حقيقة أسرار الصلاة وطاقة الأسماء الحسنى

د. فوز كردي

 

توزع حالياً ورقة بعنوان أسرار الصلاة الروحية أو الإعجاز في الوضوء، والاستشفاء بالطاقة الروحية للأسماء الحسنى، فهل تدخل هذه ضمن الوافدات الفكرية، وكيف نرد على الذين يوزعونها ويقولون أنها من الإعجاز العلمي؟

بداية أقول فكر "الطاقة الروحية الكونية " فكر ملحد يحاول التسلل عبر الإعجاز العلمي منتهزاً الاهتمام المتزايد بكشف جوانب الإعجاز العلمي في القرآن والعبادات الإسلامية لدى كثير من الأمة، ومستغلا قوة الحق في هذا الدين ليستمد منها قوة لفلسفته، ذلك الفكر الذي تسلل في موضوع "الأسرار النفسية والروحية للصلاة "، فهذا الموضوع حوى أمرين أولهما باطل وثانيهما حق وتفصيل ذلك ما يلي:

الأمر الأول: هو ما يتعلق بدراسات المهندس إبراهيم كريم الذي يعمل على إحياء فلسفة "الفينج شوي" الوثنية المستمدة من المعتقدات الفرعونية والفلسفات الشرقية الملحدة بما أسماه علم "البايوجوماتري" أو علم "الهندسة الحيوية" الذي يدعى فيه الكشف عن طاقة حيوية روحية. وهو علم قد يلبس بعض النظريات العلمية أو الحقائق الشرعية والنصوص كلباس على جسم باطل فالطاقة المقصودة ليست الطاقة الحرارية، ولا الكهربائية وتحولاتها الفيزيائية والكيميائية المختلفة سواء الكامنة منها أو الحركية أو الموجية، وليس كذلك ما يعبر عنه بـ"الطاقة الحيوية الانتاجية" أو"الطاقة الروحية" التي نفهمها من نشاط للعمل والعبادة واحتساب الأجر وعظيم التوكل على الله ونحو ذلك.

 

إن الطاقة المرادة هي "الطاقة الكونية" حسب المفاهيم الفلسفية والعقائد الشرقية، وهي طاقة عجيبة يدّعون أنها مبثوثة في الكون وهي قوة الحياة فيه، وهي عند مكتشفيها ومعتقديها من أصحاب ديانات الشرق متولدة منبثقة عن "الكلي الواحد" الذي منه تكوّن الكون وإليه يعود، ولها نفس قوته وتأثيره؛ لأنها بقيت على صفاته بعد الانبثاق عنه (لا مرئي، ولا شكل له، وليس له بداية، وليس له نهاية) بخلاف القسم الآخر الذي منه تجسّدت الكائنات والأجرام.

وهذه الفلسفة في حقيقتها هي عقيدة وحدة الوجود بتلوناتها المختلفة " العقل الكلي، الوعي الكامل، الين واليانج ". أما المروجون لها من أصحاب الديانات السماوية ومنهم المسلمون فيفسرونها بما يظهر عدم تعارضه مع عقيدتهم في الإله، فيدّعون أنها طاقة عظيمة خلقها الله في الكون، وجعل لها تأثيراً عظيماً على حياتنا وصحتنا وروحانياتنا وعواطفنا وأخلاقياتنا، ومنهجنا في الحياة [1]!!

ولما كانت هذه الطاقة غير قابلة للقياس بأجهزة قياس الطاقة المعروفة، فقد ادّعى قياسها بواسطة أجهزة خاصة مثل "البندول"، فبحسب اتجاه دورانه تُعرف الطاقة ويحدد نوعها سلبية أو إيجابية، وبعضهم يستخدم "كاميرا كيرليان" التي تصور التفريغ الكهربائي أو التصوير "الثيرموني"، أو تصوير شرارة "الكورونا"، أو جهاز الكشف عن الأعصاب ويزعمون أن النتائج الظاهرة هي قياسات "الطاقة الكونية" في الجسد!! في محاولة منهم لجعل "الطاقة الكونية" الميتافيزيقية شيئاً يقاس وكأنها علم اكتشف كالطاقة الفيزيائية التي يعرفها الناس فلتلبس لبوس العلم، وتوحي ببعدها عن المعاني الدينية والفلسفات الوثنية، مستغلين جهل أغلب الناس بهذه الأجهزة وحقيقة ما تقيس.

ومن ثم فهذه الطاقة المسماة "الطاقة الكونية" لا يعترف بها العلماء الفيزيائيون فليست هي الطاقة التي يعرفون، ولا يعترف بها علماء الشريعة والدين، فليست الطاقة التي قد يستخدمونها مجازاً بمعنى الهمة أو الإيمانيات العالية ونحوه، إذ كلا الطاقتين لاعلاقة لها بطرائق الاستمداد التي يروج لها أهل "الطاقة الكونية"، وهي عقائد أديان الشرق وبخاصة الصين والهند والتبت وهي ما يروج له حكمائهم الروحانيين وطواغيتهم قديماً وحديثاً.

والمتصفح لموقع ابراهيم كريم على الشبكة العنكبوتية يجد أنواع الشرك والوثنية تحت دعاوى الطاقة الكونية: سجادة ذات طاقة خاصة لحماية أهل البيت من الأمراض، أقراط حدوة الفرس لزيادة طاقة الجسم على مقاومة الأمراض، الاهتمام بأسرار الأهرام والأشكال الهندسية لزيادة الطاقة الروحية لأهل المنزل وهكذا مما لم يثبت بعقل صحيح ويتنافى مع النص الصريح.

هذا وقد صدرت فتوى من اللجنة الدائمة في حكم ما ادعاه من أسرار الطاقة في الأسماء الحسنى وطرق استخدام طاقة كل اسم بحسب أسراره وأسرار حروفه في علاج الأمراض أرفق لكم نسخة منها. وقد يكون هذا المهندس أو الأستاذ الكاتب للمقال يقصد نصرة الدين، وحقيقة ما يفعله خذلانه كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عن فلاسفة عصره الذين أدخلوا مفاهيم الفلسفة اليونانية بقصد خير فقال: " ومنهم من لم يقصد اتباعها ولكن تلقى عنها أشياء يظن أنها جميعها توافق الإسلام وتنصره. وكثير منها تخالفه وتخذله " ثم أكّد خطرها على الدين فقال: " كل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم إذ بنوه على ما في الأرواح والأجسام من القوى والطبائع ".

 

الأمر الثاني: فوائد طبية أثبتها المختصون في الطب كما في الوقاية من مرض الدوالي وتقوية جهاز المناعة ونحو ذلك مما يعظم فرح المؤمن بدينه وحبه لربه الذي اصطفى له أكمل شرائع الدين.

ولا يخفى على القراء الأفاضل أن الأمر الثاني حق والأول باطل في نفسه خطير فيما يقود إليه من الإيمان بهذه الطاقة المزعومة وتتبع فلسفاتها وطرق الحصول عليها الأخرى.

 

----------------------------------------

[1]ولازم هذا القول اتهام الشريعة الخاتمة بالنقص إذ لم تخبر عنها، أو اتهام المصطفى بالتقصير في البلاغ وحاشاه.

 

http://www.alfowz.com              المصدر: