رمضان في ظل الاحتلالات
يأتي شهر رمضان المبارك، ولا تزال بعض بلادنا الإسلامية ترزح تحت نير الاحتلال الغاصب الظالم.
وقد قامت مجلَّة البيان عبر مراسليها في فلسطين والعراق برصد الأوضاع في هذين البلدين المحتلين، وكيفية تعايش الناس مع هذا الشهر، وأوضاعهم الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والمعيشيَّة، لنستشعر معاناتهم من خلال ما يواجهون من العدو في هذا الشهر الكريم، ونلهج لهم بالدعاء بأن يفرج الله كربهم، ويمدهم بمدده ويمحق عدوهم، ويحرر أرضهم. وفيما يلي حديث مراسلينا واستطلاعهما لأحوال هذين البلدين.
نحن الآن مع حديث مراسلنا في العراق عبد الله علوان البدري ليتحدث لنا عن مأساة أهلنا في العراق في ظروف الاحتلال في شهر رمضان المبارك.
• رمضان في العراق.. صبر ومصابرة:
كل الأيام في العراق متشابهة.. فلا جديد يسمعه العراقيون في أخبارهم أو يتناقلونه في مجالسهم غير لون واحد.. وطعم واحد.. وعذابات لا يختلف بعضها عن بعض: موت وقتل وتشريد، وتفجير وفتن.. أنواع من العذاب وامتحان مستمر للإيمان وصبر ومصابرة؛ فما من بيت إلا ونُكب كله أو بعضه.. وأهل السنَّة في العراق أخص من غيرهم بالمأساة، حيث تشتعل مدنهم بلهيب المعارك، ويتخطفهم الموت، وتموج بهم الفتن، وتسوء حياتهم يوماً بعد يوم... فكل أيامهم شاقة صعبة، نقص في الأموال والأنفس والثمرات، وحرمان من الخدمات العامة وأبسط متطلبات الحياة المدنية، أربعة أعوام كلها أحزان.
لكن رمضان في العراق يبقى الشهر الذي ميزه الله في قلوب المسلمين.. شهر صيام وقيام وطاعة.. ويبقى رمضان في العراق برغم كل هذه الفتن والمحن ذاك الشهر الذي تتطلع إليه نفوس المسلمين راغبة فرحة بشهر التوبة والمغفرة مهما كان الظرف وأياً كانت الأحوال التي يعيشها الناس، فهو شهر من كل عام؛ فكيف إذا كان كل العام موتاً، وقد ودع كل مسلم في تلك البلاد في هذا العام أحباباً وأصحاباً، ورأى الموت مراراً وتكراراً، وأحسه ووجد طعمه ومرارته.
ومنذ أربعة أعوام اعتاد المسلمون في العراق أن يصوموا رمضان في خصوصية حالهم هذه، وتكيفوا لاستقباله برغم كل أنواع الأذى الذي يحيط بهم من حولهم، من عدوان المحتل وأعوانه حكومة وميليشيات.. وانقطاع الخدمات العامة أو شحتها كالكهرباء والماء الصالح للشرب (وربما غير الصالح)، وقلة الوقود وغلائه، وضيق العيش وشظفه...
• رمضان في الأعظمية:
ولاستطلاع أحوال المسلمين في رمضان كانت أولى محطاتنا مدينة الأعظمية الصابرة.. قلب أهل السنة في بغداد وحصنهم في جانب الرصافة منها، كان دخول المدينة المحاصرة كاقتحام جبهة قتال أو دونه بقليل؛ فالجسر الذي يربطها بكرخ المدينة السني مليء بجنود يتعاملون مع الداخل إليها أسوأ معاملة.. أما باقي حدود المدينة (الذي استحال علينا مشاهدته) لكونه محاطاً بسور كبير ومخارج كلها قلاع حرب ومتاريس لا يسمح إلا في اثنتين منها بحركة أهل المدينة، بل هي مداخل ومخارج عسكرية تنفذ منها الميليشيات الشيعية الحاقدة كلما وجدت فرصة أمامها.
التقينا الشيخ أبو البراء إمام مسجد أنيس في شارع عشرين الذي سألناه عن رمضان فتحدث كثيراً عن الأعظمية التي يعشقها أهلها وينظمون فيها القصائد.. وأنها مدينة العلماء والدعاة والحفظة، وفصّل لنا حال أهالي الأعظمية وموعدهم اليومي مع القتل العشوائي على يد القناصين المنتشرين في كل جوانب المدينة من الأميركان والحرس الوطني، أو الخطف الذي يتعرضون له بحجة الاعتقال فينتهي بين أيدي ميليشيات تسلخ جلود الناس وتحرقهم أحياء وتنتهك الأعراض والحرمات. ووصف المدينة كأنها قصر رئاسي لا يمر المار فيه إلا ويطلب الحرس منه إبراز هويته، وكلما سنحت لهؤلاء الحرس فرصة اختطفوا بعض الشباب فحولوهم إلى الأسر أو مقرات الميليشيات؛ حتى صار أهالي المدينة يخافون على بناتهم، فأقعدت معظم الأسر الفتيات عن الجامعات والتعلم في المدارس، وهاجر معظم أهل المدينة التي يكثر فيها اليوم باقي مهجري أهل السنة من الفقراء والمعوزين الذين تم تهجيرهم قسراً على يد الميليشيات والقوات الحكومية من مختلف مناطق بغداد فلجؤوا إليها لا يملكون شيئاً. أما أغنياء الأعظمية فقد هجروها بل غادر معظمهم العراق إلى الدول المجاورة.
وعن رمضان يقول الشيخ أبو البراء: «تعودنا مداهمة مساجدنا وعبث الجنود بمحتوياتها، والإساءة لنا ولديننا ومقدساتنا، وتستمر الاعتداءات على المساجد ما دمنا في صلاة التراويح، وقد اعتدت أن أصلي بالناس ما شاء الله أن أصلي فأطيل في ركعة ما ييسر الله لنا، وأختصر أخرى عندما يبدأ إطلاق النار، فأسمع فزع النساء والأطفال، وأعلم أن قلوب الناس انصرفت إلى بيوتهم كل يخشى أن ينال الهجوم بيته وعياله».
ويضيف: «لقد كنا نشغل المسلمين في رمضان بأمور عديدة نربطهم من خلالها بالمسجد كالمسابقات الرمضانية التي تحتوي أسئلة عن الدين ومحاضرات تعينهم على تعلم دينهم وخاصة حديثي الهداية، لكننا في الأعوام الماضية تردت أحوالنا، ولا زالت تتردى حتى لو أننا استطعنا هذا العام، وبعد انتشار القوات في كل مكان، من أداء صلاة التراويح أصلاً فسنكون بخير، ونخشى أن لا يسمح لنا بتأدية التراويح أصلاً».
أما عن معونات رمضان فيقول «لقد قدمنا في أشهر رمضان التي انقضت الكثير من العون المادي والطعام للأسر الفقيرة والمهجرة؛ فلدينا أعداد كبيرة من الأرامل والأيتام والعجزة والمعاقين والفقراء، وتفاقمت البطالة في المدينة بسبب خشية الناس الخروج إلى أعمالهم خارجها لكثرة حوادث اختطافهم وقتلهم وفقدانهم؛ فما من بيت إلا وفيه مصاب، ونخشى فعلاً في رمضاننا هذا أن لا نستطيع شيئاً تجاه فقراء المدينة الذين ينتظرون رمضان ليطعموا فيه ويدخروا من عطايا أهل الخير لأشهر بعده، لكنهم ربما لن يجدوا شيئاً هذا العام؛ فحتى هذه الساعة لم ترد إلينا أي تأكيدات عن جمعيات وأثرياء كانوا يقدمون الخير ويفطرون الصائمين؛ فقد أُغلقت منافذ المدينة وهاجر أغلب المتمكنين من الهجرة منها؛ فكثير منهم تسلطت عليه عصابات الخطف والسلب أو اعتقل من قِبَل الحكومة، حتى بعض خيرة الشباب الذين كنا نعتمد عليهم في القيام بمشروع إفطار الصائم وتوزيع بعض المشتقات النفطية والمال والطعام وملابس العيد هم اليوم ما بين أسير ومفقود؛ فأغلب شباب المساجد تم اعتقالهم في الشهر الأخير عندما اقتحمت المدينة قوات كبيرة واستقرت فيها حتى الآن ولا يظهر أن لها نية للخروج منها.. وحسبنا الله ونعم الوكيل» وودعنا الشيخ بالدعاء.. ثم قال: «ادعوا لنا! ادعوا لمن في الأعظمية؛ فنحن في شدة».
ثم انتقلنا إلى جامع صالح أفندي والتقينا إمامه وهو الداعية السلفي الشيخ محمود الأعظمي الذي رحب بنا بابتسامته التي عُرف بها ثم استقام في جلسته وتحدث وكأنه يعظنا موعظة فقال: «يود أحدكم يوم القيامة لو أن كل السنة كانت رمضان، فشهر رمضان أصبح في بلدنا المحتل وظروفه الصعبة جهاداً للذي يصومه ويتقرب به إلى الله؛ حيث يعاني المسلم الآن ابتلاء الاحتلال ويعاني ابتلاء الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس، حيث كنا سابقاً نستقبل رمضان بالعبادات وصلاة التراويح في المساجد لوجود الأمان. أما الآن وفي هذا الوقت بالذات فلا يوجد أمان لا في المساجد ولا في البيوت ولا في الأسواق، وترى كثرة المصائب بالموت والقتل؛ حيث نحزن على إخوان لنا هم اليوم تحت التراب، وقسم كبير منهم في المعتقلات، وقسم آخر لا يعرف مصيرهم؛ فهذه الأمور تضعف معنويات بعض الناس في هذا الشهر المبارك؛ وذلك لعدم وجود الأمن كي تؤدى الفرائض بالصورة الصحيحة؛ فقد ذكر الله ـ - تعالى -ـ البيت الحرام فقال: {وَإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْـمَصِيرُ} [البقرة: 126]. نعم! بلد آمن لإقامة العبادات فيه بالصورة الصحيحة؛ فأين الأمن في بلادنا؟ كنا في السابق نأتي لصلاة التهجد في منتصف الليل ولاسيما في العشر الأواخر من هذا الشهر في ساعات متأخرة من الليل؛ فمن يأتي الآن؟
ولا بد لنا من ذكر غلاء الأسعار في الأسواق وكثرة البطالة بين المسلمين مما يؤثر على عباداتهم في المساجد، ولكن أملنا بالله أن يفرج عن المسلمين وأن يفرج عن هذا البلد كربه. إن دولة الباطل ساعة، وإن دولة الحق إلى قيام الساعة، وإن الله ناصر هذا الدين العظيم، وستعود بإذن الله هذه الأيام المباركة التي اختارها رب العزة ـ- تبارك وتعالى -ـ لنا والمسـلمون يمـلؤون المسـاجد كما بشر الصادق المصدوق؛ إذ قال: «ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين». اللهم فرج عن المسلمين يا رب، وبلغنا رمضان».
وفي الجامعة الإسلامية كان الحال أسوأ، وعامة الأساتذة يرفضون التصريح بأسمائهم لأي وسيلة إعلامية، وكان بادياً على الجميع القلق وعدم الاستقرار؛ حتى التقينا بإحدى موظفات الجامعة وهي أم عمر العاني وكانت تحمل رضيعها على كتفها بينما كان الحر شديداً وقد تعطل مولد الكهرباء الخاص بالجامعة، وكان الصغير يتعرق بشكل ملفت للنظر وقد بدا على أمه الألم والحسرة، فقالت: «في الواقع إن رمضان الآتي يختلف عن بقية السنوات والله أعلم؛ حيث التضييق على الناس وغلاء الأسعار والشد العصبي وقلة الموارد وكثرة المصائب والمشاكل؛ فهذا وغيره لن يترك لنا مجالاً لأن نستقبل هذا الشهر بما يجب علينا من التفرغ للعبادة والطاعة وكسب الحسنات، ولكننا حتماً سنصوم، وسنؤدي الواجب بإذن الله، لكن هل نستطيع أن نقوم الليل؟ أن نتصدق؟ أن نختم كتاب الله؟ أن نصلي التراويح؟ » لم تكمل كلماتها وقد التفتت إلى الصغير ترش على وجهه بعض الماء، ثم قالت: «أنا أسكن قرب مسجد صالح أفندي في حي السفينة في الأعظمية، لن تتصوروا الرعب الذي أعيشه عندما يكون زوجي في المسجد وأعلم أن الحرس داهموا المسجد، وهذا الهاتف النقال (وأخرجت من حقيبتها هاتفاً صغيراً متواضعاً جداً) نستعمله أنا وزوجي عدة مرات يومياً مع كل انفجار أو إطلاق نار ليطمئن أحدنا على الآخر، وكذلك أهلي وأهله، برغم أن ذلك يؤثر في حياتنا لقلة دخولنا المادية، ولكننا والحمد لله تعودنا وصرنا أقوياء بقوة الله. أنا لم أكن أستطيع ما أستطيعه اليوم قبل سنوات، ولم أكن بحاجة للعمل، لكني أحمد الله صباح مساء، وبإذن الله سأصوم رمضان وسأصلي في المسجد التراويح إن استطعت؛ فإن شق الأمر فصلاة البيت تكفيني عند الله الكريم المنان».
تركنا الأعظمية وقلوبنا مليئة بالحزن والأسى على تلك المدينة التي اختلف حالها خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة إلى درجة كبيرة تؤكد أن كل ما تعلنه الحكومة العراقية والقوات الأميركية مـن تحسـن الأحوال وضـمور حركـة الميليـشيات لا حقيقة وراءه؛ فإن حال أهل السنة ينتقل من سيئ إلى أسوأ؛ فالفارق شر، والمقصود باختفاء الميليشيات هو اختفاؤها خلف ستار قوات الأمن لا أكثر.
• إلى (الكرخ) في بغداد:
انتقلنا إلى الجانب الثاني من بغداد (الكرخ) الذي تسكنه غالبية سنية مطلقة، وتوجهنا إلى سلسلة من نقاط التفتيش كان آخر ما يمكن أن نقدمه من هوياتنا بطاقة الصحافة؛ فالصحافي السني هدف لكل دوريات الميليشيات وأعوانهم، وبرغم تجاوزنا معظم نقاط التفتيش لم نتمكن من دخول المدينة الفسيحة التي تشكل إحدى بوابات بغداد، لإغلاق منافذ المدينة من قِبَل قوات الاحتلال والحرس الوطني ومغاوير الداخلية وأصناف لا تحصى من قوات الأمن والشرطة.
وكان لا بد أن نلتقي بأئمة مساجد المدينة وهي سبعة مساجد معروفة، ومشهور أئمة بعضها، فالتقينا الأول في مهجره الذي هاجر إليه على أطراف المدينة حديثاً بعد أن اضطر وبعض أئمة المساجد لترك المنطقة، لكن الشيخ كان شديد الحزن ولم يستجب لشيء وأصر على أن وضعه الأمني لا يسمح له بالحديث عن العامرية. والله المستعان.
ثم وصلنا إلى الشيخ وليد العزاوي إمام وخطيب جامع الفردوس المسمى جامع التكريتي في العامرية والذي يسكن الآن خارج العامرية في منزل فيه غرفة واحدة فيها أهله وأطفاله الستة، فواعدناه في مكان آخر في وقت آخر، وكان اجتماعنا به صعباً للغاية.. حتى تحقق اللقاء.
لقد خرج الشيخ بأسرته من حصار مرير وأيام صعبة تحوَّل فيها المسجد إلى ثكنة عسكرية، وسقط تحت يد قوات الاحتلال وأعوانهم يعبثون فيه كيفما شاؤوا، وقد قُتل من مصلي المسجد في العمليات الأخيرة التي جرت هناك وجرح الكثير. لكن موضوعنا رمضان، فانطلق يحدثنا عنه فقال: «لا شك أن أول رمضان أعقب احتلال العراق كان له حال مختلف؛ فهو أول رمضان في ظل الاحتلال، فكان الحزن كبيراً وعظيماً ونحن ننظر إلى المحتل يجوب شوارع وأزقة بغداد، فلا نستطيع التحرك والانتقال إلى مناطق ومساجد أخرى كما كنا ننتقل من مسجد إلى مسجد نقدم الدروس والمواعظ، ونلتقي بالناس في البيوت والشوارع، ونقيم مآدب الإفطار والندوات.
إلا أن اللطيف في الأمر أن المساجد كثر روادها عن السابق بسبب الظرف القائم؛ فقد التجأ الناس إلى بيوت الله يدعون الله أن ينصر عباده المجاهدين، وأن يدمر المحتلين، فكان للدعاء في ليالي رمضان طعم خاص وفيه نشوة ولذة وخاصة حينما ندعو للمجاهدين بالنصر والثبات، وندعو للأسرى والمعتقلين؛ ففي كل بيت كان هناك أسير أو معتقل.. وكان للمسجد في رمضان دور خاص في هذه الظروف حيث كان الملتقى الوحيد للناس بعدما توقفت الأعمال والوظائف بسبب حظر التجوال اليومي من الليل إلى الفجر فلا مؤنس سوى المسجد؛ فلذلك كثفنا الجهود في إعطاء المحاضرات والدروس والمسابقات القرآنية والفقهية، وكان إقبال الناس كبيراً، وكان لأهل الخير والإحسان من جمعيات محلية وعربية ومن أهل الخير هنا دور كبير في نشر البسمة وتفريح وإسعاد الناس في رمضان من خلال تقديم وجبات الإفطار اليومية والمتكررة في المساجد وإعالة المحتاجين والمنكوبين، فكان في كل يوم مأدبة إفطار رائعة يجتمع الناس إليها.
ومع أن التيار الكهربائي كان منقطعاً باستمرار إلا أن الناس كانوا لا يتركون بيت الله من غير إنارة؛ فالكل يسعى لإنارة المسجد والترتيب من أجل إقامة صلاة التراويح وقيام الليل، وقد استطعنا بفضل الله ختم القرآن الكريم في صلاة التراويح في كل رمضان، ولا ننسى أن ندعو لكل من ساعدنا بالختمة الثانية للشيخ موفق الدوري الذي استشهد بعد رمضان برصاص المحتل، وكذلك الشيخ عدنان المشهداني الذي ساعدني في الختمة الثالثة في رمضان الثالث والذي لا يزال معتقلاً لدى الحكومة الصفوية، فكان الناس ومنهم كبار السن يتحملون الوقوف طويلاً لإكمال الختمة. أما في العشر الأواخر فكانت من أجمل الليالي؛ فالناس وبالرغم من الخوف وحظر التجوال إلا أنهم رجالاً ونساء لم يتركوا قيام هذه الليالي العشر وخاصة أننا كنا نتم القرآن في العشرين الأولى، ثم نتمه مرة ثانية في العشر الأواخر، وفي كل ليلة كان هناك سحور جماعي وتوزيع الفواكه والحلويات ونقيم الليل حتى الفجر على أصوات الطائرات والدبابات، وفي ليلة 27 من رمضان الثالث بعد الحرب داهمت قوات الاحتلال المسجد وكسروا الإنارة والشبابيك، وقاموا باعتقال بعض أفراد المنطقة مع أصوات السيارات والقنابل الصوتية، كل ذلك لم يجعلنا نترك قيام ليلة القدر بعد خروجهم من المسجد، ولقد حفظ الله جميع المصلين تلك الليلة وكأنهم لم يروهم، فكانت حادثة تداولها الناس كثيراً في كرامة من الله لعباده القائمين، فكانت العشر الأواخر بين شدة الخوف واللجوء إلى الله وبين الخوف من المداهمات والاعتقالات الليلية حيث يقوم منا في كل ركعتين حارسان، وهكذا يتناوب المصلون الحراسة كي ينذرونا إذا اقتربت من المسجد قوات عسكرية، وفي بعض الليالي لا نستطيع أن نصلي أو نقيم إذا ما حدثت مواجهات مسلحة، فكان رمضان في ظل الاحتلال موسماً عظيماً للتائبين والعائدين إلى الله والنادمين، وكذلك مدرسة كبيرة تخرج خلالها المجاهدون والأبطال الذين استجابوا للدروس والخطب التي تذكِّرهم بالانتصارات التي وقعت للمسلمين في رمضان».
ومن حي القاهرة المنكوب من قِبَل ميليشيات جيش المهدي التي اقتحمته مرات عديدة مباشرة أو عن طريق وجودها ضمن قوات مغاوير الداخلية والشرطة والجيش.
التقينا بأحمد العاني وهو أحد رواد المساجد من حي القاهرة من مصلي جامع المثنى هناك، والذي تحدث فقال: «قبل بضعة أشهر هوجم الجامع من قِبَل المليشيات فقُتل عدد من المصلين، وكان من ضمنهم الأستاذ خالد الغواص، أعقب ذلك هجوم أُغلق فيه المسجد؛ لأننا لم نتمكن من الخروج للدفاع عن مسجدنا بسبب وجود قوات حكومية قامت بحماية الميليشيات ووفرت لها الأمان حتى انتهت من تخـريـبها المسجد وإغلاقه، وليس لدينا الآن مسجد قريب ولا نسمع الأذان منذ نحو عام كامل إلا عندما نغادر المنطقة؛ فقد أُغلقت كل المساجد القريبة.
لا أدري كيف نفعل هذا العام؟ كيف نصلي التراويح؟ وكيف سيكون رمضان بغير مسجد؟ أنا أفكر في الذهاب إلى عشيرتي في القائم في محافظة الأنبار لقضاء رمضان هناك».
هكذا حال أهل السنة في رمضان: ابتلاءات كثيرة تقابلها قوة وعزم، ونية جازمة على الاستمرار في طاعة الله، والمضي في طلب رضاه، صبر على المحن، ومصابرة في ساح الوغى، وأمل لا ينقطع برحمة الله. قال ـ - تعالى -ـ: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْـجَنَّةَ وَلَـمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].
فإلى مراسلنا نائل نخلة في فلسطين وحديثه عن أوضاع الناس في هذا الشهر الكريم:
• ظلام الاحتلال في فلسطين... تنيره أفئدة المؤمنين في رمضان:
رمضان فلسطين يختلف عن أي رمضان في أي دولة إسلامية أو عربية ليس في عدد أيامه أو الامتناع عن الشراب والطعام طوال النهار، بل في أجوائه ومظاهره.
وكما يقول خبراء الاقتصاد والسوق فإن الأسرة المسلمة يزيد من مصاريفها في أيام شهر رمضان التحضير لموائد الإفطار والسحور التي تكون عادة زاخرة بأنواع شتى من الطعام والشراب ليسد رمق الصائمين وخاصة الأطفال؛ فما حـال الأـسرة الفلسـطينية التي تـرزح تحت الاحتلال منذ 40 عاماً، حتى وصل دخل الفرد هنا إلى أقل من دولارين في اليوم؟.
رئيـس جمعـية حماية المستهلك الفلسطينية في مدينة رام الله (ماهر الدسوقي) قال: إن أوضاع الأسرة الفلسطينية بشكل عام وليس فقط خلال شهر رمضان الحالي أضحت صعبة جداً، لدرجة أن هناك أسراً فلسطيـنية لم يعد لديـها أي مصـدر دخـل على الإطـلاق منذ سنوات، تعتمد فقط على ما يقدم لها من مساعدات طارئة من قِبَل جمعيات خيرية أو دولية.
إن 64% من الأسر الفلسطينية صارت اليوم تحت خط الفقر، مقابل 25% عام 1998، وارتفعت هذه النسبة اليوم لتصل إلى 70 %، بسبب الحصار الخانق، والإجراءات المشددة التي يفرضها جيش الاحتلال على الأراضي المحتلة منذ 6 سنوات؛ إذ منع أكثر من مائتي ألف عامل فلسطيني من الالتحاق بأعمالهم في فلسطين المحتلة عام 1948، مما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة والفقر التي زادت عن 36 %، بسبب منع الدولة العبرية العمال الفلسطينيين من العمل في مصانعها، وكذلك فصل عشرات الآلاف من العمال من المصانع المحلية، بعد أن أغلق المئات منها أبوابها، لعدم توفر المواد الخام، أو لقيام سلطات الاحتلال بمنع منتجات هذه المصانع من الدخول إلى أسواق المدن الفلسطينية الأخرى، أو تصدير منتجاتها إلى الخارج، وكذلك بسبب تضاؤل القدرة الشرائية للمواطن الفلسطيني.
• المعاناة في بيت أسيرة:
يتمـتع هـذا الشـهر في العالم الإسلامي بمـيزة هـامـة للغاية تتمثل في لمِّ شمل الأسر المسلمة على مائدة واحدة؛ فالأسر الممتدة التي شتتتها الدنيا وهمومها تجتمع في رمضان، ويجاور الأب ابنه والأخ أخاه على مائدة واحدة، في جو أسري رائع قلَّ نظيره عند كثير من شعوب العالم؛ فماذا نقول عن فلسطين التي مزق الاحتلال أوصال أسرها؟ فأما الأب فغالباً يكون في السجن أو الابن أو حتى الأم ترزح قسراً خلف قضبان السجون، وما حال تلك العائلة التي فقدت ابنها أو معيلها فاخـتاره الله شهيداً في الدنيا على يد قناص صهيوني حاقـد احتـرف القـتل، أو جـندي صهـيوني حاقـد تربصه على حاجز عسكري؟ نذكر هنا آخر إحصائية لعدد الشهداء ـ نحسبهم كذلك والله حسيبهم ـ الذين قضوا خلال انتفاضة الأقصى الأخيرة حيث بلغوا 5000 شهيد، كما تعتقل الدولة الصهيونية نحو 12 ألف فلسطيني، عشرات منهم أمضى ربع قرن في السجن.
في بيت الأسيرة ندى الجيوسي «أم عبيدة» اختفت مظاهر الاستعداد لشهر رمضان الكريم عن أطفالها التسعة، الذين نسوا حتى الفرحة بقرب الصوم كما كانوا يفعلون سابقاً، والسبب غياب والدتهم قسراً خلف القضبان.
انتُزعت أم عبيدة من بين أطفالها وزوجها بقوة السلاح قبل شهرين ونُقلت للتحقيق العنيف في زنازين مظلمة وموحشة، والتهمة توزيع الإعانات والمساعدات على الأسر الفقيرة والمحتاجة تحت ذريعة أنها تموِّل الإرهاب.
زوج الأسيرة ندى أبو عبيدة، قال إن المرأة تستطيع القيام بدور مركزي في البيت، وتستطيع تعويض دور الرجل والاهتمام بالأطفال، وتوفير العطف والحنان لهم، وذلك ما حصل فعلياً مع عائلته حيث قال: «عندما سُجِنْتُ لمدة ثلاث سنوات ونصف متنقلاً بين معتقلات الاحتلال، كانت زوجتي أم عبيدة قادرة على تعويض نقص الأب وإدارة المنزل طيلة فترة غيابي، أما أنا فرغم قصر المدة التي قضتها زوجتي حتى اليوم في الأسر فأعاني من صعوبة تلبية واجبات البيت، وأكثر ما يؤلمني عدم قدرتي على تعويض حنان الأم.
الحسرة والألم في عيون أطفالي الثلاثة الذين هم دون السادسة، فهم بحاجة لرعاية والدتهم، ودائمو السؤال عنها وعن موعد عودتها إلى المنزل، وهذا ما يحرجني لعدم معرفتي بالجواب الشافي لسؤالهم، ولكم أن تتخيلوا مائدة الإفطار بدون أم عبيدة! ».
• موائد رمضانية على الحواجز:
في الأردن أو مصر أو أي بلد عربي أو إسلامي يسافر المواطن من مدينة إلى مدينة ويقطع مئات الأميال ليصل من عمله إلى بيته قبيل الإفطار بساعات أو لحظات، ليشارك الأسرة لحظات انتظار الإفطار التي تكون عادة أوقاتاً للدعاء أو الاستغفار؛ فكيف هو الحال في بلد قطعت أوصاله بأكثر من 700 حاجز عسكري في مدنه ومخيماته وقراه وحتى حاراته وضواحيه، حاجز عطارة مثلاً، يقطع الطريق الواصل بين مدينة رام الله وأكثر من 40 قرية في الريف، يسأل الجندي العائدين إلى بيوتهم بعد يوم طويل من العمل في شهر الصيام: هل أنتم صائمون؟ يجيبه الفلسطيني: نعم! فيرد عليهم: إذن! عليكم الانتظار، وتمر الدقائق ثم الساعات قبل أن يسمح للآلاف بالمرور، وفقط عندما يصدح المؤذن معلناً انتهاء نهار الصوم، يقول الجندي: بإمكانكم الآن المرور؛ فمنهم من يصل إلى بيته بعد الإفطار بنصف ساعة، وأغلبهم يصل بعد ذلك بساعات.
وعادة ما تتحول الحواجز إلى موائد إفطار متنقلة وسريعة لمئات الصائمين العائدين إلى بيوتهم بعد يوم عمل شاق في مختلف مدن الضفة الغربية.
يقول بلال كسواني وهو صحفي فلسطيني من قرية بيت اكسا القريبة من القدس إنه كان شاهداً على عشرات الحالات التي تعمَّد فيها جنود الاحتلال تأخير مئات المواطنين حتى أذان المغرب.
ويتابع كسواني: «كان بعض الشبان يُحضِر معه تمراً وماءً ويوزع على الصائمين في طوابير الانتظار على الحواجز، ويتبرع بعضهم بما يحمل بين يديه من شراب أو عصائر أو حلويات اشتراها لأطفاله».
• ومع هذه الصعوبات فإنَّ لذلك لذَّة:
ولكن بالرغم مما سبق ذِكره، فإن لشهر رمضان في فلسطـين مـتعة وأي مـتـعة، وإن للصـوم هـنا لذة ليس بعدها لذة.
انظروا إلى مساجد فلسطين، من غزة مروراً برام الله والقدس ثم الخليل، من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، باتت هذه المساجد تعج بالمصلين.
مساجد فلسطين نلاحظ زيادة عدد المُصلين فيها خاصةً في صلاة الفجر وصلاة العشاء؛ فالملاحظ في السنوات القليلة الماضية هو زيادة ملحوظة في عدد المصلين، بل إن المصلين لا يبارحون المسجد بعد انتهاء صلاة العصر بانتـظار صـلاة المغرب، وفي هذه الفترة يغتنم أحد الدعاة أو الأئمة وجود هذا العدد من المصلين ليلقي درساً في أمر ما من أمور العقيدة ليذكِّر الناس بأركان عقيدتنا الإسلامية التي انشغل عنها بعضنا بالدنيا.
وقد جرت الحال في مساجد فلسطين اليوم أن تكون هناك أربعة دروس يومية في كل مسجد من مساجدها في شهر رمضان المبارك، حيث تبدأ أول هذه الدروس عقب صلاة الفجر مباشرة، وهناك درس مخصص للنساء عقب صلاة الظهر، ودرس عقب صلاة العصر، ومواعظ قصيرة ومترابطة بين كل أربع ركعات تراويح.
يقول رئيس رابطة علماء فلسطين الدكتور مروان أبو راس: إن المميز في رمضان هو استعداد جميع المساجد من خلال التنسيق مع الوعاظ والعلماء بإلقاء الدروس والتوعية الدينية والكلمة الطيبة، وتكون جميع مساجد فلسطين تعج بالمصلين والعلماء والخطباء يعلِّمون الناس أمور دينهم؛ حيث تكثر الأسئلة الفقهية والمتعلقة بأحكام الصيام، وقد قررنا هذا العام أن نؤسس لشيء جديد اسمه (الهاتف الدعوي) حيث نشرنا أرقام هواتفنا في جميع مساجد القطاع.
ويتابع الدكتور أبو راس: «في هذا الشهر المبارك تكثر موائد الإفطار التي توزع على الأسر الفقيرة والمحتاجة، حيث تصلهم إلى بيوتهم، وهناك الآلاف من موائد الإفطار تقام سنوياً في المساجد والساحات العامة، وأضاف «في قطاع غزة لا أبالغ إن قلت إن بعض الأسر لا تُعِدُّ الطعام يوماً واحداً في بيتها في رمضان من كثرة الإفطارات الجماعية والتي تصلها من أهل الخير».
المواطن محمد ياسين من مدينة غزة يرى أن الحصار والتجويع الذي يُفرض على الشعب الفلسطيني سيزيد من مساحة التراحم والتعاضد بيننا في شهر رمضان الفضيل.
ويتابع: «هذا الحصار ليس الأول على الشعب الفلسطيني ولن يكون الأخير، وكما واجهنا غيره سنواجه كل شيء بمزيد من التعاطف والتقارب والتراحم بيننا، وسيكون لأهل الخير الفرص الكبيرة لتقديم صدقاتهم من جميع بقاع الأرض».
فحياة الناس تتغير في رمضان، وجُلُّ القلوب تتوجه إلى الله ـ - سبحانه وتعالى - ـ فتســتمع على الـدوام إلى القرآن أو المواعظ في المساجد، وتخصص الكثير من الإذاعات المحلية موجات بثها للدروس والمواعظ، وتكثر موائد الإفطار على أرواح الشهداء، ويتذكر الناس آلاف الأسرى الذين يقبعون في سجون الاحتلال بعيداً عن أسرهم وأطفالهم وزوجاتهم، فتجد الناس يلجئون إلى بيوت الله بحثاً عن الطمأنينة والراحة والتقرب إلى الله.
وبين رمضان مضى وآخر على الأبواب يتناسى الفلسطينيون جراحهم لينهلوا من بركات زائرهم الجديد متعالين على جراحهم وململمين ما تبقى بين أيديهم من أمتعة بعدما دُمِّرت منازلهم، لكن عيونهم ترنو إلى السماء تسأل المولى ـ - عز وجل - ـ أن تكون أيام الألم آخر أيام ألمهم، وأن يغير الله حالهم إلى أحسن حال...آمين!