اعرف ربك
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالكتاب المبين، الفارق بين الهدى والضلال، والغي والرشاد والشك واليقين.
وبعد:
فإن الله - تعالى -خلق العباد لعبادته وتوحيده، وحمده وتمجيده، وتوحيد الله - تعالى -نوعان:
1- نوع في العلم والاعتقاد؛ ومدار هذا التوحيد على إثبات صفات الكمال، وعلى نفي الشبيه والمثال، وتنزيه الرب - جل وعلا - عن العيوب والنقائص، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
وتوحيد الربوبية هو توحيد الله - تعالى -بأفعاله؛ فهو الخالق البارئ المصور، وهو المحيي المميت، وهو الرزاق ذو القوة المتين، إلى غير ذلك من أفعاله - جل وعلا - التي لا ند له فيها ولا شبيه ولا مثيل ولم يكن له كفوًا أحد.
2- التوحيد الطلبي القصدي الإرادي: (توحيد الألوهية) وهو توحيد الله بأفعال العباد، وأفعال العباد تتلخص في التوجه إلى الله وحده بالعبادة وعدم الشرك به، وهذا حق الله على عباده، فالدعاء والرجاء والخوف والخضوع والإنابة والاستغاثة والاستعانة، والاستعاذة به - سبحانه -، كل هذه الأفعال ينبغي أن يتوجه العبد بها إلى الله - تعالى -وحده،.
وفيما يخص توحيد العلم المتعلق بالأخبار والمعرفة بأسماء الله وصفاته وربوبيته؛ فإنه قد دل عليه شيئان: الأول: مجمل. الثاني: مفصل.
أولاً: فأما المجمل فإثبات الحمد له - سبحانه -،:
فمن ثبت له الحمد تضمن ذلك مدحه بصفات الكمال ونعوت الجلال، مع محبته والرضا عنه، والخضوع له، ولا يكون حامدًا من كان للصفات جاحدًا، وعن المحبة والخضوع مُعرضًا، ومهما حمد العبد ربه وأثنى عليه فإنه لا يحصي ثناءً عليه لكمال صفاته وكثرتها فلا يحصيها سواه - جل وعلا -،
ولهذا ذم الله - تعالى -آلهة الكفار وعابها بسلب أوصاف الكمال عنها، فهي لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم ولا تهدي ولا تنفع ولا تضر ولا تغني شيئًا.
ومن عجب أن تلك المثالب والعيوب وصفات النقص والعجز التي لحقت بآلهة الكفار، أراد الجهمية أن يجعلوها لله، فجحدوا صفات الله - تعالى -من سمع وبصر وغضب وفرح ونزول ومجيء زعمًا منهم وجهلاً أنهم بإنكارهم هذه الصفات ينزهون الله عن مشابهة خلقه، وكان عليهم أن يثبتوها لله - تعالى -كما أثبتها - تعالى -لنفسه، ثم ينزهوه عن مشابهة خَلْقه بما نزه به نفسه بقوله - تعالى -: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} «الشورى: 11»، وهذه الآية أثبتت لله - تعالى -السمع والبصر، ونفت أن يشبهه شيء في تلك الصفات، وعليه فكما قلنا آنفًا: كيف يكون حامدًا من كان لصفات الله جاحدًا؟
وقد قال - تعالى -حكاية عن خليله إبراهيم - عليه السلام - في محاجته لأبيه: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} «مريم: 42»، فلو كان إله إبراهيم بهذه الصفة لقال له أبوه آزر: وأنت إلهك كذلك لا يسمع ولا يبصر، فكيف تنكر عليَّ؟ لكن آزر - مع شركه - كان أعرف بالله من الجهمية، وكذلك كفار قريش مع شركهم أقروا بصفات الله - سبحانه - وبصنعته في خلقه وعلوه عليهم.
وقال - تعالى -: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} «الأعراف: 148»، فلو كان إله الخلق - سبحانه - كذلك لم يكن في هذا إنكار عليهم وعلى بطلان آلهتهم.
حجة داحضة
وقد يقول قائل: فالله - تعالى - لا يكلم عباده! والجواب: كلا، فإن الله كلمهم، فمنهم من كلمه من وراء حجاب كما كلم موسى - عليه السلام -، قال - تعالى -: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}«البقرة: 164»،
ومنهم من كلمه الله على لسان الملك جبريل - عليه السلام -، وهم الأنبياء، وكلم الله سائر الناس على ألسنة رسله، فأنزل عليهم كلامه في كتبه.
لكن المعطلة من الجهمية جعلوا جحد الصفات وتعطيلها توحيدًا، وجعلوا إثباتها لله - تعالى -تشبيهًا وتجسيمًا: «الكهف».
إذن فحمد الله - تعالى -على الإجمال دل على ما له من صفات الكمال ونعوت الجلال.
ومن الحمد على الإجمال أيضًا حمد الله - تعالى -لنفسه، قال - تعالى -: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: "111"]. {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} «الكهف: 1»، {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} «فاطر: 1».
وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي حمد الله - تعالى -فيها نفسه.
فحمد نفسه على عدم اتخاذه الولد، وهذا يتضمن كمال صمديته وغناه وملكه وتعبيد كل شيء له، فاتخاذ الولد ينافي ذلك، كما قال - تعالى -: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} «يونس: 68».
وحمد نفسه على عدم اتخاذ الشريك، وهذا يتضمن تفرده بالربوبية والألوهية، وتوحده بصفات الكمال التي لا يوصف بها غيره حتى يكون شريكًا له.
وحمد - سبحانه - نفسه بكونه لا يموت، وهذا يتضمن كمال حياته، وحمد نفسه بكونه لا تأخذه سنة ولا نوم وهذا يتضمن كمال قيوميته، وحمد نفسه بأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، لكمال علمه وإحاطته، وحمد نفسه بأنه لا يظلم أحدًا لكمال عدله وإحسانه، وحمد نفسه بأنه لا تدركه الأبصار فلا يُرى ولا يُدْرَك، ويعلم ولا يُحاط بشيء من علمه لكمال عظمته - سبحانه -، وهذا الحمد من الله - تعالى -لنفسه وكذلك ما سبق من حمد العبد لله - تعالى -دل على توحيد المعرفة وتوحيد الأسماء والصفات.
ثانيًا: فأما الشيء المفصل الذي دل على توحيد الأسماء والصفات فهو ما أوردته
فاتحة الكتاب من الأسماء الخمسة: (الله، الرب، الرحمن، الرحيم، مالك يوم الدين).
وهذه الأسماء دالة على صفات كمال وهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء وهي أوصاف، ولذلك كانت كلها حسنى، إذ لو كانت ألفاظًا لا معاني لها فيها لم تكن حسنى، ولا تدل على مدح وكمال، مثلما ترى رجلاً اسمه سعيد، وهو في غاية التعاسة فصار اسمه هذا لفظًا بلا معنى، وترى غيره يدعى «شجاعًا» وبه من الجبن ما الله به عليم، من هنا تكون هذه الأسماء لا حسن فيها وهي ألفاظ بغير معنى، لكن الله - تعالى -تنزه بأسمائه وصفاته عن كل عجز ونقص فصارت أسماؤه كلها حسنى تحمل الكمال المطلق والجلال التام.
أيضًا فإن أسماء الله - تعالى -كما دلت على الذات والصفة فإنها تدل دلالتين أخريين هما التضمن والالتزام، بمعنى أن اسم السميع دل على الذات ودل على صفة السمع، ودل على الحياة التزامًا، وكذلك اسم «العلي» دل على الذات وعلى صفة العلو، وعلى العلو المطلق بكل اعتبار، علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات، فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسم «العلي» بمعنى أن الذي يثبت شيئًا من لوازم العلو مع جحوده علو الذات؛ لا يغني إثباته شيئًا.
وكذلك اسم «الحكيم» دل على الذات، وعلى صفة الحكمة، ومن لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله، ووضعه الأشياء في مواضعها وإيقاعها على أحسن الوجوه، فإنكار ذلك إنكار لهذا الاسم ولوازمه، وكذلك سائر الأسماء الحسنى.
دلالة اسم «الله» على جميع الأسماء الحسنى وعلى هذا؛ فاسم «الله» دال على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلا بالدلالات الثلاث (المطابقة- التضمن - الالتزام)، فهو يدل على إلهيته - جل وعلا - مطابقة، المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له، وعلى لزوم نفي أضدادها.
ولهذا ينسب الله - سبحانه - سائر أسمائه الحسنى إلى هذا الاسم العظيم كقوله: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وأيضًا هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ
الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ}، فاسم «الله» دال على كونه مألوهًا معبودًا تألهه الخلائق محبة وتعظيمًا وخضوعًا وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته المتضمنة لكمال الملك والحمد، وإلهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا بقادر ولا متكلم ولا فعال لما يريد ولا حكيم في أفعاله.
وإلى اسم «الرب» تنتسب صفات الفعل والقدرة، والتفرد بالضر والنفع، والعطاء، والمنع، ونفوذ المشيئة، وكمال القوة وتدبير أمر الخليقة.
وباسم «الرحمن» تختص صفات الإحسان والجود والبر والحنان والمنة والرأفة واللطف و«الرحمن» الذي وصفه الرحمة، و«الرحيم» الراحم لعباده. وباسم «الملك» تختص صفات العدل والقبض والبسط والخفض والرفع، والعطاء، والمنع، والإعزاز والإذلال، والقهر والحكم ونحوها، وخصه بيوم الدين، وهو الجزاء بالعدل لتفرده بالحكم وحده، ولأنه اليوم الحق وما قبله كساعة، ولأنه الغاية وأيام الدنيا مراحل إليه. «مدارج السالكين لابن القيم - رحمه الله -، بتصرف».
وخلاصة القول: إذا علم العبد وتعرف على هذا الجلال والكمال للكريم المتعال، ظاهرًا في أسمائه الحسنى وصفاته العلا، وباديًا في ربوبيته وإلهيته - سبحانه -؛ فهل يكون إله مع الله؟ والجواب السريع: لا، والسؤال: فلماذا يُتخذ الهوى إلهًا من دونه - سبحانه -؟ ولماذا يُعبد الدينار، ويعبد الدرهم، وتعبد الخميصة والقطيفة والثياب والمظاهر؟ ولماذا تعبد الدنيا والكرة والملاهي والشهوات والتفاخر والتكاثر في الدنيا حتى خاف النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته هذه المعبودات أكثر من خشيته أن يعبدوا الوثن، فقال: «وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها». متفق عليه.
فأين الشكر وأين الحمد لمن له الأسماء الحسنى والصفات العلا التي اقتضت كل آثار الرحمة في الدنيا والآخرة، واستلزمت عناية المولى - جل وعلا - بخلقه وعباده وقيوميته بأمورهم وكل أحوالهم،{أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ
بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمْ مَنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (61) أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تعالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64) قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} «النمل: 60- 66».
المرأة الصالحة وحفظ سرّ زوجها
ومن داخل الأسرة المسلمة يظهر أثر معرفة الله - تعالى -بأسمائه وصفاته، فإذا شعرت المرأة أن الله - تعالى -رقيب على أفعالها، حفظت سر زوجها.
«إن من شر الناس منزلة يوم القيامة الرجل الذي يجامع زوجته ثم ينشر سرها أو تنشر هي سرَّه»(1).
وقد بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - حالهما بقوله: «إنما مثل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطانًا في السِّكَّة فقضى حاجته والناس ينظرون إليه»(2).
ولا شك أن مثل هذا السر من أعظم الأسرار، وإفشاؤه من أخطر الأخطار، والمسلمة الصالحة ينبغي عليها أن تحافظ على سرها وسر زوجها، بل كل سر يُسَرُّ إليها، وها هي فاطمة- رضي اللَّه عنها- يُسِر إليها أبوها - صلى الله عليه وسلم - حديثًا فلما سألتها عائشة عنه قالت: ما كنت لأفشي سِرَّه. وكذلك أم سليم- رضي اللَّه عنها- تقول لابنها أنس: لا تخبرنَّ بِسِرِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدًا(3).
المؤمنة الصالحة وحفاظها على غَيْرة زوجها
الغَيرة فطرة فطر الله البشر عليها، تزيد وتنقص بين الناس، فتزيد عند البعض حتى إنه لربما شدد على زوجته فحرم عليها ما أحل الله، وتقل عند البعض حتى أنه ليحل لزوجته ما حرم الله، فيتركها تخالط الرجال ويخالطونها، يجلسون معها ويصافحونها، ومثلُ هذا لا شك في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفه بأنه «دَيُّوث» لا يغار على أهل بيته ومحارمه.
ودرسُنا هنا مع أسماء بنت أبي بكر- رضي اللَّه عنها- التي تلقن المسلمات درسًا في الغيرة، فكانت تمشي يومًا تحمل على رأسها علفًا لفرس زوجها الزبير - رضي الله عنه - تقول: فلقيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه نفر- بضعة أفراد- فدعاني، فقال: إخْ، إخْ- للجمل- ليحملني خلفه، فاستحييت وذكرتُ الزبير وغيرتَه، قالت: فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -... (4).
قال النووي: قال القاضي عياض: هذا خاص للنبي - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف غيره، فقد أمرنا بالمباعدة بين أنفاس الرجال والنساء، وكانت عادته - صلى الله عليه وسلم - مباعدتهن ليقتدي به أمته، قال: وإنما كانت هذه خصوصية له؛ لكونها بنت أبي بكر، وأخت عائشة، وامرأة للزبير، فكانت كإحدى أهله ونسائه، مع ما خُص به - صلى الله عليه وسلم - أنه أملك لإربه، وأما إرادف المحارم فجائز بلا خلاف بكل حال(5). أقول: فهل يفهم أهل التخليط والهوى؟!
المسلمة الصالحة وواجباتها الزوجية
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الزوجة الصالحة: «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا
أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك»(6).
ومن حفظ المرأة لنفسها في غياب زوجها ألا تُدخل عليها أحدًا يكرهه، ومعنا قصة المرأة التي كان زوجها غائبًا في الحرب في جيش عمر بن الخطاب، فجلست وحيدة لا أنيس لها، فقالت شعرًا في ذلك تبين فيه أنها رغم وحدتها وخلوتها فإنها ستحفظ زوجها في غيابه بحفظ نفسها، فلن تُدخل أحدًا عليها فيدنس فِراشه وينتهك حرمته، وكان مما قالته:
طال هذا الليل تسرى كواكبُهْ*** وأرقني ألا خليل ألاعبُهُ
فواللَّهِ لولا اللَّهُ أني أُراقبُه***لَحُرِّك من هذا السريرِ جوانبُه
مخافةُ ربي والحياءُ يَصُدُّني *** وإكرامُ بَعْلِي أن تُنَالَ مَراكِبُهْ(7)
ومن اهتمام المسلمة العاقلة بحقوق زوجها ما فعلته زوجة رياح القيسي؛ إذ قال رياح: ذُكرت لي امرأة فتزوجتها، فكانت إذا صلت العشاء الآخرة تطيبت وتدخنت- أي من البخور- ولبست ثيابها- أي ملابس الفراش- ثم تأتيني فتقول: ألك حاجة؟ فإن قلت: نعم كانت معي، وإن قلت لا، قامت فنزعت ثيابها ثم صفت بين قدميها حتى تصبح
(8).
المرأة الصالحة وحُسن تدللها مع زوجها
لا شك أن الرجل الحصيف يعطي زوجته الفرصة لتمزح وتتدلل معه، بل ويدللها هو، فإن ذلك من حسن العشرة التي أمر اللَّه - تعالى -بها في قوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}... «النساء: 19»، وإذا كان الأمر كذلك فلا غرابة أن نرى عائشة- رضي اللَّه عنها- تقول: يا رسول الله، أرأيت لو نزلتَ واديًا وفيه شجرة قد أُكل منها، وشجرة لم يؤكل منها، في أيِّها كنتَ تُرْتعُ بعيرك؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: «في التي لم يُرتع منها». قالت- رضي الله عنها-: فأنا هي(9).
ومثل هذا الحديث يُدخل السرور في نفس الزوج، وهي تقصد- رضي اللَّه عنها- أنه تزوجها بكرًا، ولم يسبقه إليها أحد قبله - صلى الله عليه وسلم -، مثل الشجرة التي لم يؤكل منها، وهذا من حسن العشرة، والتدلل مع الزوج.
وتقول أيضًا: سابقني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسبقته، فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم- أي سمنت- سابقني فسبقني، فقال: «هذه بتلك»(10).
المـــرأة الصالحة وعـــون زوجها على طـــاعة ربه
أم كلثوم بنت الصديق- رضي اللَّه عنهما- ترى زوجها طلحة بن عبيد اللَّه مهمومًا لم ينم ليلته، وكان غنيًّا فتسأله عما أهمَّه وأَقَضَّ مضجعه، فقال لها: أتاني من حضرموت سبعمائة ألف درهم، فتفكرتُ منذ الليلة، فقلت: ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته؟ قالت: فأين أنت عن بعض أخلائك وأصحابك؟ فإذا أتى الصباح فادع بجفان وقصاع- أواني- وقسِّمه بينهم، فقال لها: رحمك اللَّه، إنك موفقة بنت موفق، فلما أصبح دعا بجفان ووضع فيها المال، فقسمه بين المهاجرين والأنصار، ولم يكد يترك لبيته شيئًا، فقالت له: أبا محمد، أما كان لنا في هذا المال من نصيب؟ فقال: أين أنت منذ اليوم؟ فشأنك بما بقي، قالت: فما بقي إلا صرة فيها نحو ألف درهم(11).
نعم، فإن أم كلثوم زوجة طلحة لم تجعل الدنيا أكبر همها، فهي تربية أبي بكر الصديق، وأخت عائشة، وزوجها أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومثلها تعد من أمهات نساء الإسلام، عون للزوج على طاعة ربِّه، لكننا نرى حفيداتها اليوم ولسان حالهن يقول: نفسي نفسي، فساتيني، موضتي، بيتي، حفلاتي، صديقاتي، لكن العاقلة تعلم قول
الله - تعالى -: {وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ للَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }«يوسف 109»
والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــ
الهوامش
1- مسلم وأبو داود بلفظ: «شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى
المرأة، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها».
2- أحمد وأبو داود عن أبي هريرة. وانظر صحيح الجامع (7037).
3- رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة (ح 3453).
4- البخاري (9/281)، ومسلم (2182).
5- شرح النووي على صحيح مسلم (14/166).
6- السلسلة الصحيحة للألباني (ح 1838).
7- المغني لابن قدامة ج7 ص416.
8- صفوة الصفوة ج 4، ص 44.
9- رواه البخاري (5/4989).
10- النسائي في السنن الكبرى (5/8943)، وقال الألباني: صحيح، وهو مخرج في آداب
الزفاف والإرواء.
11- سير أعلام النبلاء (1/30).