التضامن مع الأسرى بين تراخيص السلطة وقمع الاحتلال

الأستاذ فوزي برهوم*

 

يبدو أن كل ما تقوم به الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية أصبح غريباً وعجيباً، وكل ما تقوم به السلطة الفلسطينية التي تسيطر هي أيضاً على الأجهزة الأمنية أيضا أصبح غريباً وعجيباً، وتحديداً ما يتعلق بقضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

 

فالسؤال الذي يطرح نفسه وربما ليس بحاجة إلى إجابة- فالواقع والميدان خير دليل وخير شاهد- وهو هل بالفعل التنسيق الأمني مع الاحتلال يشمل ويمس بقضية الأسرى؟ وكيف يكون ذلك؟ وهل بالفعل اللجنة الأمنية العليا التي يترأسها سلام فياض وبمشاركه بلير وباراك أيضاً وضعت على سلم عملها وأجندتها قضية الأسرى؟ و ما هو نوع هذا الاهتمام؟ فأما ما يخص التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي فقد عشناه عملياً وواقعيا على الأرض منذ قدوم السلطة الفلسطينية..فالاحتلال يطلق سراح بعض الأسرى من حماس بعد انتهاء محكومياتهم، والسلطة تعتقلهم أو العكس تماما..السلطة تطلق سراح المعتقلين عندها والاحتلال مخيّر إما يعتقلهم أو يغتالهم، وما بيتونيا وأريحا وصوريف عنا ببعيد.

 

ولكن ما يحصل الآن في الضفة الغربية هو تنسيق امني دولي، خرج من طوره الثنائي إلى الترويكا الأمنية الفلسطينية الإسرائيلية الأوروبية، وربما تكون المرحلة الأخطر من نوعها على الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي؛ لأنه أصبح من الواضح تماما أن رئيس السلطة الفلسطينية وتوني بلير تجردوا من مهامهم السياسية والدبلوماسية والإنسانية، وأصبحت مهامهم أمنية صرفة، وهي حماية الاحتلال الإسرائيلي مع إعارة اهتمام بسيط لقضايا حياتية ويومية للشعب الفلسطيني.

 

 وفي اعتقادي أن ما قامت به أجهزة امن عباس وفياض من قمع المسيرة التضامنية في مدينة الخليل تضامناً مع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال بعد تعرضهم للقمع والتعذيب والقتل وحرق خيامهم وممتلكاتهم، يأتي في نفس سياق التنسيق الأمني الثلاثي، ولربما لحساسية قضية الأسرى لدى كافة أبناء شعبنا على اختلاف أطيافهم ومكوناتهم، حيث إنها محل إجماع فلسطيني وليس أغلبية بوجوب إغلاق ملفهم وإطلاق سراحهم جميعا دون تمييز هو ما حمل أبو مازن وفياض على إخفاء طبيعة هذا التنسيق ولربما لأنها سببت احراجات كثيرة لرئيس السلطة الفلسطينية وسلام فياض لتجاهل الاحتلال هذا الحق، بينما السلطة الفلسطينية برئيسها ماضية قدما هي أيضاً في عدم إعطاء قضية الأسرى جل اهتمامها، بل تناغمت مع عمليات ذر الرماد في العيون من خلال إطلاق سراح العشرات، واعتقال وتعذيب المئات، وعلى ما يبدو يجب أن يمكثوا تحت العذاب والقمع و الإذلال طويلاً وهم ينتظرون تضامناً من أهلهم وأمهاتهم وأبنائهم وشعبهم في الضفة الغربية، حتى يحصلوا على تراخيص من السلطة الفلسطينية، والأجهزة الأمنية مخيرة إما أن تجيز التضامن مع الأسرى أم لا، والجواب جاء على عجل عبر الرصاص الحي والمباشر على صدور المتضامنين مع الأسرى ومع عذابات الأسرى و مع قضية الأسرى.

 

 والواضح تماماً أن سقوط 250 أسيراً جرحى في سجن النقب الصحراوي واستشهاد احدهم وآخرين في حال الخطر لا ولن تحرك مشاعر رؤساء هذه الأجهزة؛ لأنهم هم من تسبب في اعتقال هؤلاء الأسرى أو معظم الأسرى عبر قنوات التنسيق الأمني، وإذن كيف يتحرك شعورهم وهم من يُسلمهم للاحتلال؟ إضافة إلى أن هناك عشرات الأسرى بل مئات من أبناء حماس في سجون السلطة يتعرضون لأبشع من ذلك بكثير، فيجب ألا نستغرب هذا الصمت ولا هذا التنسيق ولا هذا التناغم ولا هذا الموات الضميري عندهم، فكل شيء وكل أمر بدون ترخيص وبدون تصريح يجب أن يمارس ضد الشعب، أما إذا أراد الشعب أن يرفع رأسه ويدافع عن حقوقه وثوابته أو يفضح الاحتلال فهذا ممنوع على إطلاقه، ويحتاج إلى ترخيص وإلا الرصاص الحي والقمع مآل من يتضامن مع حقوق هذا الشعب.

 

 والأغرب والأعجب ما نسمعه من رئيس السلطة الفلسطينية في زياراته المكوكية للدول العربية والإسلامية والأوروبية والمنظمات الحقوقية، مناشدته لهم بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في قضاياه العادلة ولا أدري ما هي قضايا الشعب الفلسطيني العادلة في نظر السيد محمود عباس، وهل هناك قضايا عادلة وقضايا فلسطينية غير عادلة؟ إلا إذا كان الرئيس محمود عباس لا يعتبر قضية الأسرى قضية عادلة وبالتالي يمنع التعاطف أو التضامن معهم. يجب ألا نستغرب فهو أيضا لا يعتبر حق المقاومة ولا حق العودة من القضايا العادلة والرئيسة، فيا ترى ما هي القضايا الفلسطينية العادلة في نظر السيد محمود عباس إذا لم تكن ما ذكرت.

 

 فهل يا ترى سيأتي يوم يقوم فيه السيد محمود عباس بإجراء بتعديلات على حقوقنا وثوابتنا ضمن مصطلح مراجعات فكرية فيحدد ويوجد تفسيراً وتعريفاً جديداً بعنوان من هو الأسير الحقيقي ومن هو اللاجئ الحقيقي بعد أن حدد مفهوم المقاومة الفلسطينية بأنها عنف وإرهاب، والأصل فيها الاستسلام وهو الخيار الاستراتيجي لحل القضية الفلسطينية من وجهة نظر عباس، فهذا متوقع وليس غريبا، فهو عدّل على القانون والدستور ومفاهيم الحقوق، ونحن بانتظار التعديل من قبل محمود عباس على مسار الجدار بدل هدم الجدار.

انتظروا كل ذلك بعد مؤتمر الخريف و ما خفي كان أعظم.

 

----------------------------

 * الناطق باسم حركة المقاومة الإسلامية - حماس

 

27/10/2007

 

http://www.palestine-info.info                 المصدر: