حماس وفتح طريق اللا عودة واللا دولة

جمال الدرواني

 

في عددها الصادر يوم السبت 16-6-2007، نشرت صحيفة "الفايننشال تايمز" البريطانية رسمًا كاريكاتوريًا يظهر فيه مجموعة من مسلّحي حماس وقد أخذت تتنازع مع مجموعة أخرى من فتح على يافطة كتبت عليها كلمة فلسطين باللغة الإنجليزية PALESTINE.

 

في نهاية لعبة الشد بين الطرفين، تنقسم اليافطة إلى قسمين، لتحصل حماس على قطعة تحمل المقطع (PALE) من الكلمة، وترجمته (باهت)، بينما يكون الشطر الباقي (STINE)، وهو لا معنى له لوحده، من نصيب مجموعة فتح.

 

وفي خلفية المشهد تظهر ثلاث دبابات إسرائيلية تتمركز على تل رملي ارتفع عليه العلم الإسرائيلي، وفي أسفل الهضبة جثث يطؤها المتصارعون.

 

المشهد الذي رسمته "الفايناشنيال" جاء من رحم الحالة العبثية التي يشهدها الواقع الفلسطيني التي لم تنهِ حلم الدولة فقط، بل تعدّتها أيضًا إلى القضاء على حلم الأمة والوحدة..فكيف انتهى المشهد إلى هذه الحالة؟ وهل كان هناك ثمة خيار أمام حركة حماس؟

 

حماس..البادي أظلم

عند قراءة الصراع بين حماس وفتح لابد أن ننظر إليه على اعتبار أنه صراع أيديولوجي يقوم على رؤيتين متصارعتين حول كيفية تحرير التراب الفلسطيني، أحدهما علماني يرى أن خيار التسوية والقبول بشروط الرباعية الدولية هو الوحيد لتحقيق حلم الدولة.

 

والثاني يرى أن خيار المقاومة المسلحة بخلفية إسلامية جهادية هو الوحيد لإجبار العدو الصهيوني على الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.

 

ورغم أن المشروعين نجحا خلال الفترة الماضية في الموائمة بين الخيارين؛ إلا أنّ الساحة الفلسطينية شهدت مؤخرًا تطورات عجلت بساعة الحسم بين المشروعين، بحيث بات جليًا أن أحدهما يعدُّ العدة لانقلاب على الآخر.

 

ففي 14 من شهر يونيو الجاري؛ اتهمت صحيفة "يونغافيلت" الألمانية إدارة الرئيس الأمريكي "جورج بوش" بالتخطيط منذ فترة طويلة لتفجير الأوضاع الداخلية الفلسطينية، وتحريض تيار موالٍ لها داخل حركة فتح على القيام بتصفيات جسدية لقادة الفصائل العسكرية لحركة حماس.

 

وقال المعلّق السياسي للصحيفة "فولف راينهاردت": إن هذا الاتهام مبني على أقوال لا تحتمل اللبس أدلى بها مسئول الاتصال العسكري الأمريكي المقيم في"إسرائيل" الجنرال "كيث دايتون" أواخر مايو الماضي أمام جلسة استماع في لجنة الشرق الأوسط بالكونجرس الأمريكي.

 

وأوضح "راينهاردت" أنّ "دايتون" اعترف أمام اللجنة بوجود تأثير قوي للولايات المتحدة على كافة تيارات حركة فتح، وذكر لأعضاء اللجنة أنّ الأوضاع ستنفجر قريبًا وبلا رحمة في قطاع غزة.

 

وذكرت الصحيفة أن التيار "الأمريكي ـ الإسرائيلي" داخل فتح لم ينجح رغم كل الدعم السخي المقدّم له في كسر شوكة حماس، جيدة التنظيم والتسليح عبر القتال المباشر. مشيرةً إلى أنّ هذا الفشل دفع وكالة الاستخبارات "CIA" لاستدعاء خبرتها السابقة في جمهورية السلفادور وتوجيهها بعض قيادات فتح لتشكيل فرق موت لاغتيال قادة وكوادر حماس.

 

ونسبت الصحيفة إلى خبيرة التخطيط السياسي بالجامعات الإسرائيلية د. هيجا باومجارتن قولها: إنّ محمد دحلان مكلّف من وكالة الاستخبارات المركزية وأجهزة أمريكية أخرى بتنفيذ مهمة محددة، هي تصفية أية قوى مقاومة لإسرائيل داخل وخارج حماس.

 

يكتمل المشهد أكثر بالعودة إلى 17 من شهر مايو الماضي عندما أوردت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية تقريرًا ذكرت فيه أنّ مصر والولايات المتحدة وإسرائيل يقدمون دعمًا لفتح في مواجهة حماس.

 

وذكرت الصحيفة أنّ "إسرائيل" سمحت لحركة فتح الفلسطينية بإدخال ما لا يقل عن 500 من أفرادها إلى قطاع غزة بعد أن تم تدريبهم في إطار برنامج منسق من طرف الأمريكيين لمواجهة حركة حماس.

 

ووفقا للصحيفة نفسها؛ فإن هذه القوات تم تدريبها من طرف السلطات المصرية في إطار برنامج يشرف عليه الفريق "كيث دايتون" المبعوث الأمريكي الخاص للمنطقة.

 

إذن حركة حماس كانت أمام خطة مُعدَّة سلفًا تقوم على تشكيل فرق موت تشرف عليها بعض التيارات الانقلابية في حركة فتح يقودها محمد دحلان، تقوم بالتحرش بقيادات حماس ونشر الفوضى في القطاع، تقوم على أثره ـ وفقًا للخطة ـ القوات المساندة التي تم تدريبها في مصر بدعم أمريكي وبإشراف الجنرال دايتون بالتدخل لاعتقال نشطاء القسام بحجة فرض الأمن.. وهذا ما أدركته حماس، فقامت بقلب السحر على الساحر وقررت حسم الموقف عسكريًا لصالحها وبشكل نهائي في القطاع.

 

وجنبًا إلى جنب مع الخطة الانقلابية التي شاركت فيها الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل وفتح؛ فإن هناك ثمة مخطط آخر دولي النزعة هذه المرة يقوم على حصار الشعب الفلسطيني من الناحية الاقتصادية لإجبار حركة حماس على القبول بشروط الرباعية الدولية.

 

هذه الشروط التي صيغت بشكل لا يمكن لحماس أن تقبله مهما كان الثمن، حيث سيعني قبولها تخلي الحركة عن هويتها كحركة سياسية إسلامية، فضلاً عن خسارتها لعمقها الجماهيري.

 

وأمام الضغط الدولي والمؤامرة الداخلية؛ لم تجد حماس مفرًا من "تحرير غزة" من العناصر الانقلابية في فتح، التي انهارت سريعًا أما الهجوم (الحماساوي) وهو ما يطرح تساؤلاً حول الأسباب التي عجّلت بهزيمة فتح التي تضم أكثر من ثلاثين ألف رجل؟

 

صحيفة "الأوبزرفر" البريطانية في عددها الصادر الأحد نقلت عن أحد المواطنين الفلسطينيين قوله: إن مسلّحي حماس كسبوا المعركة "لأنهم يقاتلون انطلاقا من قناعة، وليس للمال.. البعض قاتل لأربعة أيام دون أن يرجع لبيته. أما الآخرون من قوات الأمن الفتْحاوية؛ فقد قاتلوا من أجل آلاف الشيكلات التي يتقاضونها (120 دولارا) أو من أجل علبة سجائر. لقد استخدم دحلان الفقر لتجنيد الأفراد، ولم يخرج معظمهم للقتال للدفاع عن مواقعهم".

 

فيما ذهب مصدر أمني مصري رفيع المستوى إلى إن سبب الانهيار هو أن "العقيدة القتالية" لأعضاء القوات الأمنية التابعة لحركة فتح كانت غير مهيأة لتقبل فكرة أن الخطر قادم من مقاتلي القوات التابعة لحماس، وليس من قِبل القوات "الإسرائيلية".

 

أما المحللين السياسيين الإسرائيليين، مثل روني شاكيد في صحيفة هاآرتس، فأرجعوا سبب سقوط غزة إلى تردد الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" في الاستعانة بقوات الأمن الوطني في المعارك التي خاضها مقاتلو فتح مع حماس.

 

مأزق للجميع

ما حققته حماس في غزة، مثّل تحديًا للجميع، خاصة للقوى التي تآمرت في الأساس على الحركة، وهذا ما يبدو في التصريحات والمواقف التي خرجت من العواصم العربية والدولية بشأن الشرعية الفلسطينية.

 

الكيان الصهيوني يأتي كأكبر الخاسرين من نجاح حماس في بسط سيطرتها على غزة؛ لأن هذا الأمر يعني نهاية أي أمل في تحقيق مشاريع التسوية مع الفلسطينيين على أساس حل الدولتين، هذا فضلاً عن انتظار المزيد من الهجمات الصاروخية من شمال القطاع وجنوبه ضد المستوطنات الصهيونية؛ ما يستدعي تدخلاً عسكريًا، وهو ما يعني كلفة مادية وبشرية إضافية للكيان.

 

أما الخاسر الثاني الأكبر فهي واشنطن، التي ترى في صعود أية حركة إسلامية أمرًا يهدِّد مصالحها الإستراتيجية في المنطقة، خاصةً مع تنامي قوة المقاومة العراقية والأفغانية، بما يعني أن قوةً ثالثةً فرضت نفسها على المشهد الملتهب التي تزيد سخونته يومًا بعد يوم.

