هل يمكن تجنب الحرب الأهلية في العراق؟

عاصم السيد / القاهرة

 

ماذا يجري في العراق؟..هل تفلح محاولات جمع الفرقاء إلى كلمة سواء للاتفاق على مشروع سياسي يجمع الشمل ويؤكد الوحدة لينهض العراق بقومياته ومذاهبه ويعيد بناء تاريخه ليتصل بماضيه العريق.. أم تفشل هذه المحاولات ويدخل هذا البلد في دوامة الحرب الأهلية التي لا تبقي ولا تذر.. بل تأكل كل ما بناه العراق في تاريخه القديم والحديث.

الوفاق الوطني يبدو أمراً صعباً.. فالرئيس العراقي جلال الطالباني ومعه رئيس وزرائه إبراهيم الجعفري ينطلق موقفهما من إدانة المقاومة المسلحة واعتبارها إرهاباً وتكفيراً، وأنه لا مجال أمام إشراك حزب البعث في العملية السياسية وكذلك رفض إشراك فصائل المقاومة المسلحة في تقرير مصير العراق.

ومن هنا مارست الحكومة العراقية ضغطاً على مؤتمر الوفاق الوطني العراقي الذي عقد مؤخراً في القاهرة برعاية جامعة الدول العربية من خلال محاولة التحكم في أسماء الذين حضروا المؤتمر، والاعتراض على بعضهم، فضلاً عن الإصرار على عدم تمثيل المقاومة العراقية.

كما وضعت الحكومة العراقية شروطاً وحددت أسماء، وجعلت الحضور لهذا المؤتمر مشروطا باستبعاد شخصيات وقوى عراقية أخرى!

 

أما هيئة علماء المسلمين والتي تمثل العرب السنة فقد أصرت قبل حضور المؤتمر على ضرورة جدولة انسحاب قوات الاحتلال الأمريكية، باعتبار أنها تمثل أساس المشكلة، والاعتراف بالمقاومة العراقية.. والتفريق بينها وبين الإرهاب، وإعادة الجيش العراقي باستثناء العناصر المسيئة، وحظر الميلشيات المسلحة الطائفية، مثل ميلشيا بدر والبشمركة، وإطلاق سراح المعتقلين، ووقف عمليات مداهمة المنازل، وتشكيل لجان للتحقيق في انتهاكات أجهزة الأمن العراقية خصوصاً ضد العرب السنة.

وقد حدث تقدم جيد في أعقاب صدور البيان الختامي للاجتماع التحضيري لمؤتمر الوفاق الوطني العراقي حيث دعا البيان إلى ضرورة توسيع العملية السياسية لتشمل جميع القوى، ووضع برنامج لإنهاء مهمة القوات متعددة الجنسيات، ودراسة الوضع الأمني ومشاكله المعقدة، وشكاوى العرب السنة من التجاوزات، والمساواة في المواطنة،. وهكذا نص البيان على انسحاب القوات الأجنبية وفق جدول زمني، ووضع برنامج وطني لإعادة بناء القوات المسلحة على أسس سليمة.

وفي نفس الوقت كان البيان متوازياً حينما أدان الإرهاب وعمليات العنف التي تستهدف المدنيين.. ودعا إلى الإفراج عن كل المعتقلين الذين لم يدانوا أمام القضاء.

وهكذا.. وضع مؤتمر القاهرة مخرجاً لمعضلة الانسحاب الأمريكي من العراق.. في الوقت الذي أكد فيه أن المقاومة حق مشروع لكل شعب من أجل إخراج المحتل.

إلا أن إصرار الجانبين الشيعي والكردي على مسألة الفيدرالية (التي لم يرد ذكرها في البيان) تعتبر مشكلة كبرى.. فالعرب السنة وإن كانوا يقبلون بالفيدرالية للأكراد إلا أنهم يرفضون فيدرالية الشيعة وانفصالهم بجنوب العراق.

 

الموقف الأمريكي

هناك شبه اتفاق بين المراقبين على أن الأمريكان كانوا على اتصال بالدول العربية من أجل الضغط لتحرك عربي (كالذي قادته الجامعة العربية) والخروج بمثل هذه المقررات حتى يمكن سحب القوات الأمريكية في أجواء تحفظ ماء الوجه للأمريكان بعد أن اشتدت ضربات المقاومة عليهم.. والسقف الزمني الذي يتحدث عنه الأمريكان هو سحب قواتهم خارج المدن العراقية خلال ستة أشهر، على أن تستمر فترة الانسحاب سنتين.. تكون فيها الحكومة العراقية (بمساعدة الأمريكان) قد قويت وتكون العملية السياسية التي يشارك فيها السنة قد حققت نتائجها.

إن الموقف الأمريكي هو رمانة الميزان الآن على الساحة العراقية.. فلو سعى الأمريكان باتجاه المصالحة العراقية، وعدم صب الزيت على النار فسوف تسير الأمور باتجاه الحل.

لكن الأمريكان قدموا أصلا بمخطط مبدئي يقوم على تقسيم العراق وإثارة النعرات القومية والطائفية والمذهبية، ومحاولة التفريق بين العراقيين.

كما أن الوجود العسكري الأمريكي هو السبب الرئيس في التوتر الحادث وفي عمليات المقاومة، فلو حدث انسحاب الآن فسوف تتوقف عمليات المقاومة لأنه لن يكون هناك مبرر لها بعد خروج المحتل.. وسوف ينظر الجميع إلى من يمارس العنف بعد خروج الأمريكان على أنه منبوذ يجب أن يقاومه العراقيون جميعا.

 

الدور الإيراني المشبوه

 

لإيران نفوذ وتأثير وتدخل ووجود لأجهزتها السرية في العراق، اشتد واتسع نطاقه كثيرا في ظل حكومة الجعفري الحالية. هذا ما يراه العراقيون بالعين المجردة وتلمسه أياديهم، الآلاف المؤلفة من العراقيين، خصوصاً من سكان مدن البصرة والعمارة والكوت وكربلاء والنجف ومحافظاتها وغيرهم من المهتمين بالشأن السياسي وبأمن بلادهم في سائر مناطق العراق.

نفوذ إيران وتأثيرها وتدخلها في الشؤون الداخلية للعراق، ووجود أجهزتها السرية تجسده ملايين الدولارات التي تقدمها طهران لأحزاب وجماعات وميليشيات (شيعية) وجمعيات إغاثة حقيقية ووهمية، والأسلحة والذخائر التي تتلقاها هذه الأحزاب والميليشيات ودورات التدريب العسكري التي يقيمها "الباسدران" و"الباسيج" لعناصر الميليشيات التي تحولت إلى حكومة فعلية في محافظات الجنوب والوسط التسع.

والدور الإيراني في العراق تعكسه أيضاً التجارة المزدهرة لتهريب النفط العراقي بأبخس الأثمان عبر شط العرب، وهي عملية يشترك فيها مسؤولون في الأحزاب الشيعية المسيطرة في البصرة وتجار ومسؤولون إيرانيون على الجانب الآخر من الحدود المائية.

الأحزاب الطائفية من النوع الذي يتزعمه السيدان الحكيم والجعفري وأمثالهما هي أحزاب يتقزم لديها الشعور الوطني والقومي إلى أدني درجة، ويتضخم شعورها الطائفي إلى أقصى حدّ، ويتقدم لديها الولاء الطائفي على أي ولاء آخر، فالطائفة هي الوطن لدى هذه الأحزاب، وما دامت طهران هي عاصمة الطائفة الآن فإن الدفاع عنها يكون واجباً شرعاً.

للأحزاب والميليشيات الشيعية الطائفية مصلحة في أن يكون لإيران نفوذ قوي في العراق، فهذا الدور بالضرورة يساعد هذه الأحزاب والميليشيات في بسط هيمنتها وتقوية نفوذها.

 

الحرب الأهلية سيناريو مخيف

 

الحرب الأهلية هي أحد السيناريوهات المحتملة الآن في العراق لكنه ليس بأقواها

وهو مطروح الآن لأسباب عديدة منها التنوع الطائفي والقومي والديني الذي يميّز فسيفساء المجتمع العراقي.

إن الأجواء السياسية العامة في العراق في ظل الاحتلال الأميركي مهيأة بشكل عام لاندلاع هذه الحرب التي لو قامت فسيكون من الصعب إيقافها، بسبب تلقي الأطراف المتنازعة للدعم من جهات إقليمية عديدة.

والمخيف في هذا السيناريو هو أن الحرب الأهلية في العراق في حال اندلاعها قد تستمر لفترة أطول من الحرب الأهلية في لبنان، كما أن نتائجها ستكون أكثر كارثية من النتائج التي خلّفتها الحرب في لبنان بسبب ما نراه اليوم من استعداد عالي واندفاع محموم لدى بعض العراقيين للاصطدام بالآخر بل وإلغائه تماما.

ولم يعد خافياً على أحد أن عناصر شيعية مسلحة تقتل مواطنين في بلدة ما أو منطقة ما، لمجرد أنهم سنة، في المقابل تستهدف العمليات التفجيرية، على غرار ما يتكرر بصورة شبه يومية، قتل أكبر عدد من الشيعة. هناك أجواء مسمومة في سماء العراق في ضوء انفلات الغرائز وتحول البلد في ظل الفوضى التي صنعها الأمريكيون وفي ظل التدخلات الأمريكية مرتعاً للعنف من كل حدب وصوب.

ثمة واقع لا يمكن الهروب منه يتلخص بأن هذه الحكومة، على الرغم من التمثيل السني فيها، ولدّت لدى الأكثرية الساحقة من أهل السنة انطباعاً فحواه أن عملية تهميشهم جارية على قدم وساق. وهو واقع لا يمكن الهروب منه في حال كانت هناك نية حقيقية لمحاولة بذل جهد أخير لتفادي الحرب الأهلية التي أطلت برأسها.

هذا هو باختصار الوضع العراقي الذي ينذر بحرب أهلية مكشوفة، خصوصاً أن أحزاباً شيعية باتت في السلطة لم تجد طريقة للرد على أفعال الزرقاوي سوى إرسال ميليشيات مسلحة والقوات العراقية الجديدة وبمساعدة المحتل الأمريكي "لتأديب" مناطق وبلدات ومدن بأكملها.. لمجرد أنها سنية!!

في حال استمرت الأمور في العراق على ما هي عليه، سيكون من الصعب تخيل كيف يمكن تفادي الحرب الأهلية التي بدأت والتي سيجد قسم من العرب أن ليسوا في استطاعتهم البقاء بعيدين عنها، خصوصاً مع تزايد النفوذ الإيراني في العراق.

 

 9/11/1426هـ

11/12/2005 م

 

http://www.islamtoday.net                      المصدر: