البريء القاتل ..
أبو بكر عثمان
قبل أن أقصَّ عليكم حكايتي، أعرِّفكم بنفسي أنا الأحمق، أرجو ألاّ يضحك أحدكم أو يبتسم، أعرف أنه ليس اسمي، لكنِّي مُصِرٌّ على هذا اللقب، وأحب أن أُنادى به، فكلما سألني أحد عن اسمي أقول له: أنا الأحمق، كان ينبغي أن يكونَ هذا اسمي، أما سِنِّي فأظنه سبعاً وثلاثين، أين أسكن؟، تركتُ قبيلتي وأعيش منذُ سنواتٍ في الشوارع والميادين والأزقة، أنام حيثما تعبت وغشيني النوم، وحتى تعرفوني إذا رأيتموني ماشياً أو نائماً في أحد الشوارع، فأنا ذو شعرٍ طويلٍ منكوش، وثوبٍ به بعضُ الخروق، يحتاج فقط أن يُغسلَ ليعودَ أبيض كما كان، كيف آكل؟، أنا لست مثلكم آكل لأستمتع بالطعام أو لأشبع، أنا آكل فقط إذا شعرت أنني سيُغشى عليّ من الجوع، آكل فقط لأحيا وأبلِّغ الناسَ حقيقةَ أمري؛ كي لا يُخدعوا، أعيش؛ لأكشفَ الغطاء عني، لا تظنوني فقيراً مُعدماً، أنا مليونير هل تكذبونني؟ أقسم بالله أنا مليونير حقاً، لكنني لا أقوى على أن ألمس عملة معدنية صغيرة من نقودي، كُتِبَ علي أن أقولَ لها لا مساس، أظنكم تقولون عني مجنون، كلا والله، لست بمجنون، فقط أنا أحمق، لماذا؟ سأحكي لكم قصتي:
البداية كانت موت أبي، ترك لي ولأخي الأكبر ثروةً لا بأس بها بدَّدتُ أنا نصيبي في بضع سنواتٍ، قُلْ ثلاث سنواتٍ على الأدق، أما أخي فقد كاثر ثروته بالتجارة؛ فأضحى من أغنياء المدينة، من هنا انطلقت شرارة الشحناء بيننا، كان هو للحق لا يمنعني فضله، لكني كنت أرى أنه يُقتِّر عليّ بما لا يُناسب غناه الفاحش، كان يُغلظ لي القول، ويُعنِّف في نُصحه لي، يريد أن أجدَ طريقاً للرزق؛ كي أنفقَ على نفسي وكنت أرى أن أموالَه الطائلة لو أعطاني النَزرَ اليسير منها لعِشتُ في رَغَدٍ من العيش، وما مسّ ثروته ضُرّ، ولشهور عديدة زاد تعنيفُ أخي ونُصحه حتى ضاق صدري، وأمسي كسَمِّ الخِيَاط، وكانت الليلة المشؤومة، احتدم الجدال بيننا صباح تلك الليلة؛ لأنه أيقن أنني غيرُ جادٍّ في البحث عن عمل، وأثناء لهيب الجدال وذروته، قال: لا مروءة لمن يعيش عالة على الناس، ولا يشرِّفه أن يكونَ أخاً لشحّاذٍ مثلي، كانت كلمات أخي سكيناً محميّاً شقَّ صدري؛ فرددت عليه دونَ وعيٍ، أيها العاقر البخيل، ماذا تفعل بكلِّ هذه الأموال؟ هل تأخذها معك إلى القبر؟ لم يتوقعْ أخي هذه الإهانة مني، وهو الأكبر، أني عيّرته بالعاقر، قال لي: إنك لن تنالَ حبةَ خردلٍ من مالي وأنا حي، ولا بعد موتي، وعليك من الآن أن تعملَ؛ لتعيش، وطردني من بيته على الفور، أخذتُ حقيبة ملابسي، لا أدري أين الملاذ؟، وذهبت إلى أصدقاء السراء، فتنكروا لي واحداً بعدَ واحد، ما آواني منهم أحد، شعرت بالضياع فزاد حنقي على أخي، وخاصّةً أنه أخذ كلَّ ما في جيبي من نقودٍ، قبلَ أن يطردني، نارُ الإهانة والغضب ظلّت تتوهج في صدري ساعةً فساعة، وتجمّعت وتفجّرت شهوة انتقامٍ من أخي بأشد وأعجل ما أمكن، تسلَّلت إلي حديقة (الفيلا)، ودخلت من البوابة الخلفية.كنت أعلم أنه ينام بعدَ صلاة العشاء، وأن زوجته لن تعودَ من زيارة أهلها قبلَ مُنتصف الليل، صعدت إلى الطابق الثاني، وكانت حجرته مظلمة، ولما فتحت باب الحجرة ورأيت وجهه النائم على الضوء الخافت اقشعرّ جلدي، وأصابتني الرهبة، لكن عاد كلُّ شيءٍ إلى ما كان، لمّا تذكرت ما لَحِق بي من صباح اليوم من إهانة، وعلا نُبَاحُ الانتقام وصاح في صدري، جلست على صدره، وحبست أنفاسه بيديّ هاتين، نعم بيديّ هاتين حبست أنفاسَ أخي الأكبر، ثمَّ وضعت أُذني على صدره، وتأكدت أن قلبه سكت إلى الأبد، بعدها وقفت حائراً تائهاً أمام سريره، لم أعِ ما حدث، بَيْدَ أني أدركت في النهاية أنه مات، مات أخي الأكبر، وأنا قتلته بيدي، تملكتني رغبة جامحة في الهرب، الهرب إلى أبعد مكان، فهرولت من حجرتِه بلا وعيٍ فاصطدمتُ بشيءٍ في طريقي سقط على الأرض، سارعت بالخروج واختبأت بين الأشجار؛ خشيةَ أن يراني الخدم، ولما أُضيئت حجرةُ أخي عرفت أنهم انشغلوا بأمره، فخرجت أعدو على الطريق لا ألوي على شيء، وانتهت بي قدمي عند أطراف المدينة، نِمْتُ في الحقول، وما نامت عيناي ولا عقلي، بل ظلَّت خواطري وهواجسي تمور في رأسي وتمور، كانت الأرض ضيقة والسماء ضيقة، الكون كله ضيِّقٌ أمامي، تسلَّلت في الصباح إلي المدينة، وجعلت أطوف قُرْبَ بيت أخي أتشمّم الأخبار، أمنِّي نفسي، لعلي توهَّمت ربما لم يمتْ، أمسكت بي يدٌ من الخلف أين كنت؟، إننا نبحث عنك منذُ أمس، البقاء لله مات أخوك، التفتّ، فإذا هو ابن خالتي ضمَّني إلى صدره، كادت تسقط دمعةٌ من عيني فحبستها، بالله عليكم كيف أبكي عليه وأنا قاتله، سرتُ وابن خالتي إلي بيت أخي، دخلت وصعدتُ السلم، ولما فُتِح باب حجرته لم أستطعْ التقدم، خِلتُه ناهضاً من فِرَاشه يصيح في، أخي بأي حقٍّ قتلتني؟، ولّيْتُ مُدبِراً ولم أُعَقِّب، وانتهي بي العدو إلى الشرطة طلبت المُحقق، وحكيت له حكاية الأخ القاتل، وجاء أقاربي على إثري، وذكروا للمُحقق أنني مصدومٌ بموت أخي، لا أعي ما أقول، لكنَّ المُحقق أبى إلاّ أن يأخذَ التحقيق مجراه، لم تكنْ نتيجة التحقيق مُفاجأة لأحدٍ، لكنها كانت مفاجأة مُدوِّية لي، أثبت الطبيب أن أخي مات بالسكتة القلبية، عصرَ أمس، أي قبل ادعائي قتله بساعاتٍ طويلة، لكنني صرختُ وبكيتُ وأقسمتُ للمُحقق أنني القاتل، على الرغمَ مما انتهى إليه التحقيق، ظنني الجميع الأخ المُخلِص، الذي تأثر عقله؛ لفُرط حبِّه لأخيه فلم يحتملْ موته، ظللت أصرخ لأيامٍ عِدّه لستُ بريئاً، أنا القاتل، حاولت أن أُفْهِمَ كلَّ من يأتي للعزاء ذلك، فكانوا ينظرون إلي بكلِّ شفقة، ويربتون على كتفي، لم أستطعْ أن أدخلَ بيتَ أخي بعدها، كلا لا أقدر على ذلك، وكنت أنام بالحديقة، حسبوني مجنوناً، فأتوا بالأطباء والأدوية، لكني أبيت أن يراني طبيب، وأن ألمسَ دواء، كنت أصرخ فيهم لست مجنوناً، أنا القاتل، وبعدَ أيامٍ جاء محامي الأسرة، وأبي إلاّ أن أشهد قراءة وصيَّة أخي، كنت على يقينٍ أن أخي سيحرمني من ميراثه، لكنني منذُ الليلة المشؤومة لم أكنْ أُبالي بميراث أو غيره، أعطاني المحامي رسالةً إليَّ من أخي، كانت ضِمْنَ الوصية، قال أخي إنه يحبني؛ ولذا كان قاسياً علي، كان يريد أن أعمل؛ لأكونَ جديراً بخلافته على ثروته؛ لأن الأطباء أخبروه أنه مريضٌ بالقلب، وأيامُه قد تكون معدودة، ترك لي أخي نصيبي الشرعي في ثروته، واتفق مع زوجته أن تكونَ (فيلته)، التي طردني منها ضمنَ ميراثي، ألقيتُ الرسالة في وجه المحامي، هببتُ واقفاً، صرختُ في وجه الجميع، لا أريدُ شيئاً، لا أستحق شيئاً، أنا قاتله، القاتل لا يرثُ القاتل، لا يرث، وتركتهم، وظللتُ هائماً في شوارع المدينة، أصيح في الناس، القاتل لا يرث، لقيت الكثير من أهل هذه المدينة الغبية، لم يُصدقني أحد، بل يهمسون في بلاهةٍ: يا له من أخٍ مُخلص!! وفيٌ ندرَ مثيله، فقط واحد غريب عن المدينة قصصتُ له حكايتي، فبصقَ في وجهي، ثم قال: تعِستَ أيها الخائن الأحمق، ومضى.
وأنتم بعدَ أن عرفتم حكايتي هل أيقنتم أنني أنا القاتل، وأنا الأحمق؟ أتصدقونني؟
22/6/1428 هـ
07/07/2007 م