أزمة قناة الجزيرة

حسن الرشيدي

6 ربيع الأول 1429هـ الموافق له 13- 3- 2008م

أثارت حلقة قناة الجزيرة في برنامج الاتجاه المعاكس، والتي استضاف فيها مقدمها إحدى الشخصيات المرتدة عن الإسلام، والمستفزة الأسلوب، والتي تطاولت فيها على الإسلام كدين، والنبي - صلى الله عليه وسلم -، وكتاب الله؛ أثارت كثيراً من التساؤلات حول منهج القناة الإعلامي، وطبيعة رسالتها وأدائها المهني.

والواقع أن أزمة قناة الجزيرة لا تتعلق ببرنامج هنا، أو فيلم وثائقي هناك، بل الأمر امتد لأكثر برامجها، بل هي على ما يبدو أزمة منهج إعلامي، وأزمة شخصيات قائمة على تنفيذ ذلك المنهج.

 

المنهج الإعلامي:

تسير قناة الجزيرة منذ نشأتها وفق عدة قواعد ارتأتها لنفسها، هذه القواعد يمكن رصدها من خلال منهج استقصائي تحليلي كالآتي:

أولاً: الحصول على المعلومات والحقائق وتوصيلها إلى الناس:

فالمنطقة العربية تعاني من نقص المعلومات، حيث إنها تحجب عن الشعوب، فالمخططات التي تنفذ فيما بعد يتم طبخها وتسويتها، ويفاجئ العرب بأنها تنزل عليهم فيساقون إليها.

والجزيرة قد حققت إتاحة قدر من المعلومات للمشاهدين عز أن يجدوها في مكان آخر، ولكن بعض هذه المعلومات إن توفرت فإنها تخضع لعملية تشويش وخداع من أطراف تريد إيصال رسائل للجمهور بغرض التنويم والتضليل، وأقرب مثال ما حدث أمس عندما اجتهد مدير مكتب الجزيرة في القاهرة، وأذاع خبراً عن مصادر له داخل الحكومة المصرية أنها قد أوقفت ضخ الغاز الطبيعي لإسرائيل بسبب أعمالها الوحشية في غزة، و قليل من التأمل نجد أن هذا الخبر يفتقد لأي مصداقية، فلماذا مثلاً لم توقف الحكومة ضخ الغاز أثناء قتل الأطفال في غزة، ولم تتحرك إلا بعدها بأسبوع، يمكن أن توقف الحكومة المصرية لخلافات مثلاً حول سعر الغاز، ولكن الخبر مكذوب في الأساس؛ حيث نفت وزارة البنى التحتية الإسرائيلية صحة ما ذكرته قناة الجزيرة من أن مصر علقت تصدير الغاز الطبيعي إلى إسرائيل كورقة ضغط سياسية لوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية، ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط - وهي وكالة حكومية مصرية - هذا الخبر، وليس هذه أول مرة ينقل فيها مراسل الجزيرة هذا مثل تلك الأخبار المكذوبة.

 

ثانياً: رفع شعار الرأي والآخر:

بنت قناة الجزيرة سمعتها وشهرتها في الأساس على أنها تقدم الرأي والرأي الآخر، واتخذت من تلك المقولة شعاراً لها، والمقصود بالحياد أو الاستقلال هنا أن سياسة القناة غير مرتبطة بحزب معين أو بالحكومة، ولا تعبر عن سياسة جهة معينة ما أو غير ممولة من قبل سلطة، ولا تمثل سياستها، ولكن هل الجزيرة هي حقاً كذلك؟

لا نقول بالحيادية في القضايا التي عليها إجماع عربي مثل قضية العراق أو فلسطين، فحتى في تعريف الحيادية الإعلامية فإن الخبراء يرون أنه ليست حيادية المساواة في نقل قضايا الظلم والمظلومين.

ولكن هل موقف الجزيرة مثلاً من شيعة لبنان، وفريق الثامن من آذار حيادياً؟ خاصة أن الأغلبية الساحقة من سنة ومسيحيي لبنان ضد هذا الفريق.

هل موقفها من قضايا المعارضة السورية بالإهمال، وإظهار النظام السوري كمتصدي للمشروع الصهيوني حيادية؟

هذه أمثلة بسيطة، ولكننا هنا ليس في موقف استقصاء كامل لحيادية الجزيرة.

 

ثالثاً: العمق في التحليل:

وربما أرادت القناة من استضافة الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل إعطاء وجه تحليلي عميق للمادة السياسية التي تقدمها، فجاء الرجل باهتاً ميالاً للمنهج التاريخي ليحاول إسقاطه على الواقع، ملمحاً في نقده، مستخدماً التورية في عصر أصبح النقد فيه مباحاً وبشكل علني، فالمشاهد لا يريد أن يتعب نفسه في استكشاف ما وراء التلميحات والمعاريض في زمن أضحت القنوات الإعلامية الحكومية - خاصة المصرية - تتنافس على إبراز النقد الجريء الذي يساعد على تنفيس المكبوت، وانخرطت مع الجزيرة لتعتمد على الغوغائية الانفعالية بعيداً عن التحليل العلمي مسايرة للعامة والغوغاء تحت ضغط شعار (الجمهور عايز كدة).

ومن المعروف في حقل الإعلام أن التجزيئية هي إحدى أشكال الاتصال والتحكم في الوعي، وهي التأكيد على النظرة التي تحصر المشكلات في بؤر معينة، وتجزيئها دون النظر إليها على أنها كل متكامل، فهي أضحت الشكل العام السائد والوحيد لعملية توزيع المعلومات والأخبار.

 وفي كتابه الشهير "المتلاعبون بالعقول" يرى هربرت شيللر أن برامج الحوار التليفزيوني والإذاعي هي النموذج المثالي للتجزيء، فالإقحام العرضي لموضوع خلافي، أو لشخصية مثيرة للجدل في برنامج ما؛ يؤدي إلى تهدئة وتسطيح أي جدل ممكن أن يثار، ويمكن أن تكون حلقة الاتجاه المعاكس التي ظهرت فيها من تسمى بوفاء سلطان تصب في ذلك الاتجاه.

وسأضرب مثالاً قريباً لأحد برامج الجزيرة وهو "ما وراء الخبر" الذي أذيع منذ يومين، والذي كان يناقش أزمة رغيف الخبز في مصر، تلك الأزمة التي أدت إلى مقتل خمسة عشر شخصاً في خلال الأيام القليلة الماضية، فقد استضافت القناة شخصين أحدهما أستاذ في الجامعة، وهو عضو لجنة السياسات في الحزب الوطني الحاكم في مصر، والآخر من حزب التجمع اليساري المعارض، وهو من أصحاب الحناجر العالية، والآراء الانفعالية، والتي تعجب الجمهور، وبما أن أستاذ الاقتصاد وعضو الحزب الحاكم لم يقدم منطقاً سليماً في الحوار، بل كل ما قاله: إن الحكومة تطالب بكذا وكذا، وكأن الحكومة جهاز إعلامي؛ وليس الجهاز التنفيذي في الدولة المسئول عن حل المشاكل، بينما المحاور الآخر اقتصر دوره على الصياح والانفعال، وتهديد الحكومة بأن الشعب سيلجأ للمظاهرات، مع أن حزبه من أكثر الأحزاب موالاة للحكومة، ولم يقدم الرجل في البرنامج حلولاً طويلة الأجل أو قصيرة الأجل لحل مشكلة الخبز وتفاقمها في مصر، مما دفع الرجل الحكومي الضعيف المنطق من الأساس إلى نعته بالعجز عن تقديم الحلول، واتهمه بالرؤية العاطفية.

 

القائمون على الجزيرة:

في يونيو الماضي نشر داني شيختر من موقع ميديا تشانيل دوت أورغ تقريراً بعنوان "هل قناة الجزيرة على وشك أن تصبح قناة (فوكسيرا)؟" في إشارة ذات مغزى إلى قناة فوكس الشهيرة، وهي قناة أمريكية موالية للإدارة الأمريكية، ولا تذيع خبراً إلا ويخدم توجهات هذه الإدارة، وتنقل المجلة في تقريرها عن مصادرها داخل القناة أن هناك صراعاً داخل القناة لجعل توجهاتها أقل استقلالية، وأكثر ميلاً للغرب، وتنقل المجلة عن مختص في هذا المجال أنه لمس تغييراً في أسلوب عرض الخبر، وإبراز بؤر الأحداث التي تتناولها الأخبار.

أما صحيفة المجد الأردنية الناصرية فقد نشرت تحليلاً حول استبعاد "وضاح خنفر" مدير عام القناة من عضوية مجلس الإدارة؛ أن هذا تمهيداً لاستبعاده من القناة بعد أن زار محمود عباس الدوحة، واتهم القناة بانحيازها إلى حماس في نزاعها مع فتح، بالإضافة لقيام جهاز استخبارات عربي بتسليم قطر ملفاً مشابهاً يثبت علاقة خنفر بجماعة الإخوان، وحركة حماس.

وما يوضح بجلاء أن تغييراً تجاه حماس قد حدث في القناة؛ ما قدمه برنامج الاتجاه المعاكس هذا الأسبوع عن مجزرة غزة، فقد استضاف اثنين أحدهما عن فتح الذي كال السباب إلى حركة حماس، والذي كان يرد عليه من جماعة أحمد جبريل، ولذلك جاء الرد عليه باهتاً مع أنه كان من المفترض أن يكون هناك شخص من حماس يرد على قيادي فتح.

كذلك هناك علامات استفهام حول كثير من معدي ومقدمي البرامج في القناة، وخلفياتهم الفكرية والعقائدية، فهناك عارف حجاوي مسئول البرامج فيها، وهو السبب الرئيس في هذه الورطة التي وجدت الجزيرة نفسها فيها، فهو صاحب قرار استضافة وفاء سلطان واعتماده كما أورد موقع "المصريون" الذي اتهم الحجاوي بتزعمه لمجموعة ذات توجهات علمانية متطرفة داخل القناة.

وهناك "غسان بن جدو" وتوجهه الموالي لحزب الله، والتي ظهرت بوضوح أثناء حرب صيف 2006م، حتى أنه بات المتحدث شبه الرسمي لنصر الله.

وهناك أيضاً هويدا طه معدة البرامج في القناة، والتي تقترب آراؤها إلى حد ما من وفاء سلطان، والذي لا يصدق هذا فليطالع مقالاتها في صحيفة القدس العربي.

ولا ننسى فيصل القاسم ومواقفه العلمانية الواضحة، وتقربه الدائم من النظام السوري، حتى أن مواضيع حلقاته التي تكون بعيدة عن سوريا تجده يقحم بالسباب أعداء هذا النظام.

ونحن في هذا المقال لا نقصد تشهيراً بالقناة، ولكن لكي لا يجلس المشاهد مستغرقاً لا يدري ما يعرض عليه مشدوداً متلقياً فقط، ولكن ينظر إلى ما يقدم بعين النقد والتفحص والتمعن فيما يقال، فكثير من الناس باتوا يستدلون في أحاديثهم ونقاشاتهم على ما يقال في الجزيرة سواء خبر أو تحليل وكأنه مرجع علمي معتبر.

http://islammemo.cc: المصدر