التوسط في التفاؤل هو المنهج القويم
المجيب:أ/ الهنداوي
الســؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أنا متفائل جدا والمحبطون من حولي يعتبرونني في مشكلة نفسية، ولا يهمني كلامهم لكنه يؤذيني، وخاصة عندما يتحدون كجماعة ويحاولون فرض قناعتهم أو يؤثروا على والدي، وهم يحبونني لكن عندهم مشكلة أنه لا فائدة من بذل الأسباب بجد واجتهاد إذا كانت النتائج ليست بنفس المجهود المبذول.
وأود وقاية نفسي من الأذى عن التخالط معهم، وفي نفس الوقت لا أريد أن أقاطعهم، ومنهم من قال لي هاجر ولا تتزوج واستثمر علمك ومجهودك في الخارج، علما أن عمري كبير ومرتبي قليل وتعليمي عالي تقني، وأنا متفائل أني سأنجح.
وشكرا.
الجـــواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مسلم - حفظه الله -.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،
فهذه عبارة حسنة لطيفة قد افتتحت بها سؤالك الكريم، إنك متفائل، أي أنك بحمد الله - عز وجل - صاحب أمل وصاحب استبشار بخير، فأنت تسعى وتأمل من الله - جل وعلا - أن تجد النتائج الحسنة، بل أن تجد النتائج الجيدة القوية، وهذا هو الذي تعنيه بكلمتك (متفائل)، وقد أشرت إلى أنك تخالط بعض الناس الذين لديهم شيء من الإحباط وينظرون إليك نظرة على أنك زائد في أملك وزائد في استبشارك وزائد في تقديرك لحصول الخير وفوق ذلك يتهمونك بأنك مريض نفسيًّا لوجود هذا الأمل.
ولا ريب أنهم قد أخطئوا في هذا خطأ بيِّنا، فإن الأمل والاستبشار ورجاء حصول الفضل من الله - عز وجل - على أتم الوجوه هو بحمد الله - عز وجل - ليس بالمرض النفسي ولا بالمشكلة النفسية بل على النقيض تماماً هو خير وفضل يدل على أن صاحب هذا الأمل له همة في تحقيق مصالح دينه ودنياه، ويحمله ذلك على السعي في تحقيق مصالحه وتحقيق الخير للناس وأن يصل إلى أفضل الأحوال وأعلى المقامات، فهذا أمر ممدوح، فإن المؤمن لا بد أن يعلق قلبه بمعالي الأمور وأن يترفع عن سفاسفها ومحقراتها، ولذلك قال صلوات الله وسلامه عليه: (إن الله - تعالى -يحب معالي الأمور ويكره سفسافها) رواه الطبراني في المعجم، ولكن ها هنا أمر لا بد من الالتفات إليه وهو التوسط والاعتدال وأخذ الحد المتوازن في هذا، وهذا يشرحه لك مثال لطيف لو تأملت فيه: فلو أنك مثلاً قد أتيت بكوب من الماء وملأت نصفه ثم أريته لبعض الناس وقلت له: صف لي هذا الكوب؛ فإن كان متشائما قال: نصفه فارغ، وإن كان متفائلاً جدًّا قال: نصفه مليء؛ وإن كان معتدلاً متوسطاً ولديه الميزان الذي يزن به الأمور باعتدال واقتصاد قال: نصفه ملآن ونصفه فارغ.
فهذا هو الخلق الكامل في هذا الباب، وهو أن الإنسان يكون مستبشرا ومؤمِّلاً الخير، ولكنه في نفس الوقت يعرف أن الأمور قد تجري على خلاف ما يشتهيه وقد يسعى الإنسان ولا يُقدر له حصول السعي، ومع هذا فلديه الأمل العظيم بالله - عز وجل - أن يحقق له مصالحه في دينه ودنياه، فنحن نشد على يديك في هذا الخلق العالي اللطيف وهو أن تكون مستبشراً مؤمِّلاً بالله - عز وجل - أن يحقق لك كل مرادك من الخير في دينك ودنياك، ولكن أيضاً مع الاعتدال والتوسط في هذا حتى تكون صاحب نظرة معتدلة تحملك على وزن الأمور على أفضل صورها وأكملها وأحسنها، وهذا من باب تقرير المعنى، وإلا فالظن بك إن شاء الله - جل وعلا - أن هذا الميزان لديك وأن تسير باعتدال وتوسط، ونسأل الله - عز وجل - لك التوفيق والسداد في ذلك.
وأما ما أشرت إليه من نصائح بعضهم والذين يقولون لك: اذهب واستثمر مجهودك في خارج البلاد فإنك ستجد من يقدر هنالك وأنك ستحصل ما تصبو إليه في خارج بلدك، فهذه راجعة إلى النظرة السلبية وإلى الإحباط الذي أشرت إليه، بل الصواب أن تسعى في نفع المسلمين في بلدك وأن تحرص على أن تكون مستثمرا جهدك لعباد الله المؤمنين بل إن أحق من نفعتهم هم هؤلاء المسلمون الذين تعيش بينهم والذين هم أهلك وأحبابك، فهؤلاء أحق من سعيت في نصحهم، وأما إن وجدت بعض العوائق في ذلك؛ فهذا شأن الحياة أن تجد فيها بعض المعوقات وبعض العقبات، ولكن بالاستعانة بالله - عز وجل - ثم بالإصرار والعزيمة وبذل الوسع في تحقيق المطلوب تحصِّل مرادك بإذن الله - عز وجل -، وقد أحسن من قال: (أَخْلِقْ بذي الصَّبِرِ أَنْ يَحْظَى بَحَاجَتِهِ *** وَمُدْمِنُ القَرْعِ لَلأَبْـوَابِ أَنْ يَلِجَا)، أي أن من يصبر فهو جدير بأن يظفر بحاجته، والذي يدمن قرع الأبواب أي أخذ الأسباب الموصلة إلى مراده لا بد أن يدخلها وأن يصل إلى مقصوده.
وهذا لا يتم إلا بالاستعانة بالله - عز وجل - ثم بعد ذلك بتحصيل الأسباب الممكنة ثم بعد ذلك بالعزيمة الماضية على تحقيق المراد، فتوكل على الله - جل وعلا - وابذل وسعك في تحصيل مصالحك في دينك ودنياك، كما قال صلوات الله وسلامه عليه جامعاً هذه الأصول الثلاثة التي أشرنا إليها: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) رواه مسلم في صحيحه.
نسأل الله - عز وجل - لك التوفيق والسداد وأن ييسر أمرك وأن يجعلك من عباد الله الصالحين وأن يجعلك ممن يحصل معالي الأمور وينبذ محقراتها وسفاسفها، ونود دوام مراسلتك إلى الشبكة الإسلامية التي ترحب بك وبمراسلتك.
وبالله التوفيق.
17/11/2007م