الدعوة إلى الله بين الأقوياء والضعفاء
أنور قاسم الخضري
"...فصفة القوة التي نعنيها هنا لا تعني القوة البدنية، بل هي صفة تجمع أكثر من نقطة: فالنسب، والمكانة الاجتماعية، والوضع الاقتصادي، وقوة الشخصية والبأس، وقوة البيان والتأثير، جميعها قضايا محسوبة عند تمييز الضعفاء من الأقوياء وتصنيف الأقوياء فيما بينهم!... "
تنقسم المجتمعات البشرية -أيا كانت- إلى فئات مختلفة متمايزة عن بعضها البعض، ومن بين هذه الفئات الأقوياء والضعفاء.
وهذا التقسيم (أو التصنيف) لا يعتمد على محدد واحد فقط، كما هو الحال مع الأغنياء والفقراء، أو القراء/ الكتاب والأميون، أو الأصليون أو الدخلاء، أو ما إلى ذلك من التصنيفات.
فصفة القوة التي نعنيها هنا لا تعني القوة البدنية، بل هي صفة تجمع أكثر من نقطة: فالنسب، والمكانة الاجتماعية، والوضع الاقتصادي، وقوة الشخصية والبأس، وقوة البيان والتأثير، جميعها قضايا محسوبة عند تمييز الضعفاء من الأقوياء وتصنيف الأقوياء فيما بينهم! وغالبا ما يتحكم الأقوياء في توجيه المجتمع وصياغة أفكاره وتشكيل مواقفه وقيادته وفقا للتقاليد المتوارثة والعادات الجارية والأعراف المحدثة والنظم المتفق عليها فيما بينهم! وهم يراعون في غالب ذلك رعاية مصالحهم الخاصة على حساب الضعفاء، مع رعاية بقاء هؤلاء الضعفاء في فلك هذه المصالح ليظلوا جنودا لمعسكر الأقوياء في حال تهددت مصالحهم من مجتمع آخر أو قوة ناشئة مناوئة.
هذه الحقيقة يجب استحضارها ونحن نتأمل قصص الأنبياء ومسيرة دعوتهم في المجتمعات، لأنهم دون شك كانوا في طريق دعوتهم -عليهم الصلاة والسلام- يدركون طبيعة المجتمعات البشرية ويراعون سنن التغيير فيها، لأن للمجتمعات بناءها العضوي الذي يعمل على ديمومتها وبقائها، ويحافظ على تماسكها ووحدتها، وكأنها بالفعل كائن حي! وهي تتعامل مع أي تغير بداخلها وفقا للسنن ذاتها سواء بسواء مع المجتمعات الأخرى! وفي القرآن الكريم إشارات كثيرة بهذا المعنى، فهو يؤكد على أن الأنبياء جميعا ووجهوا بالأساليب ذاتها (التكذيب والسخرية والاستهزاء)، ووقف أمامهم الفصيل ذاته (الملأ)، وعرضت عليهم المطالب ذاتها (التعجيزية)، وهددوا بأصناف الوعيد ذاته (السجن أو الطرد أو القتل)! ولم تختلف تبريرات المجتمعات في رفض ما أتوا به من الحق.
ومن ثمَّ فإن القرآن الكريم كان يرسم للرسول المصطفى - عليه الصلاة والسلام - سنن الذين خلوا من الأمم ليقف على حقيقة ما سيقابله من الظروف والآراء والأشخاص والأحوال.
وإذا كان الأمر كذلك فإن من السهل فيما بعد رسم خطة العمل ووضع احتمالات المواجهة وبدائل الآليات مع الأحوال أو مع الأشخاص. وما سأهتم به في هذه الأسطر من هذا الجانب في سير الأنبياء جميعا والدعوات، هو ذلك الجانب الذي ميز محمدا - عليه الصلاة والسلام - في دعوته بحيث بدا واضحا وجليا في منهجه واهتمامه العملي، ألا وهو الاعتناء بكسب الأقوياء إلى صف الدعوة الإسلامية لتستحيل إلى قوة حركية تفرض منهجها في الأرض وتمكن له في الوجود وتحمي بيضته وتسير به إلى كل المجتمعات غير خائرة ولا واهنة ولا متكاسلة ومتوانية.
فإن في القرآن الكريم إشارات واضحة على أن غالبية أتباع الأنبياء عليهم صلاة الله وسلامه أجمعين كانوا من الضعفاء، ابتداء من نوح - عليه الصلاة والسلام -، وهو الذي بذل في الدعوة قرابة الألف عام منوعا الأساليب ومجددا في الوسائل مع استمرار منقطع النظير في بذل الدعوة ليلا ونهارا.
قال - تعالى -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ، فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ، وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ، وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ).
ويقول - تعالى -: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ، قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ، وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ).
وينقل القرآن شكوى نوح لربه - سبحانه - من تأثير الأقوياء اقتصاديا واجتماعيا في صرف عامة الناس عنه: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا، وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا)، فإذن المعسكر المقابل لمعسكر الإيمان -أو معسكر الأراذل حسب تعبير الملأ- هو معسكر الأقوياء أصحاب الثراء والوجاهة الاجتماعية، الذين يترددون في البلاد طولا وعرضا بأنواع التجارات والمكاسب آمنين لقوتهم وبأسهم.. هم أنفسهم في كل زمان: (مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ، كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ)؛ وبذات المنطق يتحدثون: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ).
إن حقيقة مواجهة من يصفهم القرآن الكريم بالملأ للدعوات التوحيدية ورسالات الأنبياء ماثلة عبر التاريخ، وفي مقابل ذلك كان أنبياء الله - تعالى -يقعون تحت طائلة التهديد والوعيد قولا أو فعلا، حتى أولئك الذين استجاب لهم طائفة ذوي شوكة، كما هي الحال مع شعيب - عليه الصلاة والسلام -. قال - تعالى -: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ، قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ، قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).
وبالرغم من امتناع شعيب عليهم إلا أنه وأتباعه كانوا غير قادرين على مواجهة قومهم مواجهة الند للند: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ). ونتيجة هذا التمايز في أتباع الدعوات بين الأقوياء والضعفاء كان العون الإلهي يأتي إلى صف الضعفاء المؤمنين، الذين كانوا لا يملكون حيلة في مواجهة قومهم وهم يفتنونهم في دينهم ويصبون عليهم أنواع العذاب، فتكون عاقبة الأقوياء الإبادة العامة لهم ولمن تبعهم من الضعفاء الذين لم يؤمنوا.
وينتهي المشهد بنجاة الطائفة المؤمنة وعودة المسيرة البشرية للبناء الجديد بعد كل نكسة تتعرض لها بسبب كفرها وإعراضها. وكان سلاح الأنبياء وأتباعهم أمام تلك المعسكرات الثرية القوية الكاثرة الدعاء والاستعانة بالله - سبحانه -، ونادرا ما كانت تتم المواجهة مع أقوامهم، وإذا وقعت كان النصر الإلهي يحسم المعركة لصالح معسكر الإيمان.. (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).
إلا أن ما حدث مع الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - كان مغايرا تماما، فقد عمل الرسول - عليه الصلاة والسلام - على حسم المعركة منذ انطلاقتها الأولى وأيامها الباكرة. حيث كان - عليه الصلاة والسلام - يعطي جزءا من اهتمامه لتغيير معادلة المجتمع بحيث كان يستهدف الأقوياء من قومه والذين سيكون لتحولهم للإسلام أثره في المجتمع، وقد طغى هذا الاهتمام عليه في فترة من الفترات حتى عاتبه ربه في ذلك، لأن الدعوة إلى الله حق عام للناس جميعا أقوياءهم وضعفاءهم.
ومن بين الشواهد التي يمكن ذكرها في هذا المقام على هذه المسألة، حرص الرسول الكريم على مخاطبة علية القوم في قريش مع أمر الله له بإنذار عشيرته الأقربين، فرادى ومجتمعين، تكرارا ومرارا، حيث جمع قومه الأقربون بمن فيهم عمه أبو طالب، وكان سيدا في قومه، وخرج على كبار قريش وسادتها في دار الندوة وحول الحرم فأسمعهم دعوته.
وكان - عليه الصلاة والسلام - يدعو الله أن (يُعزَّ الإسلام بأحد العمرين)، ويحكي صاحب كتاب (الرحيق المختوم) أن النبي الكريم أقام بين أهل الطائف لما خرج إليهم عشرة أيام لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه.
إن اهتمام النبي الكريم بالأقوياء في دعوته ليس لأفضلية هؤلاء بذواتهم أو بالقوة التي يملكونها وإنما لتأثيرهم الذي لا ينكر في تغيير أفكار الناس وتوجهاتهم (إيجابا وسلبا)، فكسبهم إلى صف الدعوة يعني كسب من وراءهم، وخسارتهم-أيضا- خسارة لمن وراءهم. وهذا أمر طبيعي فطن إليه أسعد بن زرارة وأسيد بن حضير عندما وجها مصعب بن عمير، وهو رسول رسول الله إلى أهل المدينة لدعوتهم، لكسب سعد بن معاذ إلى صف الدعوة بقولهما له: جاءك والله سيد مِن وَرَائهِ قُومُه.. إن يتبعك لم يتخلف منهم أحد.
إن اقتناع هؤلاء الأقوياء بالدعوة أو كسبهم إلى صفها وإن لم يعتنقوها كلية له أثره في انتشار هذه الدعوة أو حمايتها كأقل تقدير، فقد كان أبو طالب رغم كفره سدا منيعا أمام محاولات إيذاء الرسول والاعتداء عليه، وهو معنى افتقده لوط - عليه السلام - وهو يواجه قومه منفردا: (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)، يقول السعدي - رحمه الله - في تفسير معنى القوة: أي كقبيلة مانعة، لمنعتكم.
وهذا بحسب الأسباب المحسوسة، وإلا فإنه يأوي إلى أقوى الأركان وهو الله، الذي لا يقوم لقوته أحد. ومن المؤسف اليوم الموقف الخاطئ لبعض الدعاة إلى الله من فئة الأقوياء، والذي أصبح غالبا متطرفا وغير متوازن، فشريحة من الدعاة غلَّبت كسب هذه الفئة على المبادئ، فمع كسب الجديد منهم يتمُّ التنازل عن مزيد من مبادئ الدين وقيمه، حفاظا على مصالح هذه الشريحة أو مكانتها، هذا إذا لم يعطوا الصدارة في الدعوة رغم حداثة إيمانهم وضعف التزامهم! وفي المقابل يذهب البعض من الدعاة بعيدا، عندما يصب جهده كاملا في دعوة العامة بعيدا عن أصحاب المكانة وصناع القرار، خشية من تحول دعوته لأداة في أيدي الأقوياء! أو زهدا فيهم أو قناعة بعدم استجابتهم! أو الظن بأن انضمامهم إلى الدعوة لا يكون إلا بانسلاخهم كاملا من مظاهر القوة! هذا الواقع أوجد نوعين من الواقع الدعوي: واقع يسيطر فيه الأقوياء على مسيرته ولهم فيه الحل والعقد وللعلماء والدعاة فيه الدور الثانوي، سواء كان هؤلاء الأقوياء حكاما أو وجاهة اجتماعية أو أصحاب رؤوس أموال! وواقع دعوي تغيب عنه مظاهر القوة ويغلب على أتباعه الضعف العام.. لا يؤثر في واقع ولا يحدث تغييرا ذو شأن.
الوقت وينسحب من المجتمع! وبين هذا وذاك تظل قلة من الدعاة تلتزم هدي الرسول الكريم وتستفيد من سنن الله الكونية في النفس والمجتمع، تحافظ على مبادئ الدعوة وقيمها وهي تسعى لكسب الأقوياء ليكونوا جنودا لها، دون أن يخل ذلك باهتمامها بالضعفاء؛ لكنها توقن أن معظم الشر الذي دخل على البشرية هو بسبب غياب الدعوة عن ساحة الأقوياء الذين يكونُ الناس تبعا لهم، وصدق الله إذ يقول: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ)، ويقول: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَا).
إن القوة والغنى والمكانة الاجتماعية وشرف النسب لم تكن في يوم من الأيام سببا بذاتها للكفر لولا النفس الأمارة بالسوء، وبالتالي لا ينبغي النظر إليها نظرة استقلال لها، فهي أداة يمكن أن توظف في الخير كما أنها يمكن أن توظف في الشر، وكثيرا ما صدَّ الأقوياء عن الدعوة الموروث الاجتماعي والتقاليد السائدة فلما سقطت أمامهم عادوا إلى حضيرة الدين فكانوا له عزا بين الناس مرددين: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله"! وقد كان من منهج النبي - عليه الصلاة والسلام - في دعوته للأقوياء وكسبهم إلى صفِّ هذا الدين ما يلي: -
أنه أبدى لهم قوة شخصيته من خلال الأخلاق التي تحلى بها: الأمانة، الصدق، الكرم، الحكمة، الشجاعة، ولكل هذه الأخلاق حظ من سيرته قبل البعثة. هذا مع ترفعه عن حقائر الأمور وسفاسفها، حيث عمل بالرعي والتجارة فاستغنى بكسبه عن الحاجة للآخرين.
-أنه انطلق في دعوته لهم من ثقته بالرسالة التي يحملها، بأنها حق وأن فيها الخير والصلاح لأتباعها، وأنها منصورة بإرادة الله، كما أنه طرح هذه الرسالة عليهم باعتبار حاجتهم إليها وخسارتهم في حال لم يستجيبوا لها، مهما بلغت قوتهم ومقدراتهم. وهذه المعاني كانت واضحة في خطاب الرسول الكريم لسادة قريش وكبراء القوم، واستمر منهجه هذا في المدينة وهو يتلقى وفود القبائل أو يراسل ملوك الأرض.
-أنه أظهر الندية لهؤلاء الأقوياء، كما أظهر في المقابل عزوفه عن مظاهر القوة التي تعارفوا عليها وعرضوها عليه: إن أردت ملكا ملكناك، وإن أردت مالا جمعنا لك من أموالنا! فكان رده: "والله لو وضعوا الشمس في يمني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر أو أهلك دونه ما تركته"!
-أنه أظهر مكانة أولئك الذين يكون لهم أثر في نصرة هذا الدين ونشره من خلال عدد من الأحاديث، فمن ذلك أنه سئل عن خيار الناس، فقال: "خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"!
-أنه أكد على أن الإسلام لا يعارض مظاهر القوة والمقدرة -من حيث هي- مالم تخالف في جوهرها الدين أو يتوصل بها إلى ما يخالف أحكامه؛ بل أبدى موقف الإسلام من هذه القوة.. "المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير".
-أنه استوعب توظيف هذه الطاقات والقدرات وسمح لها بإطلاق مواهبها واستغلال إمكانياتها في سبيل تمكين القيم والمبادئ التي آمنوا بها. ولم يحل - عليه الصلاة والسلام - بينهم وبين أن يؤثروا في مسار عجلة التاريخ وحركة المجتمع وفقا لما آمنوا به، بل شجعهم على المبادرات التي أبدوها من خلال إعادة مكانتهم في المجتمع الإسلامي طالما ثبت صدق إيمانهم. وهكذا عمل الرسول - عليه الصلاة والسلام - على تعزيز دعوته بشخصيات طبيعتها التأثير في مجتمعاتها ولديها المؤهل لحمل الدين إلى الناس كافة ومواجهة كل الصعاب والمعوقات بقوة الإيمان وقوة الأسباب.
12-11-2007هـ