تعدد الزوجات .. وجهة نظر أخرى

 

كلمة "تعدد" تثير القلق، وربما الرعب لدى الكثير من الزوجات - إن لم يكن جميعهن - فشعور المرأة بالألم، لمزاحمة زوجة أخرى لها، شعور طبيعي، لا يدفعه منع التعدد؛ ولا عدم القناعة به.

ولكن إذا كان الرجل يتطلع إلى امرأة أخرى، فبماذا تحول زوجته دون انصراف عواطفه إلى تلك المرأة؟

إنه يستطيع أن يخونها، وأن يواصل تلك المرأة سراً، ويعاشرها سراً، وقد تعلم ذلك، لكنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً وهو الواقع في حياة الغربيين، وحياة كثير من المنحرفين في بلادنا، أليس الأكرم لها، ولزوجها، وللمرأة الأخرى، وللمجتمع، أن يكون هذا اللقاء بعلمها، ورضاها، وأن يكون مشروعاً على سنة الله ورسوله؟!

 

الحب والغيرة:

إن الحب كما لا يقبل المزاحمة، لا يقبل الإكراه، وإذا ابتليت الزوجة بمن لا يحبها، فإن ذلك قدر مقدور، ولا سبيل إلى دفع ألمها وعذابها النفسي بسبب ذلك؛ فإما أن تخسر الزوج كله بالطلاق، وإما أن تخسر نصفه بالتعدد، فأيهما أكثر خسارة لها وأشد إيلاماً؟!

إن الغيرة ليست بدعاً في زماننا هذا؛ فهي أمر طبيعي تعرضت له زوجات خير البرية وأكملهم عدلاً؛ فها هي أم سلمة ترفض الزواج برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنها امرأة شديدة الغيرة، وهو له زوجات، فدعا لها رسول الله أن يذهب الله عنها غيرتها، ثم إنه لم ينكر على السيدة عائشة غيرتها من صفية وخديجة - رضي الله عنهن جميعاً - ولكن ثمة غيرة تحمل على العنف، وافتعال الأذى للطرف الآخر، وتدخل في التعدي على حقوق الغير فهذه هي المحظورة شرعاً، وقد عاتب الله - عز وجل - زوجات رسوله عندما بدا منهن الأذى من غيرتهن على رسول الله في سورة التحريم.

أما الغيرة - شعوراً نفسياً - فهذه لا يؤاخذ الله بها ما لم تحمل صاحبتها على إيقاع الشر بأخرى، أو رميها بالباطل؛ ودليل ذلك: أنه في حادثة الإفك عندما طلب رسول الله شهادة زوجاته على السيدة عائشة - رضي الله عنها - وقفت زينب بنت جحش موقف المسلمة العفيفة من عرض أختها - وإن كانت اللحظة غنيمة لغيرها ممن قد يوغرن صدر الزوج على من كانت تساميها عند زوجها في المكانة - فلم تقل إلا خيراً.

 ومع العدل وتَذَكُّرِ محاسن الأخرى وتَصَوُّرِ الطرف الآخر ركناً في الحياة والأسرة، ستعتاد الزوجات على بعضهن، وتنطفئ الغيرة المدمرة في قلوبهن.

 

العدل في التشريع الإسلامي:

العدل ضمنه التشريع الإسلامي؛ فلم يتركه للزوج ليقرر صورته، بل أوجبه دستوراً عاماً، ثم فصَّلته كتب الفقه والسنة فيما يعرف بباب القَسم بين الزوجات في كتب الفقه الإسلامي؛ فلا يحل لزوج أن يعدد؛ مادام لا يضمن في نيته العزم على العدل ما استطاع ذلك.

ولكن ثمة إشكالات عديدة وقعت فيها دساتير الدول العربية التي منعت التعدد أو استحيت من منعه، فوضعت العراقيل لحظره بصورة مرحلية:

متى يسمح بالتعدد؟

يقول الدكتور سعيد محمد الجليدي - في كتاب أحكام الأسرة في الزواج والطلاق وآثارهما -: "ثار جدل بين المتأخرين من الفقهاء في جواز تقييد التعدد بالشرطين العدل وعدم الجور، والقدرة على النفقة على الزوجة الثانية تقييداً قضائياً بحيث لا يسمح بالتعدد إلا بعد التحقق من توافرهما في مُريد الزواج بأكثر من زوجة، فرأى بعضهم جواز هذا التقييد اعتماداً أنه ليس في الشرع ما يمنع منه، وأن التعدد قد غدا مشكلة جديرة بالملاحظة والتقييد؛ لما يترتب عليه من ضرر للزوجة، وتفكك في الأسرة، وتشرد للأطفال؛ نتيجة ما يكون بين الضرائر من الضغائن والأحقاد".

وقد تُرْجِمَ هذا إلى نصوص في قوانين الأحوال الشخصية لبعض البلاد العربية التي جنح بعضها إلى المنع، وبعضها إلى التقييد بموافقة القاضي، أو إذنه بعد أن يتحقق من توافر بعض الشروط.

وذهب أكثر الفقهاء إلى القول بعدم جواز تقييد التعدد تقييداً قضائياً، والاكتفاء فيه بما أورده الشارع من القيود التي أنيطت بصاحب الشأن نفسه بحيث يمكن القول بوجود ما يمنع من التقييد القانوني بإذن المحكمة أو غيرها؛ لأن الخطاب في الآية موجه إلى الراغبين في التعدد بقوله - تعالى -: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ} [النساء: 3].

والخوف من الجور، أو العيلة أمور مرجعها الشخص نفسه؛ لأنه أدرى بحاله من القاضي أو غيره، وهو الذي يقدر حاجته وظروفه، ويتصرف بوحي من ضميره ودينه، ولو كان لغيره دخل في تقدير هذه الأمور لحرص النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة من بعده على مراقبة كل من عدد زوجاته في عهده، لكن ذلك لم يقع منهم مع أن مَنْ عَدَّدَ زوجاته من المسلمين في عهدهم، لا يختلف كثيراً عن المعددين الآن؛ فالناس في كل زمان منهم العادل، والجائر، والقادر، والعاجز، فعلم بذلك أن تقدير الحاجة إلى الزواج من أخرى و القدرة على العدل والنفقة، مرجعهما إلى الشخص نفسه، ولا يصح تفويضهما إلى غيره؛ لأن الأمر حينئذ سيضيق، وسيحاول الأفراد الهرب من هذا الضيق بالتحايل، والدعاوي الكاذبة، وعقود السر... إلى غير ذلك من أنماط السلوك التي قد تنتهي إلى الوقوع في الحرام إذا ضاق الحلال، وتستبدل الخليلة بالحليلة كما هو معروف عند الشعوب التي تمنع التعدد شرعاً وقانوناً، وتلحظه عِياناً وواقعاً بين الأخدان والعشاق.

 

تقييد التعدد بإذن القاضي، هل يحقِّق الغرض المنشود؟

القاضي وهو يستفسر عن سبب طلب الموافقة على الزواج الذي يكون به الزوج معدِّداً، لا شك أنه يكشف أستار الأسرة وأسرارها، ويضطر الزوج إلى الكشف عما لا يحسن أن يبوح به غالباً، وهَبْ أنه استطاع أن يقدر حاجته للتعدد؛ كأن تكون زوجته الأولى عاقراً أو مريضةً.. إلخ، فكيف يعرف أنه سيعدل ولن يظلم؟! وهذه حالة لا تعرف من أقرب الناس صلة بالزوج، فضلاً عن القاضي الذي يوجب عليه عمله ألا يقضي بعلمه، ولا يتصل بالخصوم اتصالاً شخصياً.

ويختم الدكتور قوله: "ورداً على كل هذه التساؤلات نرى أن دور القاضي هنا لا معنى له ولا قيمة؛ مادمنا قد اعترفنا بوجود الدوافع لدى بعض الأفراد للتعدد؛ لأن القاضي لا يمكنه تقدير هذه الدوافع حق قدرها، ولا معرفة مدى توافر الشروط التي يباح معها التعدد، ولهذا فإن حجبه الإذن بالتعدد، ومنع الطالب من رغبته، لا يكون على أساس صحيح دائماً، ثم إن موافقته لا تضيف إلى الأمر شيئاً؛ لأن هذا مباح، والأصل أن فعله لا يحتاج إلى إذن، وعدم الإذن لا يقتضي عدم صحة الزواج إذا وقع بشروطه الشرعية".

 

المعوَّل عليه في ضمان العدل:

ما يعوَّل عليه هو التقوى؛ وهذا ما نراه في بداية سورة النساء؛ حيث ذكر التعدد؛ فقد بدأت بافتتاح الأمر بالتقوى، ثم إنها جاءت بحكم التعدد في معرض الحديث عن أموال اليتامى والقسم فيهم، وكلنا يعلم عظم أكل أموال اليتامى، والجور في معاملتهم؛ وهنا يقول سيد قطب: "التقوى هي التي تعقل النفوس عن الظلم وعن الاعتداء، إنها حساسية القلب، وشعوره بالخوف من الله، وتحرُّجه من غضبه، وتطلُّبه رضاه، إنه بغير هذا الرباط لا تَقُوم شريعة، ولا يفلح قانون، ولا يَتَحَرَّج مُتَحَرِّج، ولا تكفي التنظيمات الخاوية من الروح، بل لابد من الحساسية، والخوف، والطمع في قوة أكبر من قوة الإنسان وهي الله.

 

العدالة المطلوبة:

يقول الشيخ الشعراوي - رحمه الله - في تفسيره لسورة النساء: "العدالة المطلوبة هي العدالة التي تدخل في اختيارك؛ لأن العدالة التي لا تدخل في اختيارك لا يكلف الله بها؛ فأنت عدلت في المكان، وفي الزمان، وفي المتاع لكل واحدة، وفي المتاع لك عند كل واحدة، ولكن لا يطلب الله منك أن تعدل بميل قلبك، وحب نفسك لأن ذلك ليس في مكنتك".

وهنا لفتة لطيفة أن العدل ليس فقط فيما يخص المرأة من متاع الدنيا، بل كذلك فيما يخص الرجل من متاع نفسه عند زوجاته؛ إذ يقول الشيخ: "والعدل المراد في التعدد هو القسمة بالسوية في المكان، أي: إن لكل واحدة من المتعددات مكاناً يساوي مكان الأخرى، وفي الزمان وفي متاع المكان، وفيما يخص الرجل من متاع نفسه، فليس له أن يجعل شيئاً له قيمة عند واحدة، وشيئاً لا قيمة له عند أخرى، فيأتي - مثلاً - بمنامة صوف، ويضعها عند واحدة، ويأتي بأخرى من قماش أقل جودة، ويضعها عند واحدة... فلابد من المساواة ليس في متاعها فقط، بل في متاعه هو الذي يتمتع به عندها، حتى إن بعض المسلمين الأوائل كان يساوي بينهن في النعال التي يلبسها في بيته؛ فيأتي بها من لون واحد، وصورة واحدة، وصنف واحد؛ حتى لا تُدلّ واحدة منهن على الأخرى قائلة: "زوجي يكون عندي أحسن هنداماً منه عندك".

 

عابدتان من بغداد:

جاء في كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي أنه: "كان ببغداد بزَّاز معروف، فحين هو في حانوته، أقبلت إليه صبية فالتمست منه شيئاً تشتريه، فحين كانت تحادثه، كشفت وجهها، فتحيّر وقال: "والله لقد تحيرت مما رأيت، فقالت: ما جئت لأشتري شيئاً؛ إنما لي أيام أتردد إلى السوق؛ ليقع بقلبي رجل أتزوجه، وقد وقعت أنت بقلبي ولي مال، فهل لك في التزوج بي"؟ فقال لها: "لي ابنة عم، وهي زوجتي وقد عاهدتها ألاّ أغيِّرَها، ولي منها ولد"، فقالت: "قد رضيت أن تجيء إلي في الأسبوع نوبتين" فرضي، وقام معها، فعقد العقد، ومضى إلى منزلها فدخل بها".

ثم ذهب إلى منزله، فقال لزوجته: "إن بعض أصدقائي قد سألني أن أكون الليلة عنده" ومضى فبات عندها، وكان يمضي كل يوم بعد الظهر إليها.

فبقي على هذا ثمانية أشهر، فأنكرت ابنة عمه أحواله، فقالت لجارية لها: "إذا خرج، فانظري أين يمضي؟ فتبعته الجارية، فجاء إلى الدكان، فلما جاء الظهر، قام وتبعته الجارية، وهو لا يدري، إلى أن دخل بيت زوجته الأخرى، فجاءت الجارية إلى الجيران، فسألتهم: "لمن هذه الدار" فقالوا: "لصبية قد تزوجت برجل تاجر بَزَّاز". فعادت إلى سيدتها فأخبرتها، فقالت لها: "إياك أن يعلم بهذا أحد"، ولم تظهر لزوجها شيئاً.

فأقام الرجل تمام السنة، ثم مرض ومات، وخلّف ثمانية آلاف دينار، فعمدت المرأة التي هي ابنة عمه إلى ما يستحقه الولد من التركة، وهو سبعة آلاف دينار، فأفردتها، وقسّمت الألف الباقية نصفين، وتركت النصف في كيس، وقالت للجارية: "خذي هذا الكيس واذهبي إلى بيت المرأة، وأعلميها أن الرجل مات، وقد خلّف ثمانية آلاف دينار، وقد أخذ الابن سبعة آلاف بحقّه، وبقيت ألف، فقسمتها بيني وبينك وهذا حقك" وسلّميه إليها.

فمضت الجارية فطرقت عليها الباب، ودخلت وأخبرتها خبر الرجل وحدّثتها بموته، وأعلمتها الحال، فبكت وفتحت صندوقها، وأخرجت منه رقعة، وقالت للجارية: "عودي إلى سيدتك، وسلّمي عليها عني، وأعلميها أن الرجل طلقني وكتب لي براءة، وردي عليها هذا المال، فإني لم أستحق في تركته شيئاً". فرجعت الجارية فأخبرتها بهذا الحديث".

 

همسة لحواء:

إن العبد لا يبلغ رضا الله - عز وجل - حتى يترك مَحابَّه لمحاب الله، ويجاهد هواه لما فيه شرع الله، ويحوِّل إرادته إلى ما يريد الله، وحبه لما يحب الله، وتمام الإيمان بتمام تقديم الشرع على الهوى كما قال - عليه الصلاة والسلام -: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت له".

وإذا خرجت المرأة المسلمة من النظرة الشخصية الضيقة التي ترى فيها التعدد، لترى فيه تشريعاً إسلامياً هي وحدها القادرة على ضمان استمراره لحماية غيرها من بنات جنسها، فإنها تكون حينها قد بلغت ما بلغته نساء السلف الصالح من تسيير الفكر والحياة على ما يريد الله من درجة السمو والإحسان في العلاقة معه - سبحانه -، ثم إنها ستسُدُّ ثغراً في وجه النكاية من المجتمع الإسلامي، فلا يؤخذ الموضوع من زاوية الفردية العاجلة، بل ينظر إليه من علو المصلحة الجماعية، وقبل ذلك العلو في مراتب العلاقة مع الله - جل وعلا -.

 

11/02/2007 م

23/1/1428 هـ

 

http://www.alukah.net                المصدر: