قوات بدر في الأراضي الفلسطينية .. مهمة محفوفة بالمخاطر!
خالد وليد محمود - كاتب فلسطيني
31- 1- 2008م
عادت قضية إدخال لواء بدر التابع لجيش التحرير الفلسطيني، والموجود في الأردن؛ إلى أراضي السلطة الفلسطينية - وتحديداً إلى قطاع غزة - تتصدر عناوين وسائل الإعلام الفلسطينية من جديد، سيما بعد التصريحات التي أدلى بها السفير الفلسطيني في الأردن عطا الخيري مؤخراً، وأعقبها تصريحات الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية ناصر جودة، أكدا خلالها على أن ثمة استعدادات تجري، وجهوداً تبذل؛ لإدخال "قوات بدر" الفلسطينية الموجودة في الأردن والتي يبلغ تعدادها ما يقارب 1500 من العسكريين المدربين إلى قطاع غزة للانتشار هناك في خطوة لاستعادة الأمن في الأراضي الفلسطينية.
قضية إدخال قوات بدر إلى أراضي السلطة الفلسطينية كانت جزءاً من نقاشات ضمت إسرائيل، والأردن، والسلطة الفلسطينية منذ توقيع اتفاقية أوسلو سنة 1994م، عندما طلب الفلسطينيون من إسرائيل إدخال هذه القوات إلى أراضي الحكم الذاتي الفلسطيني؛ إلا أن إسرائيل لم ترد.
خلال الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في صيف 2005م تجدد الحديث حول مسألة إدخال لواء بدر من الأردن للانتشار على الحدود بين مصر وقطاع غزة، وذلك بعد أن كشفت مصادر صحفية عربية وإسرائيلية أن قوات بدر سيتم نقلها إلى قطاع غزة فور رحيل آخر جندي إسرائيلي عن القطاع، وإعادة نشر إسرائيل لقواتها حول غزة.
وقد أشارت المصادر ذاتها أن تسليح هذه القوات سيتم التنسيق بشأنه مع الجانب المصري، وأن اتفاقاً بنقل القوات المذكورة وتسليحها؛ تم إبرامه بين إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية؛ إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرئيل شارون رفض وقتها الموافقة على دخول هذا اللواء لقطاع غزة لأسباب قيل أنها أمنية.
ومنذ ذلك الوقت بقيت مسألة إدخال "قوات بدر" إلى قطاع غزة تروح مكانها؛ إلا أن ما يعيشه قطاع غزة من اضطرابات جراء الحصار الشامل المفروض عليه من قبل إسرائيل؛ زاد الحديث عن نية الحكومة الإسرائيلية السماح بدخول لواء بدر إلى غزة بناء على طلب شخصي من الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
وكان لهذه الأنباء صدى واسع في وسائل الإعلام العربية عموماً، والفلسطينية بشكل خاص؛ خلال الأيام القليلة الماضية، وأصبحت محط اهتمام المراقبين سيما بعد ورود تقارير تتحدث عن وجود رغبة أمريكية وإسرائيلية وأردنية مشتركة لدخول قوات بدر، وكذلك استعداد أمريكي لتسليح هذه القوات.
* مهمة قوات بدر في قطاع غزة .. أين تكمن؟
في بسط الأمن، ومنع حرب أهلية، أم لمواجهة حركة حماس وحماية إسرائيل؟
قد لا يختلف اثنان من المراقبين للمشهد الفلسطيني عن الإجابة على هذا السؤال، ويبدو أن صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية أجابت عليه في إحدى صفحاتها يوم 23/11/2006م بقولها: "تعزيز قوة أبو مازن من أجل التخلص من حماس"، هذه الرسالة ينقلها في الآونة الأخيرة الرئيس المصري حسني مبارك، ووزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط؛ في محادثات مع دبلوماسيين أمريكيين وأوروبيين.
يقول المصريون: إنه حان الوقت للتجند الشامل من الدول العربية المعتدلة والأسرة الدولية لتعزيز مكانة رئيس السلطة الفلسطينية، وتشكيل تهديد على حماس، وتضيف الصحيفة بأن مصر والأردن وكذلك الرئيس الأمريكي جورج بوش يؤيدون إصلاحاً شاملاً في أجهزة الأمن الفلسطينية، سيما تعزيز الحرس الرئاسي والشرطة، وحسب موقع صحيفة يديعوت يوم 29/10/2006م فإن "الحكومات الإسرائيلية السابقة رفضت طلبات متكررة من السلطة الفلسطينية بنقل قوات بدر إلى الضفة الفلسطينية المحتلة، إلا أنها تدرس الآن نقل تلك القوات إلى منطقة قطاع غزة في محاولة لإيجاد توازن بين القوة العسكرية لحماس والقوات الموالية للرئيس عباس في قطاع غزة".
على ما يبدو فإن إسرائيل وأمريكا، وخاصة بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، وفشل كل الوسائل والضغوطات لتنحيتها عن الحكم؛ تراهن على أن تعزز قوات بدر جهاز أمن الرئاسة في حال تم إدخالها لأراضي السلطة الفلسطينية.
وما يدلل على ذلك الاهتمام غير المسبوق الذي يحظى به جهاز أمن الرئاسة الفلسطينية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في الآونة الأخيرة، وحسب ما أشارت إليه التقارير الصحفية الإسرائيلية فإن قوات الرئاسة الفلسطينية يتم تدريبها بمعسكرات بإشراف أمريكي، وتم دعم تلك القوات بأحدث الأسلحة والتجهيزات العسكرية التي لم ينقطع دخولها في شحنات متفرقة إلى قوات أمن الرئاسة في غزة، والضفة الغربية على حد سواء، وبعلم السلطات الإسرائيلية، الأمر الذي رأى فيه المراقبون أن ثمة استعداداً للمنازلة الوشيكة بين القوات التي تتبع للرئيس عباس والقوات التابعة لحركة حماس.
وفي منتصف نوفمبر 2006م أوضحت صحيفة "الديلي تلجراف" البريطانية أن إسرائيل تعتزم السماح لمئات من عناصر "قوات بدر" الفلسطينية الموالية لرئيس السلطة "محمود عباس" بالدخول إلى الأراضي الفلسطينية لمواجهة حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، مشيرة إلى أن "إسرائيل ترى في هذه الخطوة طريقة لمواجهة قوة حماس المتنامية"، ولكن الصحيفة نقلت تحذيرات المراقبين من أن دخول هذه القوات "قد يؤدي إلى تصعيد في العنف بين الفصائل، والذي خلف عدداً من القتلى هذا العام"، وبحسب الديلي تلجراف فإن الإدارة الأمريكية هي التي اقترحت الفكرة بزعم أن هذه القوات الفلسطينية التي تلقت التدريب في الأردن ستساعد على إعادة النظام إلى الأراضي المحتلة، خاصة في قطاع غزة.
من جهتها أشارت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية يوم 5 /11/2006م أن إسرائيل تهدف من إدخال قوات بدر لقطاع غزة من أجل حماية إسرائيل من إطلاق صواريخ القسام، ومنع محاولات تنفيذ عمليات داخل إسرائيل من قبل الفصائل الفلسطينية عن طريق الأنفاق، وفي الوقت نفسه سيتم نشر قوات الحرس الرئاسي على طول محور فيلاديلفي لمنع تواصل تهريب الوسائل القتالية عبر الأنفاق إلى قطاع غزة، بالإضافة لتشكيل قوة لمواجهة نفوذ حركة حماس.
مصادر مقربة من الرئاسة الفلسطينية أشارت إلى أن الهدف من إدخال قوات بدر وانتشارها في قطاع غزة يأتي في إطار ضبط الأمن، ومنع حالة الفلتان الأمني، وتعزيز قوة الحرس الرئاسي الذي يعتبر القوة النوعية والأكثر انضباطاً في السلطة، والتي يسيطر عليها أبو مازن، ولا يوجد فيها أي حضور لحركة حماس.
ويقول مسؤولون في قوات الأمن الفلسطينية: إن "قوات بدر" تلقت في الآونة الأخيرة تدريباً على أعمال ذات صفة بوليسية تتناسب والعمل في الأراضي الفلسطينية.
موقف حركة حماس من عودة قوات بدر؟
كانت حركة حماس قد رحبت على لسان يحيى موسى عضو المجلس التشريعي يوم 19 نوفمبر 2006م بعودة قوات بدر من الأردن إلى قطاع غزة، واعتبر موسى هذه العودة جزءاً من استراتيجية حركة حماس، مشدداً في السياق ذاته على ضرورة أن تكون هذه العودة في إطار أجندة وطنية، وأن لا يتم التعامل معها ضمن أجندة لصد المقاومة الفلسطينية، أو لإيجاد توازنات لطرف على الطرف الأخر.
لاشك أن المراقب للمشهد الفلسطيني المعقد يستطيع أن يفسر رغبة إسرائيل في إدخال لواء بدر لقطاع غزة؛ وذلك كخطوة تريد منها تعزيز قوة الرئيس أبو مازن لمواجهة نفوذ حركة حماس، ومنع إطلاق الصواريخ وعمليات المقاومة.
ولا بد من الإشارة أيضاً أنه إذا كان الرئيس الفلسطيني يهدف من وراء إدخال قوات بدر لقطاع غزة حفظ الأمن ومنع الاقتتال الداخلي؛ فإن السؤال الذي يطرح في هذا المقام هو: هل سينجح 1000 من لواء بدر في بسط الأمن في الوقت الذي فشل فيه عشرات الآلاف من قوات الأمن الوطني الفلسطيني، والأجهزة الأمنية التابعة لها بالقيام بهذه المهمة، ناهيك عن أن هناك من يشكك بقدرة عناصر قوات بدر بإحداث تغيير جوهري، ونقلة نوعية على مستوى وضع حد لظاهرة الفلتان الأمني، سيما إذا لم تحظ تلك القوات بموافقة جميع الفصائل الفلسطينية خاصة حركة حماس ذات النفوذ الأوسع في القطاع، وإلا كانت تلك القوات عاملاً معززاً لزيادة حدة المواجهات الفلسطينية الفلسطينية وليس لردعها؟