الفقر ووهم عولمة التنمية

 د. مصطفى محمود عبد السلام(*)

 

لأول مرة في التاريخ صار الفقر ظاهرة مطلقة؛ حيث اعتُبِرت بلاد وأمم بأسرها فقيرة على أساس أن دخلها الإجمالي أقل بالمقارنة مع الدخل السائد في تلك الدول التي تسيطر على الاقتصاد العالمي! وهكذا أصبح الدخل القومي هو المعيار العالمي الجديد والرأسمالية الاقتصادية هي الحل المعلن للعلاج النهائي للفقر، وتوصلت جيوش من خبراء الفقر العالمي إلى العلاج بالتنمية من خلال زيادة الإنتاج والتطبيق المتزايد للعلم والمعرفة التقنية؛ فهي مفتاح الرخاء والسعادة.

وهكذا أُعيد تفسير وتقييم البعد المادي للفقر؛ حيث أدى تحطيم المجتمعات التقليدية، في سبيل ما يدعى بالاقتصاد القومي ثم الاقتصاد العالمي، إلى فصل الاقتصاد عن جذوره الاجتماعية والحضارية، ومن ثم خضع المجتمع لآليات وقواعد الاقتصاد وليس العكس. وقد خلق الاقتصاد العالمي منظومة من المرجعيات الكونية جعلت الفرد يدرك أنه فقير وفي حاجة إلى المساعدة؛ لأن متوسط دخله أقل من المستوى العالمي المعياري؛ ولأنه لا يعيش في رفاهية مثل بشر آخرين.

وأدى هذا التغيير في نظرة المرء لذاته إلى تغير في ردود الفعل تجاه الفقر؛ حيث أصبح البرنامج الجديد حلاً كونياً أحادي الاتجاه يعتمد على الدخل ولا علاقة له إطلاقاً بالثقافة ولا بالشخص، ولم يعد الفرد يلجأ إلى جذوره الثقافية وعلاقته الأسرية القديمة التي كانت تقدم الحلول البديلة الكلية للفقر، وبدلاً من ذلك سعى الأفراد إلى تجميع أنفسـهم في مؤسـسات متـماثلة مـثل النقابات والروابط؛ مما أدى إلى تنميط الأفراد في المجتمع، وإلغاء أي تفكير بديل يسعى إلى البحث عن طريق جديد للحياة والتنظيم الاجتماعي يعتمد على البساطة، أو أشكال تطوعية وأخلاقية من الفقر؛ الذي لا يمكن أحياناً تجاوزه لظروف هيكلية ودولية قبل أن تكون محلية.

وقد افترض الخبراء أن الفقراء غير قادرين على تحديد مصلحتـهم، والتي يحددها لهم من يمتلكون المعرفة والسلطة ـ الحكومات والمؤسسات والخبراء ـ عاملين على الارتقاء بهم. ومشاركة الجماهير تنحصر في تأييد البرامج التي وضعها (الخبراء). ويقدم الخبراء الحل البسيط للفقر: التنمية الاقتصادية ورفع مستوى الدخل، زاعمين إمكانية حل كل المشكلات الثقافية والاجتماعية المتعلقة بالفقر من خلال الاقتصاد وحده.

وقد عملت هذه الافتراضات والتوصيات على تقوية التدخل السلطوي؛ حيث صار الفقر العالمي معضلة أكبر من أن تُترك لتُحلَّ حلاً محلياً، وبذا سمحت بتدخل القوى الدولية ـ الحكومية والأهلية ـ باسم نشر السعادة والقضاء على الفقر.

وما حدث بصورة عالمية مجردة هو أنه تمت رؤية الحاجات المطلوبة والإصلاحات الضرورية والمؤسسات المقترحة بشكل نمطي ثابت، بغض النظر عن الاختلافات الاجتماعية والثقافية، وتم فرض تلك الرؤية عن طريق شروط برامج المساعدات الأجنبية.

وقد اختلفت النتائج الفعلية لهذه السياسات والبرامج، وآثارها على حياة الفقراء، اختلافاً بيّناً عمّا توقعه الخبراء والمتخصصون؛ حيث إن الحاجات التي تبغيها برامج التنمية هي حاجات نمط معين من الحياة يلعب فيه الاقتصاد دوراً مركزياً، حيث ثمة مفهوم خاص للفقر، وثمة فئة معينة من المستهلكين ودافعي الضرائب يجب حماية حقوقهم وامتيازاتهم. فشلت تلك السياسات على كل المستويات، ومن الواضح أن كل أنساق المساعدة ستخلق في النهاية مزيداً من الفقر.

ويحذر بعض الباحثين من المفاهيم التي تبدو إيجابية من الخارج مثل: الاقتصاد العالمي أو العالم الواحد، بينما هي تدعو في الواقع إلى إلغاء التعددية، وقبولِ أن الحل الوحيد الممـكن هو اتخـاذ الطريق الذي سار فيه الشمال الغني القوي السعيد.

إن النظرة الاقتصادية للحياة قد تؤدي لفترة معينة إلى زيادة ضخمة في إنتاج الأغراض والبضائع، أي تنمية الأشياء، لكنه واقعياً ـ بسبب الندرة الدائمة ـ يعاني الغني والفقير ـ على حد سواء ـ من عدم إمكانية الحصول على كل ما يريد؛ فقد اتضح لكثير من البشر أن الحاجات ليست مجرد وهْمٍ فقط، بل مصطلح يخلق الشَّره والجشع، ومن المستحيل أن يفي الاقتصاد بكل الحاجات يوماً ما.

قد ينتج الاقتصاد الكثير من البضائع والخدمات للوفاء بمنظومة معينة من الحاجات، بيد أنه على نطاق آخر يدمر مجالات بأكملها من مجالات النشاط الإنساني والحرف التقليدية والقطاعات الأهلية، ويحطم منظومة قيمية كاملة من الجماعية والتراحم، ومن ثم فإن تأثيره الإجمالي سلبي، بل ومدمر أحياناً، خاصة عندما لا يفي بوعوده. وفي الوقت ذاته يهدم أبنية التراحم والتكافل، فلا يجدها الفرد إذا أراد التراجــع والعــودة له، وربما يكون النموذج البارز لذلك هو ما حدث مع مؤسسات الوقف الإسلامية في العالم الإسلامي من مصادرة وتأميم.

ولا شك أن الرؤية الإسلامية التي تحترم الحاجات الأساسية المادية للإنسان وتفرض عليه السعي للرزق وعمارة الأرض، لكنها في الوقت ذاته تربطه برؤية غيبية للرزق والقدر، لا شك أن لديها الكثير في هذا الباب لتقدمه، خاصة مع تطوير وتفعيل فريضة الزكاة كأداة تنموية تتجاوز جمع وتوزيع الصدقات، وهذا مجال يحتاج تناولاً مستقلاً.

 

--------------------------------------------------------------------------------

(*)  باحث اقتصادي ـ بنك التمويل المصري السعودي.

 

http://www.albayan-magazine.com                     المصدر: