الأوضاع في هولندا

يحيى بوياف

13- 3- 2008م

الحمد لله، وصلاة وسلاماً على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

لا يخفى على أحد ما تموج به الساحة الهولندية مؤخراً من توتر ناجم عن اعتزام أحد أعضاء البرلمان وهو "خيرد فيلدرز" رئيس حزب "الحرية" اليميني المتطرف - الذي يشغل تسعة مقاعد في البرلمان - بث فيلم - يحتمل إلى حد كبير حسب تصريحاته ومواقفه العدائية - أن يتضمن إساءة بالغة للقرآن الكريم.

وإذ نأسف لما يجري ونشجبه لما يترتب عليه من إساءة بالغة لمشاعر أمتنا المسلمة؛ فقد آثرنا أن نطلع قراءكم الكرام على آخر المستجدات التي ربما غابت - رغم أهميتها - في زخم التغطية الإعلامية، وذلك إيماناً منا بأننا - مسلمي هولندا - نمثل حلقة الوصل بين مجتمعنا هذا وبين عالمنا العربي وأمتنا الإسلامية، راجين بذلك أن نضع الأمر في نصابه، ونعمل على منع تكرار الحدث، مع عدم إعطاء هذه السخافات - التي لم ولن تنال من مكانة القرآن الكريم - أكثر مما تستحق، في ظل تحرك عادل للتعامل مع الأزمة دون توسع تحت وطأة الاندفاع العاطفي في تحميل المسؤولية لأطراف لا علاقة لها بما يحدث، مستهدين بقوله - تعالى-: ((وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ))[القصص: 55].

إن تعداد مسلمي هولندا يقارب المليون نسمة، ويمثلون نسبة 6.25% من أصل 16.3مليوناً، وذلك يوجب علينا مسؤولية مهمة تجاه بلدنا هذا بحكم المواطنة والانتماء الجغرافي، وتجاه أمتنا الإسلامية بحكم الانتماء الديني والحضاري في آن واحد، ويهمنا أن يدرك إخواننا في العالم الإسلامي وبشكل واضح؛ حساسية الطبيعة المشتركة لهذا الوضع، فنحن هولنديون وطناً، ومسلمون ديانة، وسواء أكنا أصليين أم مهاجرين فإن أجيالنا الناشئة لا تعرف لها أرضاً ولا وطناً غير هذا البلد، وعلينا احترام واجبات المواطنة والمطالبة بحقوقها انطلاقاً من قيم الحق والعدل بما لا يتعارض مع مبادئ إسلامنا الحنيف بلا إفراط ولا تفريط، ونحن نتطلع إلى دعمكم لهذا الدور، ومساندته وإثرائه لتمكين الأقلية المسلمة هنا من القيام بدورها البناء، والمساهمة في تنمية مشروع التواصل الحضاري على كلا الجانبين.

 

أولاً: فهمنا لخلفية الموقف:

إن الفشل في استثمار الأزمات المشابهة سابقاً كان سببه غياب الفهم الكامل لأبعادها، وعدم استثمار الحدث في الاتجاه الصحيح، ولذا نود أن نكون أكثر واقعية في التعامل مع هذه الأزمة دون الوقوع في فخ عقلية المؤامرة، والاكتفاء بلوم الحدث ومسببيه.

إن هذه الحملة المفتعلة تهدف إلى نسف مكاسب المسلمين في هذا البلد، وشغلهم بمعارك جانبية لصرفهم عن العمل البناء، ووقف مساعيهم لتحقيق أهدافهم الكبرى، وتفاعلهم مع مجتمعهم من خلال اندماج إيجابي لا انغلاق فيه، ولا ذوبان، لقد حقق ذلك الرجل الذي يعيش تحت الحماية الأمنية الدائمة منذ ثلاث سنوات شهرته بمواقفه الحادة تجاه الإسلام، فهو لا يألو جهداً في الهجوم عليه، والإساءة لرموزه ومقدساته، إذ يعتبره ديناً خطراً وغير متسامح، وسبق له في فبراير من العام الماضي أن دعا إلى تمزيق القرآن، ثم طالب بحظره في هولندا، ومصادرته وتجريم اقتناءه لأنه - حسب زعمه - كتاب فاشي يحض على الكراهية، كما طالب بوقف فوري لهجرة المسلمين إلى البلاد، ودعا لحجب الثقة عن سكرتيري الدولة لوزارتي العدل والشئون الاجتماعية، مشككاً في ولائهما بسبب ازدواج جنسيتيهما، وكونهما مسلمين، ومن هنا نفهم تلك الإساءة الجديدة فهي جزء من سياسة يمينية ممنهجة يتبعها ذلك الحزب منذ فترة لتشويه صورة المسلمين، وزيادة وتيرة الخوف من الإسلام، رغبة في تحقيق أعلى نسبة من أصوات الناخبين المغرر بهم والذين يدفعهم الخوف الناجم عن الجهل بالإسلام، مصحوباً بالتغطية الإعلامية السلبية التي تقصفهم على مدار الساعة بوابل من جرعات إعلامية متحيزة ومشوشة، والهدف المباشر لتلك التصرفات المستهجنة - بما فيها الفيلم الذي يمكن ألا يكون موجوداً من الأساس - هو استفزاز المسلمين وإثارتهم، وخلق حالة استقطاب في المجتمع تؤدي إلى إثارة البلبلة، ونشر الفوضى، وتهديد السلم الاجتماعي، وعندها يظهر المسلمون كأنهم لا يحترمون قوانين المجتمع، ولا يجد معهم اندماج، وحينها يثبّت نظرته العنصرية الهدامة، ويستخدم رد فعل المسلمين ورقة ضغط على شريحة ليست بالهينة من المجتمع الهولندي تعمل لمساندة قضايانا العادلة، ومن ثم يتحقق له ما يرجوه من مكاسب انتخابية.

ولقد صرح بأنه لا يخشى ما قد يثيره فيلمه من ردود أفعال، بل إنه ينتظر ذلك ويسعى له، وقد كان من المنتظر أن يعرض فيلمه هذه الأيام؛ إلا أنه أعلن اليوم تأجيله حتى مارس القادم.

 

ثانياً: الموقف الرسمي:

لقد جاء الموقف الرسمي واضحاً، فلم تحاول الحكومة التبرير لما يحدث، وكان رد رئيس الوزراء يان بيتر بالكنينده على دعوة ذلك الشخص لحظر القرءان رداً سريعاً وحاسماً، حيث صرح بأن "القرآن لم ولن يحظر في هولندا"، مؤكداً ضمان الدستور لحرية العقيدة.

وقد أعرب وزيري الداخلية والعدل عن قلقهما من الأمر بعد لقاء مغلق جمعهما بذلك الشخص، إلا أنهما أكدا عدم وجود سلطة تخولهما منعه من تصوير فيلمه، لكن المتحدث باسم وزارة العدل صرح بأن الحكومة ستتخذ إجراءات قبل بث الفيلم، كما أن الحكومة أصدرت تعليماتها لوسائل الإعلام برفض عرض الفيلم وهو ما حدث بالفعل، واستجابت له القنوات التلفزيونية بعد أن أعلن بعضها استعداده لعرضه.

وقد أوصت الهيئة الاستشارية الوطنية للشرطة بتسهيل إجراءات استقبال الدعاوى، وتخفيف الشروط التي يجب توفرها عادة لهذا الغرض تهيؤاً لاستقبال عدد كبير من الشكاوى من قبل المسلمين حال عرض الفيلم، كما صرح مؤخراً وزير الخارجية الهولندي مكسيم فيرهاخن أنه "من الصعب أن نستبق الفيلم، ونعطي رأياً حول مضمونه، لكن حرية التعبير يجب ألا تعني الحق في الإساءة"، وشددت الكثير من الدوائر الرسمية على أنه حدث فردي لا يعبر عن موقف هولندا لا حكومة ولا شعبا، إلا أن حظره أو منعه غير متاح في ظل القوانين الموجودة، لكنهم عبروا صراحة عن احترامهم للإسلام وأتباعه (وهو موقف يستحق منا التقدير).

ومن جانب آخر فاللقاءات مستمرة على المستوى الرسمي بين مسؤولي الحكومة وبين قيادات المجتمع المسلم في هولندا للتواصل والتشاور حول مجريات الأحداث، وعلى المستوى الأوروبي فقد عبّر وزراء العدل بالاتحاد الأوروبي عن مخاوفهم من تجدد التوتر مع العالم الإسلامي، معتبرين أنه من الضروري تفادي تكرار ما جرى في أزمة الرسوم المسيئة.

واعتبر لوك فرايدن وزير العدل في لوكسمبورغ أن هذا العمل يفتقر إلى المسؤولية، وحرية التعبير لا يمكن أن تكون مطلقة، كما ألمحت وزيرة العدل الألمانية بريغيت زبرياز إلى استمرار الاتصالات بشأن هذه القضية.

 

ثالثاً: الموقف الشعبي:

أما على المستوى الشعبي فتقتضي الأمانة أن نثمن رسائل الدعم والتضامن العديدة من مختلف القوى ومؤسسات المجتمع المدني التي ترى في هذا التصرف خرقاً لحرية الأديان، وسوء فهم، وتعسفاً في استخدام حرية التعبير، وللعلم فقد رفض 75% من الهولنديين مطلب فيلدرز بحظر القرآن في هولندا أو مصادرته، وقالوا في استطلاع للرأي: إنه ليس من حقه المطالبة بذلك أو نشر هذا الرأي بالإعلام الهولندي.

ولم يدعم مطلب فيلدرز وتوجهاته المعادية للإسلام سوى 19% فقط، فيما طالب 31% الصحف والإعلام بعدم نشر مثل هذه المطالب مجدداً، كما طالب 29% من الهولنديين في الاستطلاع بضرورة تتبع فيلدرز وملاحقته قانونياً لأن ما قاله يعد نشراً للكراهية والعداء داخل المجتمع الهولندي، وفي هذا الصدد قام خيرارد سبونغ - وهو محامي شهير - مع ثلاثين آخرين؛ بمبادرة لمقاضاة ذلك البرلماني بتهمة "التحريض على الكراهية" بسبب تصريحاته حول القرآن، كما تم رفع ما يزيد على أربعين دعوى قانونية أخرى ضده حتى الآن، كما وجه دوكله تيربسترا - وهو زعيم نقابي سابق - الدعوة إلى جميع العقلاء في هولندا إلى أن يبادروا بالتصدي لأفكار فيلدرز وحزبه، حيث أسس حركة شعبية للوقوف بوجه ذلك السياسي اليميني في إطار تحرك مضاد لما يصفه بـ"التوحش" يسعى إلى إسماع الصوت المضاد لسياسة العداء للإسلام التي يتبعها فيلدرز، وقد استجابت شخصيات هولندية بارزة ومنظمات عديدة لتلك الدعوة من بينهم خيرت ماك الكاتب المعروف، وإيلكو برينكمان رئيس جمعية "هولندا تبني"، وأناماري يوريتسما عمدة مدينة ألميرا، وفوب ديهان مدرب منتخب الشباب الهولندي لكرة القدم، إضافة إلى أكبر نقابتين مهنيتين في هولندا، وكذلك منظمة مساعدة اللاجئين، ومنظمات اجتماعية كثيرة، والعمل قائم لأجل تأسيس الحركة المضادة، والإعداد لإقامة مهرجان للتعبير عن الاحتجاج، كما ناشدت مؤخراً حوالي ثلاثين شخصية بارزة من إحدى المنظمات بالعاصمة أمستردام ذلك الرجل عدم تضمين فيلمه أية مشاهد لتدنيس القرآن لما يعنيه هذا من إهانة بالغة للمسلمين، ومن بين الموقعين شخصيات عامة، وتشغل مناصب يفترض فيها الحياد مثل: رئيس شرطة إقليم فليفولاند، والناطق الإعلامي باسم محكمة أمستردام، والناطق الرسمي باسم النيابة العامة، حيث برر هؤلاء مشاركتهم بأن الموضوع لم يعد سياسياً بل هو يتعلق بالحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في هولندا، وسلامة المواطنين الهولنديين، إضافة لذلك فإن هناك مبادرة لإنشاء مؤسسة حقوقية تتولى متابعة أي إساءة للمسلمين والإسلام في هولندا، وتقديم دعوى قضائية بشأنها؛ يضع حالياً فريق من المحامين والحقوقيين والكتاب اللمسات الأخيرة على مشروعها، كما علت أصوات الأكاديميين المنصفين برفض ما يجرى والمطالبة بمحاكمته، وحتى كتابة هذه الصورة فإن الفعاليات مستمرة، والتظاهرت المنددة تعقد في أماكن مختلفة.

 

رابعاً: نعم لدور "فعّال ودائم" لا لـ"ردّة فعل" مؤقتة:

إن تلك الأحداث تضع المجتمع المسلم في هولندا أمام تحد لم يختره، ومع شجبنا لما يجري، وتقديرنا ما يسببه من إساءة بالغة لمشاعرنا ولجميع المسلمين؛ إلا أننا نثق في وعي علماء الأمة وقادة الرأي فيها، وحكمتهم في التعامل مع الحدث، ونعتقد أن الأسلوب الأنجع لكسب المعركة هو بعد النظر في التعاطي مع الأزمة، ومعرفة حقيقة أهدافه، ومن ثم إفشال المخططات الهادفة إلى استفزازنا وجرنا إلى تصرفات انفعالية تأتي بنتيجة عكسية علي الإسلام والمسلمين والمجتمع عامة، فكلما كان تعاملنا متسماً بالنضج والقدرة على فهم أبعاد القضية كلما استطعنا كسب الاحترام والتأييد، وإضعاف موقف الخصم، وإيجاد الأرضية المشتركة مع المساندين لقضايانا مما يسهم في تعزيز مكانتنا كجزء من مجتمعنا وأمتنا، وتحقيق فهم أفضل للإسلام وقيمه الإنسانية الراقية.

والتزاماً بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستفادة من الأزمات المشابهة؛ ارتأينا أن ننتهج التعامل "الفعّال والدائم" مع الأزمة بدلاً من رد الفعل أو التعامل السلبي، وذلك باستثمار التفاعل الوقتي، وتحويل الإساءة إلى مواقف إيجابية دائمة؛ حيث أثبت المنهج العقلاني القائم على استراتيجية محكمة أساسها تقدير المصلحة والمفسدة والتشخيص الدقيق لنوعية الإساءة، والجهات التي تقف خلفها؛ أثبت فعاليته من مجرد التظاهرات العاطفية الغاضبة، والانفعالات الوقتية.

إننا أمام فرصة هامة لا ينبغي تفويتها من أجل تنوير المجتمع، وتوضيح حقيقة الإسلام، إذ يمكن أن يحقق بها المسلمون مكاسب هامة وأقلها النظرة الحيادية، كما يمكن أن يكسب بها عالمنا الإسلامي تفهماً أفضل لقضاياه، وعلاقاته في إطار التعامل الحضاري مع الغرب، وذلك يقتضي منا التعاون وتضافر الجهود، ونحن بصدد بعض الخطوات العملية التي نرجو من فضيلتكم دعمها، والعمل سوياً على إنجاحها لتكون أبلغ رد حضاري راقي على تلك الإساءة ومنها:

-          الإعداد لمسابقة للقرآن الكريم باسم "جائزة هولندا الدولية للقرآن الكريم".

-          الإعداد لمؤتمر دولي حول "القرآن الكريم وجوانب الإعجاز فيه" بهدف تعرف غير المسلمين عليه.

-          العمل مع الجهات المعنية للمطالبة باستصدار قانون يحمي المقدسات عند جميع المؤمنين بها، ويجرم الإساءة إلى الأديان.

-          تدشين موقع على الإنترنت كجزء من حملة على المستوى الوطني للتعريف بالإسلام ونبيه - صلى الله عليه وسلم - وكتابه الكريم، هدفها دحض تلك الإساءات، ونشر رسالة الرحمة والنور الذي جاء به كتاب الله الكريم.

-          توعية مسلمي هولندا - من خلال المساجد والمؤسسات - باستخدام السبل القانونية، والطرق المشروعة منضبطين بشرع الله في إنكار المنكر، ومستهدين بمقاصد الشريعة السمحة في إزالة الضرر، فكل عمل يأتي بنتائج تناقض مقاصده باطل، وواجب المسلمين في هذه الظروف أن يعكسوا الوجه المشرق للإسلام، وخلقه الرفيع مستصحبين قوله - تعالى-: ((خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)) (سورة الأعراف: 199).

_______________________________________________

* رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في هولندا و رئيس المجلس الإسلامي الإستشاري مع الحكومة الهولندية.

http://www.islamselect.com:المصدر