خطة أبرامز تتجسد في قطاع غزة : الاقتتال الداخلي على حساب المشروع الفلسطيني التحرري!!
يوسف شلي
منذ أن بدأت المواجهات المسلحة الدامية بين حركتي فتح وحماس، في أعقاب الخطاب الذي ألقاه محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية أخيرا، الذي أعلن فيه قراره بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة، لم تتوصل الحركتان إلى وقف إطلاق النار بالصيغة الوطنية المطلوبة داخليا، رغم رعاية البعثة الأمنية المصرية ولجنة المتابعة للقوى والفصائل الفلسطينية، لتنهار جميع الاتفاقيات التي وقعت من قبل، ليبقى الدم الفلسطيني ينزف، ولكن هذه المرة بأيدي فلسطينية فلسطينية بحتة.
الاستقطاب غير المسبوق في الساحة الفلسطينية بين حركتي حماس وفتح، والمتزامن مع مشاحنات وتوترات تزداد تصعيدا يوما بعد يوم، بات ينذر بانزلاق الساحة الفلسطينية نحو مستنقع الحرب الأهلية، واغتيال النظام السياسي "الديمقراطي"، قبل تحقيق حلم إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة وعاصمتها القدس.
الشارع الفلسطيني حمل مسئولية انهيار اتفاقات التهدئة الموقعة أكثر من مرة بين حماس وفتح، للجانبين مجتمعين، حيث تتحمل الحركتان المسئولية عن تأجيج الصراع في الشارع، وكلاهما يتربص بالآخر، لأن اعتراض حماس لموكب حرس الرئاسة كان خطأ كبيرا، واستهداف حرس الرئاسة للجامعة الإسلامية بغزة خطأ أكبر، وتفجير فتح لجيب القوة التنفيذية كارثة أيضا لا تغتفر.
الشعب الفلسطيني، ومن خلاله حركتي حماس وفتح، ومنذ إعلان نتائج الانتخابات التشريعية في 27 يناير 2006م، باتا يتصارعان فيما بينهما على سلطة شكلية واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي. وبدا واضحا من خلال ما يحدث في أرض قطاع غزة، أن السجال السياسي الفلسطيني دخل، ويدخل، في أخطر مراحله، منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية، حيث إن لغة الرصاص، أو كسر العظام حسب تعبير أحد المحللين الفلسطينيين، هي المسيطرة على الموقف العام، داخليا وخارجيا، سيما بعدما وصل الحوار الفلسطيني - الفلسطيني إلى طريق مسدود.
والإشكال أن يتمسك كل طرف بمواقفه السياسية، الأمر الذي يحمل في طياته خيارات مفتوحة الاتجاهات، وسيناريوهات ربما تكون كارثية على مسيرة الشعب الفلسطيني منذ عقود من أجل التحرر من سيطرة وظلم النظام الصهيوني القابع على صدورهم وأنفاسهم، ذلك أن "المواقف المتصادمة لا بديل عنها في الأفق، والخيارات التي يتمترس خلفها كل طرف لا تلتقي في منتصف الطريق، بل تتعارض رأسيا".
* من يسيطر على الأمن.. يسيطر على الوضع:
ويرجع المراقبون عدم نجاح اتفاقيات وقف إطلاق النار، إلى رغبة من حماس وفتح في حسم الأمور بقوة السلاح، وفرض كل طرف شروطه على الآخر، لأنه لا توجد صيغة سياسية مقبولة أو يمكن أن يأتمن عليها، تصلح لجسر الهوة بين مواقف الطرفين المتباعدة.
ورغم أن الجانبين يطرحان ـ إعلاميا ـ موضوع حكومة الوحدة الوطنية كصيغة يمكن أن تصلح لحل الخلافات، إلا أن الخلاف حول ظروف تشكيل هذه الحكومة يبدو أصعب بكثير من أن يتم التوصل لحل بشأنه، حتى إن المحللين السياسيين يشكون في أن يتمخض لقاء مكة المرتقب يوم الثلاثاء القادم عن أي قرار أو نتيجة قد تدفع بالطرفين إلى اللقاء مجددا في غزة، من أجل ضبط الأمور الأمنية والاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية، كصيغة وسطى تلبي احتياجات الطرفين المتصارعين على المدى القريب، وبضمانة سعودية قد تضفي على المشهد الفلسطيني السياسي بعض الالتزام والجدية والحرص.
ومن هنا، ومن هذا المنطلق، تصبح مسألة السيطرة على الأجهزة الأمنية المختلفة التابعة لرئيس السلطة محمود عباس أو لرئيس الحكومة إسماعيل هنية، أصل المشكلة والداء (إضافة، إلى سلاح الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية، بما فيها سلاح كتائب القسام وكتائب شهداء الأقصى)، وتشكل القضية المركزية في الصراع الدائر الآن بين الحركتين الرئيسيتين في الساحة الفلسطينية "حماس" و"فتح".
وينذر، في هذه الحالة، خاصة مع عدم معالجة هذه القضية بحكمة وروية، بعيدا عن الخطط الانقلابية من هذا الطرف أو ذاك، والاستفزازات الإعلامية والسياسية، باندلاع مواجهات شاملة ودامية بين الفصيلين، وبالتالي بين أنصارهما من الشعب الفلسطيني، ولن تكون هناك جهة يمكن الرجوع إليها لوضع الأمور في نصابها من جديد، لا الجهة المصرية، ولا السعودية، ولا السورية، ولا الإيرانية، ولا حتى الرباعية.
* المعادلة الأمنية هل هي أساس الحل؟ ولكن على الرغم من ولاء أغلب أجهزة الأمن لمحمود عباس، نظرا لانتمائها التنظيمي إلى حركة فتح بالدرجة الأولى، تمكنت حماس خلال العام الماضي (2006م) من إنشاء جهاز أمني بديل يتألف من حوالي 4000 عضو، ويسمى "القوة التنفيذية"، أغلبهم من حماس ويتمركزون في قطاع غزة، فقد أعلنت حماس مجددا عن خططها الرامية إلى تجنيد 1500 من عناصر أمن إضافيين للعمل في الضفة الغربية، معقل حركة فتح، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة حدة التوتر بينهما من جديد.
ومن الشائع فلسطينيا وعربيا ودوليا، سعي كل من الطرفين المتنازعين إلى بناء قواهما العسكرية وبسط نفوذهما في المدن الفلسطينية، وقد أشارت تقارير استخباراتية (إسرائيلية، ومصرية، وأمريكية، وحتى فلسطينية) أن حركة حماس تهرب الأسلحة والمتفجرات من سيناء إلى قطاع غزة بمعدلات متسارعة، في حين خططت الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل، وبعض الحكومات العربية الخليجية لتسليح وتدريب القوات التابعة حصريا لمحمود عباس، وبصورة خاصة حرسه الرئاسي "القوة 17" و"الاستخبارات الرئاسية"، وهم بهذه الوتيرة يجهزون القوات التابعة له في غزة لمواجهة دموية مع حماس، كما جاء في خطة "أبرامز"، التي تشكل حاليا المرجع لفهم ما يحدث في فلسطين، وهي ترى (أي الخطة) أن المواجهة لا محالة بين الفصيلين "العدوين".
وفي مقال نشور في موقع "بروجيكت سينديكيت"، جاء فيه أن "إسرائيل تدرس الآن طلب رئيس السلطة الفلسطينية بالسماح له بجلب الأسلحة والذخائر من مصر والأردن على أمل تدعيم القوات الموالية له.. وأن هناك اقتراحا أميركيا يقضي بالسماح للواء بدر ـ أحد أجنحة جيش تحرير فلسطين، الذي يتخذ من الأردن حاليا مقرا له ـ بالانتقال إلى الأراضي الفلسطينية، للعمل كقوة انتشار سريع في غزة تحسبا لاندلاع حرب أهلية، ويتألف لواء بدر من عدة آلاف من الفلسطينيين، أغلبهم من الناشطين القدامى في منظمة التحرير الفلسطينية.
وأشار الموقع أيضا إلى خشية مصر من اندلاع حرب أهلية بين حماس وفتح، ورغم أن حماس قد استبعدت هذا الاحتمال، إلا أنها لم تتردد في استخدام القوة الصارمة ضد معارضيها. وعلى نحو مماثل يقول محمود الزهار وزير خارجية حكومة حماس، إن أي محاولة لحل الحكومة الحالية أو الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة من جانب عباس من شأنه أن يؤدي إلى اندلاع حرب أهلية.
وكان الخوف من وقوع معارك ساخنة سببا في دفع العديد من الفلسطينيين إلى محاولة الدخول إلى مصر، فاضطرت الحكومة المصرية بالتالي إلى نشر قواتها على الحدود، بهدف السيطرة على أي خروج جماعي.
ومن المفارقات العجيبة في سياسات الشرق الأوسط، أن الوسيلة الأكثر ترجيحا لتجنب وقوع مواجهات واسعة النطاق بين حركتي حماس وفتح، تتلخص في إقدام إسرائيل على عدوان جديد كبير من خلال اجتياح قطاع غزة بهدف منع المقاومة من إطلاق الصواريخ في اتجاه إسرائيل، وإلقاء القبض أو تصفية المطلوبين عندها.
فعلى ما يبدو، فإن مواجهة الجانبين لإسرائيل معا، تشكل السبيل الوحيد الذي قد يدفع الفصيلين الفلسطينيين المتخاصمين إلى تأجيل وقوع المواجهة الدموية بينهما، إلى فرصة أخرى إذا لم تتمكن السياسة والحوار السلمي من ردم الهوة بينهما من أجل مصلحة فلسطين وشعبها ومشروعهما التحرري.
03-2-2007م