 

وهو ما عبّرت عنه صحيفة "هآرتس"، التي أوضحت أنّ السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تلقّت ضربةً جديدةً وقاسيةً عندما سيطرت "حماس" على غزة. وأكّد مسئولون أمريكيون ـ بحسب الصحيفة ـ أن "الإستراتيجية الأمريكية انهارت تمامًا! ".

 

الطرف الثالث مصر التي ترى في حماس ذراعًا عسكريًا لحركة الإخوان المسلمين ـ أكبر قوة معارضة في الداخل ـ وبالتالي فبين عشية وضحاها وجدت القاهرة على حدودها الشرقية دولة إسلامية في غزة تقودها حماس يمكن أن تشكّل امتدادًا للنفوذ السوري والإيراني في المنطقة.

 

القاهرة سبق لها وأن تنبهت وأبدت خوفها من سيطرة حماس على القطاع، ففي 20-5-2007 صرّح السفير المصري لدى الاحتلال الإسرائيلي محمد عاصم إبراهيم: "أن استيلاء حماس على قطاع غزة وزيادة النفوذ الإيراني في المنطقة هما بمثابة كابوس ومأساة بالنسبة للشرق الأوسط بأسْره. مضيفًا أنّ لكل دولة الحق في الدفاع عن نفسها؛ إلا أن التصعيد في قطاع غزة يزيد الأمور تعقيدًا.

 

حصار في غزة وانفراجة في رام الله

على إثر نجاح حماس؛ تم بلورة موقف دولي بمشاركة بعض القوى العربية يقوم على تشديد الخناق على غزة حيث توجد حماس، ومزيد من الانفتاح على رام الله حيث تتمركز فتح.

 

صحيفة "هآرتس" ذكرت أن الإدارة الأمريكية بلورت مخططًا جديدًا في أعقاب الأحداث التي وقعت في قطاع غزة يقوم ـ بالتنسيق مع الكيان الصهيوني ـ على عزل قطاع غزة، ويكون التعامل معه ككيان معادٍ، في الوقت الذي يتم فيه التعاون مع أبو مازن والمعتدلين في الضفة الغربية".

 

وأشارت الصحيفة إلى أنّ الخطوط التي ترسم السياسة الأمريكية بعد هذه التطوّرات تتلخص بمنع دخول الأسلحة إلى القطاع، وعدم حصول مجاعة، ودفع الفلسطينيين إلى الاعتقاد بأن "سيطرة حماس صفقة سيئة"..

 

القنصل العام الأمريكي "جاكوب والاس" الذي يتولى العلاقات مع الفلسطينيين، أعلن فور تشكيل حكومة طوارئ أن واشنطن سترفع حظرًا على المساعدات المالية المباشرة لحكومة الطوارئ الجديدة؛ ما يمهّد الطريق أمام الاتحاد الأوروبي وإسرائيل كي يحذوا حذوها.

 

مصر أعلنت على لسان وزير خارجيتها "أحمد أبو الغيط" أنّها تؤيد الشرعية الفلسطينية ممثلة في السلطة الفلسطينية المنبثقة عن منظمة التحرير الفلسطينية، الممثّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ورئيسها "محمود عباس".

في الوقت الذي قام فيه الكيان الصهيوني بخفض إمدادات الوقود لقطاع غزة لتكثيف الضغط على حركة حماس.

 

الحصار الاقتصادي صاحبه تشويه إعلامي وتخويف من حماس، ففي عددها الصادر بتاريخ الجمعة 15-6-2007 نشرت صحيفة "التايمز" رسمًا كاريكاتوريًا ظهر فيه مسلّح مقنّع يطلق النار في أحد شوارع غزة، ولكنه يوجّه فوهة بندقيته نحو وجهه وهو يضغط على الزناد.

 

فيما قامت صحيفة "الديلي تليجراف" بنشر تقرير في اليوم نفسه بعنوان "الإسلاميون الأصوليون يهددون إسرائيل الآن من كل الجهات".

 

وقال كاتب التقرير "كون كوفلين" في بداية تقريره: "مرحبا بك في جمهورية حماس-ستان الإسلامية التي يتعين على كل امرأة فيها أن تلبس النقاب، والتي يحظر فيها كل آثار الثقافة الغربية الفاسدة من موسيقى البوب إلى مقاهي الانترنت".

 

أما السبت 16-6-2007 فقد انتهت صحيفة "التايمز" إلى أنّ نصر حماس كان بكل بساطة كارثة وعلامة تنذر بنهاية محادثات السلام مع الإسرائيليين، وعزلة دولية مطولة، وحكمًا قمعيًا قادمًا على يد زمرة من المتطرفين ذوي الفكر الضيق المحدود. !!

 

2 /6/1428هـ

17-6-2007م

 

http://www.islammemo.cc                      المصدر: