"يقين": درسْتُ الإعلام وأنا في المعتقل

 إبراهيم الزعيم

 

يقين سامر حصارمة...المخرجة الأولى والوحيدة حتى الآن في قناة الأقصى الفضائية التي انطلقت في نوفمبر/ 2006، وفي مجال الإعلام الإسلامي الفضائي في قطاع غزة والضفة الغربية.

يقين التي تخوض هذا الفن قدمت حتى الآن العديد من الأعمال التي لاقت قبولاً لدى المشاهد، ومازال لديها المزيد، وهو ما يعني أن المرأة الفلسطينية مستعدة للتميز والإبداع إذا أُتيحت لها الفرصة.

 

في البداية أرجو أن تحدثينا كيف تم اعتقالك، وتجربة الاعتقال؟

 كان اعتقالي فجر الأحد 28/ 3/ 2004م، أي بعد استشهاد الشيخ أحمد ياسين بأيام، ما حدث أن مقنّعين من القوات الخاصة الصهيونية اقتحموا المنزل واحتجزونا في الطابق السفلي، وصادروا ممتلكاتي الشخصية، ومن ضمنها جهاز كمبيوتر.

من المعلوم أن قائد الفريق لا يشارك في أي عملية إلاّ إذا كانت خطيرة، وقد شارك قائد ذلك الفريق في ذلك اليوم. بعد أن قررت أنا وعائلتي عدم البكاء اكتشفت أن معهم سيارة إسعاف، وهذا يعني أنهم قد جهزوا أنفسهم لأي مواجهة، مع العلم أن عائلتنا مكونة من والدي ووالدتي وثلاث فتيات وطفلين. كان الشرط أن تكون معي مجندة، لكن هذا لم يحدث، وقد كان حديثهم في الجيب الصهيوني باللغة العبرية، إلاّ الشتائم التي وُجّهت لي فقد كانت باللغة العربية. توجهوا بي إلى مطار قلنديا وهناك خلعوا الأقنعة والستر الواقية، ثم وصلنا إلى سجن المسكوبية، وهو المعروف بالمسلخ، ثم أخذوني إلى العيادة، وهدفهم من نقل الأسير للعيادة أمران: معرفة ما إذا كان يعاني من مرض للضغط عليه، والثاني علاجه إذا دعت الحاجة لذلك، وذلك للحصول منه على معلومات.

 

 كيف جرى التحقيق معك، وما هي التهم التي وُجّهت إليك؟

 جاء الكابتن وقال لي: معي أخطر ثمانية ملفات في السجن، وملفك من ضمنها وأنت الفتاة الوحيدة هنا، وطلب مني أن أقول كل ما عندي، وبدأ محقق بالتحقيق معي بوجود فتاة من طاقم مخابرات مدني، وبدأ بتوجيه الأسئلة الطبيعية لي عن عائلتي، ثم قال لي: قصي القصة، قلت له: لا يوجد قصة، قال: الشمس واضحة لا تُغطّى بغربال، فقلت له: قل أنت، فقال: أنت مرتبطة بخلية عسكرية، قلت له: أنا ناشطة طلابية وليس لي علاقة بما تقول، وآخر قال لي: أنت قنبلة موقوتة ونحن أنقذناك. مكثت في التحقيق أربعين ساعة، وتعرّضت للضرب، وطبعاً لا يوجد أكل أو نوم. ثم تحوّل التحقيق بعد ذلك من تهم عسكرية إلى تهم متعلقة بالنشاط الطلابي، واستمر التحقيق ستة أيام، من قبل محققين يحفظون آيات وأحاديث وأمثالاً عربية. بعد ذلك مكثت في زنزانة انفرادية أربعة عشر يوماً، وكنت لا أعرف الوقت، لدرجة أني في أحد الأيام صليت الفروض الخمسة ثم اكتشفت أن الساعة مازالت الحادية عشرة قبل أذان الظهر، لقد كان الوقت يمر ببطء شديد، ثم نُقلت إلى عزل (التلموند)، وحينها خضت إضراباً لمدة شهر ونصف، ومكثت في العزل ثمانية أيام، وما يميز العزل أنهم يسمحون بإدخال القرآن للأسير، ويوماً ما قرأت قول الله - تعالى -: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران: 140). فاطمأنت نفسي وسكنت وارتاحت.

 

 كيف تم إبعادك إلى قطاع غزة؟

 حدثت معي صفقة، فقد حُكم عليّ بالسجن ثلاثة عشر شهراً، وقد اشترى والدي سبعة أشهر بمبلغ اثني عشر ألف شيكل، فقضيت ستة أشهر ويوم، وحكم عليّ بالسجن ثلاثة أعوام مع وقف التنفيذ، بمعنى إذا ورد اسمي في أي تحقيق أعود إلى السجن.

 

 أنت الآن متزوجة من شاب في قطاع غزة، حدثينا عن المعاناة التي واجهتِها إلى أن تم هذا الزواج؟

 كنت خاطبة منذ عام 2003، وقد جاء زوجي لعقد القران في الضفة فكادوا يعتقلونه، فعقد قراننا وانقطعنا عن بعضنا بعد ذلك عاماً ونصف، وقد حددنا موعد الزفاف في عام 2006، فمنعنا الاحتلال أنا وعائلتي من السفر إلى غزة قائلين لنا: أنتم عائلة إرهابية، فكررنا المحاولة إلى أن قررت محكمة العدل الصهيونية نفيي إلى غزة لمدة عامين، وطلبوا مني التوقيع على ألاّ أمس بأمن دولة (إسرائيل)، فوقعت وبعدها بأسبوعين وكان يوم 14/ 12/ 2006 قال لنا المحامي: اذهبي لأخذ تصريحك للسفر إلى غزة، وفعلا ذهبت وكان مدته يوم واحد فقط، ووصلت إلى غزة وتم الزواج.

 

 يقين... تعملين الآن في قناة الأقصى الفضائية، ما هي طبيعة عملك؟

 يسّر الله لي الدراسة في مجال نادر في بير زيت، وهو بكالوريوس "إذاعة وتلفزيون"، وعلى الرغم من الاعتقال تخرجت في ثلاثة أعوام ونصف، وقد مارسنا كافة أشكال العمل الإذاعي والتلفازي، ثم انتقلت إلى غزة ولديّ طموح كبير، وقد قُبلت للعمل في قناة الأقصى في مجال المونتاج والإخراج.

 

 نريد نبذة عن أعمالك؟

 كانت الانطلاقة من برنامج "إشراقات" الذي قدمنا منه سبع عشرة حلقة، وعملنا فواصل خاصة في ذكرى استشهاد الشيخ أحمد ياسين، وفيلم "الطيور العائدة" الذي يتكلم عن النكبة التي تعرض لها شعبنا عام 1948م، وفيديو كليب "أرض بلادي أحلى جنة"، وآخر عن "القوة التنفيذية"، وسيكون هناك آخر إن شاء الله عن شهر رمضان المبارك، كما أننا بصدد إعداد فيلم عن حياة الشهيد د. نبيل أبو سلمية، وسيكون هناك إنجازات متتالية إن شاء الله.

 

 يقين... الملاحظ أن المرأة الفلسطينية اقتحمت كافة المجالات: الإعلام، السياسة، ومن قبل هذا وذاك المقاومة، علامَ يدل ذلك برأيك؟

 يدل على كينونة الشعب الفلسطيني الخاصة، فقد وضع الله - سبحانه وتعالى -- فينا الصبر والتحدي والعناد ما يكفل حفظ هذه الأرض. المرأة زوجة أسير وأم شهيد، وهي الشهيدة والأسيرة، ففي معظم البيوت تأخذ المرأة دورها ودور الرجل، وهي مصرة على مواصلة الطريق.

 

 ما هي أبرز مميزات العمل الإسلامي، وماذا أضاف لك؟

 كنا في البداية نعاني من الفردية، لكن الآن نعمل بروح الفريق، كالليل والنهار، هذا يطغى مرة على هذا مرة وهذا أخرى، لكن في النهاية كل منا يكمل الآخر، كما أنك ستقدم أفضل ما عندك؛ لأن هناك جمهوراً سيرى العمل ويحكم عليه، وبالطبع ما يخرج من القلب يتغلغل في القلب، ولذلك لابد من الإخلاص والإبداع لمواكبة شغف المشاهد، والاستفادة من خصوصية هذه الأرض المباركة. ومع أنني مارست كافة الفنون الإعلامية قبل العمل في قناة الأقصى إلاّ أن الفيديو كليب أضاف لي شيئاً جديداً في حياتي العملية، وسيكون مشروع تخرجي العملي عن هذا الفن.

 

ما هو طموح يقين المخرجة في قناة الأقصى؟

 طموحي أن أنشئ أسرة ملتزمة بتعاليم الإسلام، والارتقاء بالقناة والإعلام الإسلامي، وأن يجمعني بأهلي، وأن أصلي في المسجد الأقصى المبارك، لقد كنت أصلي سابقاً فيه وأهدي الصلاة لكل مسلم لا يستطيع الوصول إلى الأقصى، وقد كانت آخر جمعة لي في الأقصى في شهر رمضان المبارك، وسبحان الله على الرغم من عدم السماح لي بالإقامة في القدس أقمت فيها بقرار من الاحتلال، وذلك عندما كنت معتقلة فيها. لقد كان معي حفنة من تراب الأقصى أهدتني إياها الأخوات في الكتلة الإسلامية في بير زيت، وكنت أنوي أن أهدي كل الأحبة منها، لكنها صودرت مني قبل دخولي إلى غزة.

 

 لمن توجّهي كلمتك الأخيرة؟

 بعد عامين ونصف خارج الأسر -وطبعاً فلسطين كلها في الأسر- لا أشعر بطعم الحرية؛ لأن لي أخوات في الأسر، أحلام التميمي وغيرها، أقمت معهن مدرسة يوسف ومحمد -عليهما الصلاة والسلام-، وهو قيام الليل، وجمعنا فيه من سير الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-. ولقد شعرت بالخيانة عندما دخلت السجن بعد كثير منهن وخرجت قبلهن، وكنت في الضفة ممنوعة من السفر والآن مسموح لي ذلك في غزة، لن أنعم بالحرية إلاّ بتحرير الأسيرات والأسرى، وستبقى معاناتهن أمانة في عنقي.

 

4/6/1428هـ 

19/06/2007 م

 

 

 

http://www.islamtoday.net                      المصدر: