الانتماء والحافزية للعمل
د. جاسم سلطان
تحدثنا في مقال سابق تحت عنوان "ضعف الحماسة عند التنفيذ" عن ظاهرة متكررة، وهي وجود الأفراد في المؤسسات الخاصة والعامة وفي فرق العمل بدنياً وضعف الفاعلية والكفاءة في أدائهم فعلياً، وقد قدمنا بمجموعة من التفسيرات لهذه الظاهرة للتمهيد لقضية مفادها "أن موضوع وجود الفرد في المجموع يختلف بالكامل عن موضوع رغبته الحقيقية في العمل لصالح الفكرة والمشروع الذي يبدو في الظاهر مشتركاً".
ولبيان مثل هذا الموضوع يحسن النظر إلى الاحتياجات وتسلسلها عند الفرد، فهناك من ينتمي لمؤسسة ما؛ لأنه بحاجة للأمور الأساسية من المأكل والمشرب والمسكن، فهي مورد رزق، وذلك هو الأمر الأكثر شيوعاً، وفيه تشيع مقولة "أكل عيش"، وهو قد ينتمي لمؤسسة وغرضه تلبية حاجة الأمان العام؛ فهي بالنسبة إليه تشكل مظلة اجتماعية كالأسرة والطائفة، وهو قد ينتمي لمجموعة طلباً للحب والصداقة والألفة والحنان، وهي حاجات نفسية أساسية كجماعة الأصدقاء والشلل والأندية، ثم هو يبحث عن الدور والمكانة والاعتراف والتميز وهو جُل ما يتنافس عليه الناس في الحياة العامة، ثم هناك آخر وليس أخيراً وهو تحقيق الذات والتفرد والإنجاز، وذلك جملة ما يسعى إليه القادة والعلماء والمبدعون من أمور الحياة.
هذه أمور مشهودة ومعلومة، ولكن أين تقع القضايا السامية من حب الدين والوطن ومكارم الأمور في هذه السياقات؟ أين يقع إنكار الذات والتضحية والفداء؟ وهي أمور مشهودة يُشار إليها بالبنان عندما تحدث، وقد يخلد ذكر أصحابها، وقد يمضون دون أن يلحظ غيابهم أحد كما هو شأن "الجندي المجهول"، ولكن سبب الاحتفاء بها هو في كونها عملة صعبة، وكلما عزّ الشيء ازدادت قيمته. وهو ما نبحث عنه في موضوع النهضات اليوم.
من أين تأتي قضية الحافزية الحقيقية؟ من أين تأتي هذه العملة النادرة؟ إنها لا تأتي من الانتماء للمؤسسة المادية على الرغم من أهمية هذا الانتماء؟ ولكنها تأتي من الانتماء للفكرة والإيمان بالقضية الكبرى سواء كانت وطناً أو ديناً أو غير ذلك...ببساطة هي فكرة تملأ العقل، والشعور تجاهها يملأ القلب، وما الشكل المؤسسي إلاّ راحلة لخدمة الفكرة، فإن لم تف بالغرض كان غيرها أولى، وجندي الفكرة والمبدأ نشط متحمس ولو كان فرداً، وغيره ولو عاش في كنف المؤسسة فهو عبء عليها ثقيل متباطئ.
انظرْ حولك ترَ رجلاً بألف رجل... وترى امرأة بألف رجل، وترى كماً لا وزن له لو غاب لم يُفتقد.. انظرْ وقارنْ ترَ السر في الفكرة الآسرة والقلب الحي، وبعده يتدفق الحماس وتدور عجلة الحياة.
لست هنا في صدد الحديث عن عمل الصواب وصواب العمل، فهذا له مقام آخر، ولكن مدار حديثنا هنا عن الزناد المحرك للفعل.
فإذا كان ما نطلبه عظيماً، كنهضة أمة ودخول جنة، وهو ما عبّر عنه القرآن (اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) فلا بد أن تمتلئ مساحة الفكر ومساحة العاطفة، وهذا ما يحتاج لعلاج "العقد النفسي" الذي تحدثنا عنه في المقال السابق الذكر (ضعف الحماسة عند التنفيذ) وهو يطرح على المهتمين أسئلة مثل:
ما هي شروط رفع أي هدف لسلم أولويات الفرد؟
ما هي شروط جعل الهدف يظهر في حساب الفرد أنه من الممكنات؟
كيف نجعل الجهد المبذول يبدو كأنه في متناول الفرد؟
كيف نجعل النتيجة تبدو ممكنة التحقيق؟
وهي الشروط الموضوعية لزيادة الكم الفاعل في مشروع النهضة وطلب الآخرة على قدم سواء. وهو ما سنتناوله في مقالات لاحقة بإذن الله.
2/10/1428
14/10/2007