الطلاق في ضوء الشريعة الإسلامية (2)
قال جورج سيل في مقدمة كتابه ترجمة القرآن (إن المسلمين قد أعطوا حرية في الطلاق ومع هذه الحرية لا يقدمون عليه إلا نادرا لأنهم يعدونه فضيحة كبيرة).
هكذا يعترف الغرب عبر قلم أحد كتابه أن الإسلام وإن كان قد أباح الطلاق إلا أنه لم يجعله سيفا مسلولا من الرجل على المرأة بل على العكس تماما فقد جعل الإسلام آخر الحلول للمشكلات الزوجية هو الطلاق فقبلها حث الرجل على الصبر على زوجته وحث المرأة على عدم طلب الطلاق كما بينا في المقالة السابقة.
ثم بعد ذلك أوصى أهلهما أو غيرهم بالسعي للصلح بينهما وعدم ادخار الوسع في ذلك كما قال - تعالى -{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} (35) سورة النساء.
يقول الألوسي في تفسير هذه الآية: (أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله - تعالى - أوقع الله - سبحانه - بين الزوجين الألفة والمحبة وألقى في نفوسهما الموافقة والصحبة).
فإن لم تفلح كل هذه الوسائل فلا يظن عاقل أن الحياة بين هذين الزوجين ستكون حياة سعيدة يربى فيها أولاد أو ينشأ فيها بيت مستقيم يفيد المجتمع فكان لابد من الفراق وهو الطلاق أو الخلع والذي جعله الله صيانة للأسرة وللمجتمع ككل من التفكك والانحلال.
وحتى بعد الطلقة الثالثة والتي تبين فيها المرأة من زوجها بينونة كبرى لم يقطع الإسلام الطريق على الزوجين من العودة مرة أخرى إلى بعضهما البعض ولكن هذه المرة وضع قيدا إضافيا وهو أن تتزوج المرأة زواجا شرعيا صحيحا، ثم ينتهي هذا الزواج إما بالطلاق أو موت الزوج الثاني وبعدها يكون من حق المرأة أن تعود لزوجها الأول الذي طلقت منه ثلاث طلقات.
ولنا وقفة هنا مع هذا التشريع الرباني العجيب الذي يحتاج إلى تأمل ودراسة، فالله - عز وجل - خبير بعباده ويعلم طبائعهم البشرية تمام العلم ولهذا وضع هذا القيد حتى لا يتحول الطلاق إلى إلعوبة في يد زوج عابث ومن ثم تهان كرامة المرأة وتصير كسلعة يأخذها الرجل ويردها كيفما شاء.
فإذا علم الزوج أنه إذا طلق زوجته ثلاث طلقات فلن يعود إليها إلا بعد أن تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا فسيفكر كثيرا قبل أن يقدم على مثل هذا الفعل ويتسبب في تحطيم أسرته ربما للأبد وقد عرف الإنسان بالغيرة والإحساس وقد تكون غيرته أكبر زاجر له فمن يرضى أن تتزوج امرأته برجل آخر؟
حتى إذا حاول الإنسان بطبيعته البشرية مع وسوسة الشيطان له ونفسه الأمارة بالسوء أن يتحايل على الشرع بأن يزوج زوجته من رجل آخر ثم يطلقها ليتزوجها هو فالشرع الحنيف لم يترك له المجال مفتوحا ومنع مثل هذه الزيجات بل وشدد في العقوبة على من يفعلها كما قال صلى لله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجة في سننه عن ابن عباس - رضي الله عنه - (لعن الله المحلل والمحلل له).
وقال - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر رواه ابن ماجة أيضا وحسنه الألباني - رحمه الله - (ألا أخبركم بالتيس المستعار قالوا بلى يا رسول الله قال هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له)
ومن جوانب عظمة شريعتنا الغراء في موضوع الطلاق أنها أعطت للمرأة الحق في طلب الطلاق من زوجها بالطرق الشرعية إن شعرت بالضرر من الحياة معه سواء كان ضررا نفسيا أو بدنيا فلها أن ترفع أمرها للقاضي ليقضي لها بالطلاق، كما أباح الشرع أيضا للمرأة أن تطلب الخلع من زوجها وهو فسخ للعقد مقابل ما افتدت به ..
الطلاق في أوروبا وأمريكا
أما الرجل الأوروبي فإن أراد أن يطلق زوجته ويذهب مع امرأة أخرى يحبها يترك زوجته ويذهب إلى أحد الفنادق ويعيش فيه عدة ليال مع صديقته أو محبوبته بعد أن يدون اسمها واسمه في سجل الفندق ويثبت الحجرة التي نزل الاثنان بها وتاريخ إقامتهما والمدة التي مكثاها وهما يعيشان معا معيشة الأزواج في حجرة واحدة تحت سقف واحد ثم يتقدم للمحكمة طالبا أن يطلق زوجته مثبتا للقاضي أنه كان يعيش مع صديقته فلانة في فندق كذا بشارع كذا بتاريخ كذا في حجرة كذا معترفا علنا بالزنا الصريح أمام المحكمة لتصدر المحكمة حكما بالطلاق تحقيقا لرغبته .
وبنفس الطريقة تحصل المرأة على الطلاق في أوروبا ولذلك تجد الكثير من الرجال في أوروبا وأمريكا يعيشون مع نساء غير زوجاتهم والكثير من النساء أيضا يعشن مع رجال غير أزواجهم وبدون طلاق من غير مبالاة أو تفكير في شرف أو عرض أو كرامة .
ولأن مثل هذه الانحرافات مخالفة للفطرة السوية التي فطرنا الله عليها فقد ثار عليها الكثير من الرجال والنساء على حد سواء وطالبوا بجعل الطلاق مباحا بين الزوجين وثاروا على الكنيسة التي تفرض عليهم الزواج الأبدي والكثير منهم عزف عن الزواج واستمر في علاقاته غير الشرعية خوفا من أن يرتبط بصورة أبدية مع شريك آخر يكتشف بعدها أن الحياة بينهما لا يمكن أن تستمر ففي بعض الإحصائيات المنشورة على شبكة الإنترنت أنه ما بين 50 إلى 70 % من الرجال الأمريكان يخونون زوجاتهم على فراش الزوجية و 32 % من الزوجات يخن أزواجهن..
كما أن 70 % من الشابات الفرنسيات يعشن وحيدات ونقصت أعداد المتزوجات زواجاً شرعياً بمقدار (68000) ألف امرأة، وأصبحت نسبة الولادة من الزنا في فرنسا20 % .
أما في الإسلام فحتى بعد الانفصال بين الزوجين وعلى الرغم مما يكون عليه حالهما إلا أنه لا ينسى في خضم هذه الأمور أن يوجه الرجال والنساء بلمحة رقيقة ألا ينسوا أو يهملوا الأيام الجميلة التي عاشوها سويا حتى وإن انفصلا فيقول - تعالى -: {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237].
إن القرآن يظل يلاحق هذه القلوب كي تصفو وترق وتخلو من كل شائبة، يلاحقها باستجاشة شعور التقوى، ويلاحقها باستجاشة شعور السماحة والتفضل، ويلاحقها باستجاشة شعور مراقبة الله ليسود التجمل والتفضل جو هذه العلاقة الزوجية ناجحة كانت أم خائبة، ولتبقي القلوب نقية موصولة بالله في كل حال خالصة صافية.
والله - سبحانه وتعالى - يجعل الإحسان والمعروف والتفضل حتى في حالة الانفصال عبادة لله مثلها مثل الصلاة وسائر العبادات، وهو إيحاء لطيف من إيحاءات القرآن، وهو يتسق مع القصور التصور الإسلامي لغاية الوجود الإنساني في قوله - تعالى -: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذريات: 56] واعتبار العبادة غير مقصورة على الشعائر بل شاملة لكل نشاط، الاتجاه فيه إلى الله والغاية من طاعة الله، وذلك حتى في حالة انفصال عرى الزوجية.
4 /2/1429هـ
11-2-2008م