أغاريد على ضفاف الجرح في شعر نبيل الزبير
محمد الحناحنة
شاعرنا الشاب نبيل الزبير واحد ممن اكتووا بهموم الأمة، وهو ممن يغردون دائماً على ضفاف الجراح، وحين تسمعه أو تقرأ له تحس بأحزانه الكبيرة وصوره المشحونة بالحزن، ففي قصيدته (يا بدر) التي ألقاها في إحدى أمسيات ملتقى الأدباء الشباب بالمكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرياض، نراه يلجأ إلى تشخيص (البدر) فيشكو له ضجره وأمله؛ إذ يقول:
ملِلْــــتُ يا بدرُ إنّ القلــــبَ مكتـــئبٌ *** وأصبـــح القلبُ عشياً ما رأى مطراً
وزورقُ القلـــــبِ بين الـموجِ مرتعدٌ *** يواجــــهُ الموتَ والأهوالَ والخطرَا
وعلى الرغم من المواجع واللوعة في القصيدة إلاّ أن شاعرنا الشاب يسلمنا لنفحات من التفاؤل والأمل في آخر أبياته، فنصغي له ممتطياً صهوة الحروف:
وجرت الشمسُ في ثوبِ العرسِ في فرحٍ *** وعـــانق الأرضَ نهرٌ للحـــياةِ جـرى
ألا ترى ذاك طــــفلٌ مـــــلؤُهُ أمــــــــــــلٌ *** بين الزهــــورِ يناجي الطيرَ والشجرَا
ألا ترى ذاك طـــــيرٌ راحَ يرســــــلُــــــها *** عبرَ النســــيمِ لحــــوناً فاقتِ الصّورَا
لقد وُفّق الشاعر نبيل الزبير بأن جعل الآمال تزهر من ذاكرة الطفولة الواعدة، إيماناً منه بالمستقبل المشرق لهذه الأمة التي تحمل الخيرية للبشرية ما دامت تتمسك بقرآنها وشريعتها، وعبّر عن ذلك في استعارات شفيفة تجد وقعها في النفس كقوله: (وعانق الأرض نهر للحياة) (وجرت الشمس في ثوب العرس... )
شوق وشجن
يبرز في قصيدة: (شوق) للشاعر نبيل الزبير حس المكان؛ إذ يخاطب فيها مدينة (ليلى) في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية التي عاش فيها طفولته الغضة، فشخصها بلغة حانية متكئاً على الأسلوب الطلبي في الأمر والنهي والنداء، فيشدو لها:
مـــدِّي يديْكِ فإنـــنـــي مشـــــــــتاقُ *** طــولَ الــــطريقِ تسيرُ بي الأشواقُ
يا ذكــرياتِ الحـــبِّ يا (لـــيلى) وما *** هدأ القريضُ ولا ســــلا المــشـــتاقُ
يا ذكــرياتِ الحـــبِّ يا (ليـــلى) وما *** نـــسيَ الـــهوى أوَ هكذا الأخـلاقُ؟!
وفي قصيدة (شجن) تكثيف، وقدرة جلية على مخاطبة وجداننا وهمومنا من خلال صورة موحية يمتزج فيها الحسي بالمعنوي في فضاء يجدف في معاناة الفرقة والرحيل فنقرأ:
وترحلــــين كــــأني يومَ فرقتِـــــــنا *** لمْ أذرفِ الدمـــــعَ لم أمددْ إليكِ يدي
لملمت حزني، وواريْت الأسى عبثاً *** ورُحتُ أصرخُ أين الحبُّ وا كبدي؟
كما يمزج بين حس المكان والزمان في قصيدته (آثار على ضفاف النهر)؛ إذ يحاور شاعرنا نبيل الزبير التاريخ رابطاً بين الماضي والحاضر، مشعلاً فينا أمجاده وقدسيته:
تلوحُ في ناظــــري أمجـــــادُ قرطبةٍ فيقبـــــــلُ العـــزمُ كالطـــوفانِ إقبالا
وألمـــــحُ القدَّ قد حـــنّــت جوانــــبُهُ نحوَ الحــــجازِ حنـــــــيناً ملّ أغلالا
على ضفاف الجرح
وتأتي قصيدة: (على ضفاف الجرح) هامسة تقطر عذوبة معبرة عن أحزان دفينة تفيض شوقاً وتلتاع أرقاً، والشاعر يهفو إلى لحظة صفاء تذكي الحنين، لكن اللحظات توقد لهيباً فوق لهيب، فنتألم لجرح ينزف:
قدري بأن أحيــــــا مع القـــــلــــــقِ *** متعـــثّرَ الأحــــلامِ فــــــي الطــرقِ
بــيـــنـــي وبيــــن الحـــــــبِّ أوديةٌ *** ملأى بفيــض الشـــــــــوقِ والأرقِ
نزفتُ لقـــوافي الجـــــرحِ مِن قلمي *** ودموعُ شــــعري خضـــّبتْ ورقـي
يا لوعـــةً عبـــثتْ بذاكــــــــــــرتي *** فنســـيتُ أحــــبابي ولـــــمْ أُفـــــــقِ
يا لحظـــــةً قد كنت أحبــــســـــــها *** تذكي الحــــنانَ فأوقــــدت حُــــرقي
وعلى الرغم من هذا الشجى، والجراح النازفة إلاّ أنه يؤوب إلى الإيمان بالله منكسراً يناجيه في ظلام الليالي، يرجو رحمته، ويتلو آياته المحكمة:
يا لـــــــــــيت لي كوخــــــــاً برابيةٍ *** والزهـــــــرُ حولـــي ساحــرُ العبقِ
وأعيــــــشُ وحــــدي لا أرى أحــداً *** إلاّ الطيــــورَ وبســــــــــــمةَ الألقِ
ومــــيـــاهَ ينـــبوعٍ وســــــــاقــــــيةٍ *** والحقل من مــــاءِ الصـــــــفاء سُقي
واللـــيل قــــــد ألقــــــى عبــــــاءتَهُ *** والفــــجر يطوي ظـــلمـــةَ الأفــــقِ
وأنا أصــــلي الفـــــــجرَ منكــــسراً *** للهِ أتلــــــــــو ســــورةَ الـــعـــــــلقِ
نافذة على الندم
ونمضي مع شاعرنا نبيل الزبير إلى فضاء الغزل في قصيدته (ندم) وقد وُفّق بحسن الاستهلال منشداً:
أذيبــــي بيــــننا هذا الجـــليــــدَا *** لنـــبدأ في الهــــوى عهداً جديداً
ثم يحاور المحبوبة وتحاوره بأسلوب يتدفق سلاسة وحناناً ورقة:
مُـــقـــــرٌّ أنــنـــي أخطـــــأتُ لكــنْ *** جمــيلُ العـــفو أحرى أنْ يســــــودا
ونفســــي لو سألـــت النــــفسَ يوماً *** منحتك لا أبالــــي أنْ أجـــــــــــودا
لكن هذه الفتاة تدرك أنها أضاعت أيامها معه دون جدوى، فترد عليه متألمة حزينة بلغة ووجدان مفعم بالأسى والندم:
أتذكرُ كـــــم عـــهــــودٍ كـــــــاذباتٍ *** نقضْتَ فلســـــْتَ تحــــــترمُ العهودا
وكمْ أشــــعلــــْتَ في صدري حريقاً *** وكــــــم يومٍ تجــــاوزْتَ الحــــدودا
تركتُـــك قد ندمْـــتَ علـــى زمــــانٍ *** أضـــعْتُ فداك فارحــــلْ لنْ أعــودا
ولعل حسن إنشاد الشاعر نبيل الزبير وأسلوب إلقائه في الأمسيات يمنح قصائده وقعاً مؤثراً في النفوس.
أخيراً يقف شاعرنا الشاب نبيل الزبير في قصيدته: (الرجوع) تائباً منيباً إلى الله، متوسلاً إليه بالدعاء، راجياً رضاه بهجره للذنوب، وهو منذ البداية يشف عن حزن دفين مع أسلوب الدعاء الذي يناسب جلال المقام:
ربّـــاهُ جئــــتك تائـــباً ومـــــنيـــــباً *** أرجو رضــاكَ فقد هـــــجرْتُ ذنوبا
أدعــــوكَ يا ربي أجــبْ لي دعوتي *** إنْ لـــمْ تجــــبْني مَنْ يكونُ مجـــــيبا
وإلـــى ظــــلالِكَ قد أتيـــْتُ لأرتمي *** تحتَ الظـــــــــــلالِ فلا أخافُ لهيبا
يا ربّ في دربِ الحـــــياةِ تعثـــّرتْ *** قدمــــايَ حتـــــــى ضــــللْتُ دروبا
أقتـــــاتُ من ألمي وأشربُ حسرتي *** وأســـــيرُ في اللــــيلِ الكئــيبِ كئيبا
ألقيــــتُ قلبي في رحـــــابِكَ باكـــياً *** يرجو الهـــــدى يا مَن هديت قلـــوبا
هذا المعجم اللغوي الذي يلح عيه الشاعر كثيراً: (رباه، ربي، يا رب، تائباً، منيباً، رضاك، ظلالك، أخاف، رحابك، باكياً، أدعوك، الهدى، مجيبا،.... ) يزخر بوهج المعاناة الصادقة التي يعيشها شاعرنا نبيل الزبير في رحلة التوبة، ويتجلى ذلك في معظم فضاءاته الشعرية.
19/10/1428
30/10/2007