث فقط للأولاد والأصول والزوجة، مما يحرم إخوة الزوج المتوفى من الإرث في التركة خارج المغرب إذا خلف المتوفى إناثاً مثلاً، مما يؤدي إلى تسميم العلاقة بين الأرملة وعائلة الزوج، حيث نصبح أمام تقسيمين مختلفين للتركة، حيث يطبق القانون المغربي فيما يخص التركة الموجودة داخل المغرب، ويطبق قانون الموطن المشترك بالنسبة للتركة الموجودة في بلاد المهجر، هذا طبعاً دون الحديث عن إمكانية توريث ابن الزنى في القانون الغربي، في حين لا يعترف به وبالتالي لا يدخل ضمن الورثة في المغرب.

 

وخلصت الباحثة إلى أن أي زواج حتى ولو اجتمعت فيه كافة مقومات الزواج الناجح، فإنه قد يتعرض لهزات ربما تكون خارجة عن إرادة الطرفين فتعصف به غير أنه من جهة أخرى فإن زواجاً مختلطاً بين طرفين ينتميان إلى مجتمعين مختلفين قد يتحول هذا التباين بين بيئة ظرفية إلى نوع من الغنى الفكري والتمازج الثقافي ينعكس إيجاباً على الأبناء، وهناك أمثلة ناجحة في هذا الخصوص، غير أنه للأسف، فإنها حالات نادرة والنادر لا يقاس عليه. يمكن القول إن الزواج المختلط بصورته الحالية يولد وهو حامل لبذرة فشله، لأن الهدف الذي بني عليه تطغى عليه المصلحة الآنية مادية كانت أم غريزية وافتقاد طرفيه أو أحدهما مقومات الزوج أو الزوجة اللذين يسعيان إلى تكوين أسرة والحفاظ عليها وأداء رسالتهما على أكمل وجه..

وتبقى هذه بعض سلبياته وعواقبه التي ينبغي على كل مقبل عليه الاستشارة القانونية لمعرفة التزامات وحقوق كل واحد منهما، وكذا ما يمكن لهما أن يضمناه كتابة في العقد، فيما يخص كيفية حل ما قد ينجم من خلافات في أثناء الزواج، أو بعد وقوع الطلاق بين الطرفين فيما يتعلق حضانة الأبناء، وكذا تقسيم الأموال وغيرها من الأمور..

 

28/7/2007م

 

http://www.naseh.net                المصدر: