الاحتلال في أفغانستان .. حرب بلا نصر

4 ربيع الأول 1429هـ الموافق له 11- 3- 2008م

سيمون جنكينز - صنداي تايمز [1]

ترجمة: شيماء نعمان

طالما أشارت التقارير المستقلة حول الوضع في أفغانستان إلى تصاعد نقص الثقة، وتضاؤل العزم الدولي حيال العملية هناك، مؤكدة أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) لا يحقق نصراً فعلياً على الأرض.

وتحت عنوان "تراجعوا يا رجال .. أفغانستان حرب بغيضة لا يمكننا أبداً النصر فيها" نشرت صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية يوم الأحد 3 فبراير مقالاً للصحافي "سيمون جنكينز" تناول خلاله بنظرة تحليلية ضعف الناتو، والخطورة التي يمثلها مقاتلو طالبان الذين يصفهم البعض بأنهم المقاتلون الأشرس على وجه الأرض.

وجاء في مقال جنكينز: تطير وزيرة الخارجية الأمريكية "كوندوليزا رايس" متوجهة إلى بريطانيا هذا الأسبوع لمواجهة أزمة صنعتها برمتها كلاً من لندن وواشنطن، فليس لديهم أية استراتيجية لاستمرار احتلال أفغانستان، ويواصلون ذلك خوفاً على حياتهم، ويأملون في حدوث شيء ما.

إن بريطانيا تكرر تجربة جوردون في الخرطوم، تجربة الداردنيل، وسنغافورة، وكريت، تجربة السياسيين الذين لم يعودوا يقرؤون التاريخ، ويتوقعون من الآخرين الموت من أجل أحلامهم بالمجد.

إن كل تقرير مستقل بشأن عملية الناتو في أفغانستان يهتف برسالة واحدة: "احترس أزمة تبدو في الأفق".

وقدمت "مجموعة دراسة أفغانستان" الأمريكية التي يترأسها مجموعة جنرالات ودبلوماسيين لا تشوب اعتماداتهم شائبة؛ الأسبوع الماضي تقريراً بشأن "تضاؤل في العزم الدولي، وتصاعد في نقص الثقة"، وقد جاء تقرير للمجلس الأطلنطي أكثر حدة: "علينا ألا نُخطئ، الناتو لا يحقق نصراً في أفغانستان".

إن البلد في خطر داهم بالتحول إلى دولة فاشلة.

وقد شذ "روبرت جيتس" وزير الدفاع الأمريكي بغضب جلي عن صف التفاؤل الرسمي، والتزم بدفع 3000 جندي إضافي من مشاة البحرية إلى الميدان، بينما بعث ملاحظة "استثنائية حادة" إلى ألمانيا، مطالباً بأن تواجه قواتها البالغ عددها 3200 جندي النيران المعادية، وألمانيا مثل فرنسا، قد رفضت ذلك المطلب، على الرغم من ذلك فإن الأمر صار عاجلاً بعد أن هددت كندا بالانسحاب من الجنوب ما لم يتم تقليص أعبائها، أما بريطانيا التي لا تقل إحباطاً عنها فإنها تقترح إرسال جنود مرابطين نصف مُدربين إلى الجبهة بعد أن تجاهل قادتها كل تحذير بأن طالبان هم أشرس مقاتلين على وجه الأرض.

في الوقت نفسه فإن الناتو يقوم بما يقوم به ببراعة ألا وهو الشجار، وقد انتقد جيتس بريطانيا لعدم أخذها الحرب ضد "المتمردين" بفاعلية ملائمة، غير أن بريطانيا تستشيط غضباً من التسلط الأمريكي بشأن رش محصول الخشخاش بمحافظة هلمند، وما يترتب عليه من تحطيم كافة الآمال لكسب القلوب والعقول، وكان معظم الجنود الـ37.000 الذين يتحركون حول كابول قد أُرسلوا على افتراض أنهم لن ينخرطوا في أعمال قتال، إنه لم يحدث على الإطلاق أن تم تجميع جيش على أساس مثل ذلك الافتراض شديد الحماقة.

ولم تنجح استراتيجية الناتو شديدة الزهو لعام 2006م، وكانت تفتخر بأن قواته ستقوم فقط بحراسة عمليات "إعادة البناء"، وتدريب الشرطة الأفغانية، ولن يكون هناك مزيد من الضربات الجوية المضادة ضد قرى الباشتون، كما سيتم التصدي لطالبان عن طريق القوات الأمريكية الخاصة، مع مهاجمة الجيش الباكستاني لظهرهم، وكان منذ عامين إذا أعرب شخص عن تشككه حيال ذلك السيناريو الوردي يُقابل في المركز الرئيس للناتو في كابول بقهقهات من الضحك، أما اليوم فإن ذلك الضحك من شأنه أن يكون عزفاً موسيقياً في آذان طالبان.

إن كابول تشبه سايجون - الاسم القديم لعاصمة فيتنام الجنوبية - في نهاية حرب فيتنام، حيث تكتظ باللاجئين وبالفساد بينما طبقة عليا من ذوي الأموال من مقاولين، واستشاريين، ومتحزبي المنظمات غير الحكومية تنطلق من حفل إلى آخر في سيارات لاند كروزر مضادة للرصاص، أما خبراء التلفيق الإعلامي الذين يخوضون معركة يومية مع الحقائق قد لجؤوا إلى معدلات القتلى في صفوف الأعداء للدلالة على تحقيق النصر، وهو تكتيك استخدمه الجنرال ويستمورلاند في فيتنام.

وهذا يختلف بصورة كلية عن تعهدات بريطانيا عام 2001م بشأن القضاء على الأفيون، وإقامة فصول للوعي النوعي والحكم المدني، غير أنه بعد 87 حالة وفاة وعامين من العمليات في هلمند فإن الجيش البريطاني لا يمكنه حتى تأمين خزان مياه واحد، إن نجاحات الدعم مثل بعض المدارس الجديدة والطرق في الشمال تبدو ضئيلة بدرجة كبيرة، بينما تنأى البلاد بنفسها عن صراع كابول، وشيوخ القبائل للوصول إلى اتفاق مع قادة طالبان.

وبوضوح فإنه ليس هناك سبيل إلى أن يستطيع 6.000 جندي بريطاني بالقيام بتأمين - ناهيك عن تهدئة - الجنوب، كما أن المزيد من الجنود سوف يُظهر ببساطة مزيداً من "التمرد"، والمزيد من الهجمات الأمريكية عبر الحدود الباكستانية لن تقدم سوى دعاية لتنظيم "القاعدة" في تحويله الراديكالي للمناطق القبلية.

إن فقط مثل تلك الشراسة هي ما سبق التصعيد السوفيتي لحرب مكافحة التمرد في الثمانينات، وظهور طلائع ذات دعم أمريكي من طالبان.

إن أفضل الأنباء الواردة من كابول هي تصاعد خيبة الأمل إزاء الرئيس الأفغاني المراوغ "حامد كرزاي"، وكان الأسبوع الماضي قد رفض العرض الغربي لتولي زعيم سابق لحزب الديمقراطيين الليبراليين البريطاني لورد أشداون تنسيق العمليات في كابول، أياً كان ما قد يعنيه ذلك، إن الديمقراطية الليبرالية لا تحتل مرتبة عليا في قائمة أولويات كرزاي.

وقد هاجم كرزاي البريطانيين لجلبهم مقاتلي طالبان إلى منطقته التي تفتقر إلى السيطرة، وعندما كان يُعتقد في أن ممثلين أجانب يتفاوضون مع عناصر من طالبان بمنأى عنه؛ قام على الفور بطردهم من البلاد.

في غضون ذلك ذهب لتحديد خياراته الخاصة من الحكام الإقليميين والقادة، والذين كانوا في كثير من الأحوال أمراء حرب متورطين في تجارة المخدرات المزدهرة بالبلاد، وتقدم تلك التجارة لأفغانستان مصدر الدخل الأساس.

وبينما تشكو الجالية الدولية في كابول من أن كرزاي على مقربة شديدة من أمراء المخدرات، وأمراء الحرب ووسطاء متنوعين من طالبان؛ فإنهم على الأقل أمراء الحرب والوسطاء التابعين له، وعندما فصلت بريطانيا الزعيم القبلي "شير محمد أخندزاده" كمحافظ لهلمند استشاط كرزاي غضباً، وتوقع على نحو صحيح أن يؤدي ذلك إلى تصاعد في اعتداءات طالبان.

وبالرغم من أخطائه فإن كرزاي زعيم منتخب، وذو دهاء كذلك، وهو سجين فعلي بحامية الناتو العسكرية في كابول، إلا أن أفغانستان لا تزال بلده، ولو فكر في أنه يستطيع إجراء اتفاقات عبر مراكزها السياسية دعوه يفعل ذلك، وإذا أراد أن يتوقف الناتو عن قصف قواعد طالبان في قرى الباشتون، وقتل زعماء الباشتون القبليين؛ فإنه يتعين عليه التوقف.

قوموا بسحب فرق استئصال الأفيون من هلمند، دعوا كرزاي يُقايض الأموال بالسلطة، والسلطة بالسلام، إن خبراء الإدارة في كابول ربما يحلمون بأفغانستان مشابهة لدولة السويد الحديثة، ولكنهم لن يقوموا أبداً بضم الباشتون، والبلوش، والطاجيك، والهزاريين، والأوزبك داخل حكومة فيدرالية مستقلة.

إن أفغانياً واحداً فقط هو من لديه الفرصة لفعل ذلك، والأفغاني المقترح هو كرزاي نفسه.

ويرى الإدراك السليم ضرورة نزع الصفة العسكرية للاحتلال، مع انسحاب للقوات الغربية إلى كابول حيث يمكنهم محاولة حماية العاصمة، وطرق التجارة الشمالية، وفي الولايات إلى الجنوب والشرق يجب أن تُقدم أموال، وأسلحة، ومهارات كرزاي التفاوضية النتائج التي في مقدورها، فالغرب لا يمكنه بأية حال حفظ أمن ونظام أفغانستان بأية وسيلة بعيدة عن الموارد المتاحة لديها.

ووراء مثل ذلك التغيير في السياسة يجب أن تكمن سياسة ربما أكثر شمولاً، وخلال العقدين الماضيين تمسكت المعرفة الاستخبارية بأن لا شيء يحدث على الحدود الأفغانية الباكستانية دون أن يكون للوكالات التابعة لجيش باكستان يد فيها، وقد كانت الاستراتيجية الأخيرة المناصرة لطالبان خلال فترة التسعينات تعتمد على هوس باكستان بـ"الدفاع في العمق" ضد الهند، وأرادت باكستان رؤية أفغانستان مستقرة، وصديقة، وقديمة الطراز، وقد كان أمن إقليم البنجاب يعتمد على احتواء أراضي الباشتون القبلية التي تمتد عبر الحدود الباكستانية الأفغانية.

وحفز الإعلاء المتهور من شأن القاعدة على يد الرئيس الأمريكي "جورج دبليو بوش" بعد عام 2001م مجموعة صغيرة من الوافدين العرب على التحول إلى محاربين دوليين للدفاع عن الإسلام، كما دمر كذلك سيطرة إسلام أباد على طالبان، وقد رشت أمريكا الرئيس الباكستاني "برفيز مشرف" بمليار دولار سنوياً ليُعلن تغيير وجهته بصورة تامة، ويقوم بقتال حلفائه السابقين.

وقد نقض مشرف في الوقت المتوقع معاهدة عدم التدخل التي كان قد عقدها مع الباشتون، ودفع بجيشه للقتال ضدهم، ويتصاعد تأثير طالبان مع كل هجوم جديد، ومع كل قصف أمريكي على القرى، ويتكبد الجيش الباكستاني خسائر جسيمة في هذه الحرب بدرجة أكبر من البريطانيين أو الأمريكيين.

وتعرف العقول الحكيمة في إسلام أباد أنهم يتعين عليهم الانسحاب من الحدود، واستعادة احترام الاستقلالية القبلية، ولا شيء غير ذلك يمكنه أن يجنح بالباشتون وغيرهم من القبائل إلى رفض القاعدة وحلفائها من حركة طالبان، أما البديل عن ذلك فهو مزيد من "التمرد" من شأنه أن يزعزع استقرار أي نظام ديمقراطي قد يلوح من الانتخابات التي تشهدها باكستان هذا الشهر، وذلك الاحتمال يُعد أكثر سوءاً من أي مصير قد يحيق بأفغانستان.

إنه ليس هناك بديل معقول عن إنهاء العمليات العسكرية ضد الباشتون بأي سبيل، فمثل كردستان العراق فإن باشتونستان بلد بلا دولة، وقد ابتلاها التاريخ، ولكنها ردت هذا البلاء رداً مضاعفاً عندما هوجمت، أما الآن فإن القدر قد خوّلها دوراً رئيساً في أبغض حرب خاضتها بريطانيا منذ عقود، كما قدم لها الإمكانية لتدمير دولة ديمقراطية منبعثة ذات أهمية حيوية للغرب.

إن وضع واحد من بين أقدم وأشرس شعوب العالم في قتال ضد كلٍ من كابول وإسلام أباد يتطلب جهداً ضخماً، لكن الدبلوماسية الغربية قد قامت به، والآن يتعين عليها البدء في العملية المضنية للفرار من ذلك الخطأ المجفل.

______________________________

([1]) الصحافي البريطاني "سيمون جنكينز" يكتب أسبوعياً لصحيفة "صنداي تايمز"، وكان قد عمل من قبل كمحرر سياسي بمجلة "ذي إيكونوميست"، ورئيس تحرير لصحيفة "إيفيننج ستاندرد"، وقد تم منحه لقب فارس عن خدماته في المجال الصحافي في عام 2004م.

http://islammemo.cc:المصدر