تأثير إدمان التلفزيون والإنترنت
د. عبد الهادي مصباح
15/3/1429هـ الموافق له 23/03/2008م
نشرت مجلة' ساينتيفك أمريكان' بحثاً مهماً يوضح أن مشاهدة التليفزيون بشكل دائم, ولوقت أكثر مما يبغي؛ يمكن أن يؤدي إلى حالة من الإدمان, تؤثر علي حياة الشخص وصحته الجسدية والنفسية, ويمكن أن تنعكس نتائج هذا الإدمان على إنتاجه وتركيزه وذاكرته, شاملاً كل المضاعفات التي تندرج تحت بند الإدمان, ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن فترة مشاهدة التليفزيون يومياً تتراوح ما بين2 - 3 ساعات في الدول الصناعية المتقدمة, وربما أكثر من ذلك في الدول النامية؛ حيث تصل فترة المشاهدة إلى 4 - 5 ساعات يومياً في المتوسط, ومعنى ذلك أن الإنسان إذا عاش حتى سن الخامسة والسبعين فإن حوالي 8 سنوات من عمره قد ضاعت في الفرجة علي التلفزيون, بخلاف ما يضيعه من وقت في ألعاب الفيديو جيم، وأمام شاشات الكمبيوتر.
وفي دراسة لمحاولة معرفة التغيرات الذهنية والعصبية والتأثيرات الفسيولوجية الناتجة عن مشاهدة برامج التليفزيون تم تصميم الدراسة بحيث يمكن تركيب أجهزة معينة لهؤلاء الأشخاص الذين يجلسون لفترات طويلة أمام التليفزيون, بحيث يتم من خلالها عمل رسم للمخ, وقياس مقاومة وحرارة الجلد, وسرعة نبضات القلب والتنفس وذلك خلال ساعات النهار والليل المختلفة, وأثناء الأنشطة اليومية العديدة للإنسان مثل النوم, ومشاهدة التلفزيون, والقراءة, وممارسة الرياضة وغيرها, بحيث يتم تسجيل موجات رسم المخ, ومقارنته مع تقرير النشاط الذي يسجله في موعده، ويبلغ به المركز, بحيث تتم مراجعته ومقارنته بالوظائف الحيوية المختلفة.
وقد تبين من الدراسة أن مشاهدة التليفزيون لفترات طويلة يجعل الإنسان يشعر بشيء من الاسترخاء, والشعور بالسلبية, وربما في بعض الأحيان الإحساس بالذنب والضيق, لشعور الإنسان أنه قد أضاع وقتاً طويلاً دون أن يفعل شيئاً مهماً يذكر, خاصة في الفئات المتعلمة من الطبقات المتوسطة, وأحياناً تتسبب المشاهدة المكثفة والمتكررة للكوارث والحروب مثلما يحدث الآن في العراق وفلسطين ولبنان مثلاً إلى خلق حالة نفسية إما أن تكون غاضبة وحزينة ومتمردة، أو أن تخلق نوعاً من البلادة وعدم الاكتراث واللامبالاة كرد فعل مناعي نفسي، لكي يحمي الإنسان نفسه من الانهيار, والوقوع في براثن الاكتئاب والفصام لعدم مقدرته على فعل أي شيء إيجابي, فيحول المؤشر إلى قنوات الغناء والفيديو كليب والعري, وفي كل الأحوال يجد الإنسان معاناة كبيرة في الإقلاع عن مشاهدة التليفزيون, وقد أوضحت نتائج فحص رسم المخ أن قياس موجات 'ألفا' أثناء مشاهدة التليفزيون تكون أكثر منها أثناء القراءة, مما يوضح أن المخ يكون أقل تنبيهاً واستيقاظاً عند مشاهدة التليفزيون, ولعل هذا يوضح لأبنائنا الطلاب خطورة قضاء أوقات راحتهم بين المذاكرة في مشاهدة التلفزيون, فالأفضل أن يسترخي الطالب, أو يمارس بعض الرياضة, أو يلجأ إلى تقوية الجانب الروحي عنده مثل الدخول في الصلاة, وقراءة القرآن وغيرها.
والمدهش أيضاً في نتائج هذه الدراسة أن الإحساس بالاسترخاء الذي ينتاب الإنسان أثناء المشاهدة يضيع بمجرد غلق التلفزيون, إلا أن الإحساس بالسلبية, وركود نشاط المخ؛ يستمر حتى بعد القيام من أمام الشاشة.
ومشاهدة التليفزيون تشغل حاستي السمع والبصر معاً, وتسبب لهما ما يسمي برد الفعل التكيفي OrientingReaction, وقد تم وصف دراسة رد الفعل هذا منذ عام 1927 بواسطة إيفان بافلوف' لأول مرة, فمشاهدة الصورة وتغيرها بسرعة ما بين التقطيعات السريعة, والقرب, والبعد, والإظلام, والنور, والصوت العالي والمنخفض؛ كل هذا مما نراه فيما نشاهده اليوم في أغاني الفيديو كليب, وإعلانات التليفزيون من أجل أن يجذب نظر المشاهد للشاشة؛ إنما هو في الحقيقة يضره ويشتته, ويؤثر عليه من الناحية الفسيولوجية.
ولقد أوضح البحث - الذي خرج حديثاً من جامعة' إنديانا' الأمريكية - أن هناك انخفاضاً في سرعة دقات القلب قد يستمر لمدة 4 - 5 ثوان بعد التعرض لرد الفعل هذا سواء السمعي أو البصري, وقد خلص البحث إلى أن هذه التقطيعات في المونتاج إذا زادت على عشرة في خلال دقيقتين؛ فإنها تؤثر بالسلب على الإنسان وترهقه, فإذا علمنا أن بعض أغاني الفيديو كليب تحتوي على هذه التقطيعات التي تنبه المخ، وتحدث رد فعله كل ثانية (أي60 مرة في الدقيقة الواحدة)؛ فلنا أن نتخيل كم تضطرب نبضات القلب, وموجات رسم المخ؛ عندما نشاهد ما نشاهده من غاني الفيديو كليب والإعلانات هذه الأيام.
والمشكلة الكبرى هنا تكمن في الأطفال الصغار الذين ييدأون إدمان مشاهدة التليفزيون في مرحلة مبكرة من حياتهم قد تصل إلى 6 - 8 أسابيع من عمرهم, ويحولون رؤوسهم للفرجة عليه, ويصمتون عند مشاهدة هذه الصور السريعة المتلاحقة, وهذا الصوت والرتم الصاخب, وهذا يسعد الأمهات بالطبع, فتترك الأم ابنها بالساعات أمام التلفزيون ليفعل به ما يشاء, ولعلنا لا نتحدث هنا عن المحتوى والقيم السلبية التي يمكن أن تنتقل إلي هذا الطفل من خلال مشاهدة التلفزيون؛ فهذا موضوع آخر هام، ولكننا نقتصر فقط على عرض التأثير الفسيولوجي والبيولوجي للمشاهدة الطويلة للتلفزيون.
ولأن شبكة الإنترنت الآن أصبحت من أهم منافذ التواصل مع الآخرين ورؤيتهم، والحديث معهم من على البعد, وأيضاً في البيع والشراء, وكذلك عقد الصفقات التجارية مع جميع أنحاء العالم, والتعليم عن البعد حتى الحصول على الشهادة, وأيضاً إجراء الفحوص الطبية, وإجراء العمليات الجراحية عبر الإنترنت, ومشاهدة الأفلام والأغاني في كل الدنيا دون أن تبرح مكانك, والاطلاع على أحدث الكتب وقراءتها, أو قراءة ملخص لها, واللعب والتسلية من خلال ألعاب الفيديو جيم المختلفة, بل إن الإنترنت أصبح من أهم وسائل التواصل والحوار؛ من أجل توصيل وجهات النظر المختلفة على المستوي السياسي والديني، والثقافي والاقتصادي، والاجتماعي؛ لهذا فإنني أعتقد أن الانسياق للجلوس أمام شاشة الكمبيوتر, والاستخدام غير المرشد لشبكة الإنترنت, أو المغالاة في لعب الفيديو جيم؛ إنما تعد من أخطر الأشياء سلبية على صحة الإنسان ومزاجه النفسي, بالإضافة طبعاً إلى ما يمكن أن يكتسبه الإنسان - خاصة الشباب والأطفال - من عادات وأفعال غير مرغوب فيها عند الدخول لمنافذ سيئة السمعة, فتجارة الجنس على الإنترنت تعد من أقوى أنواع البيزنس الذي يصل حجمه إلى أكثر من 100 مليار دولار حسب ما نشر أخيراً.
والحقيقة أن الكمبيوتر والتليفزيون يحدثان نفس التأثيرات الفسيولوجية والبيولوجية التي تحدثنا عنها, وسوف نتحدث لاحقاً عن ألعاب الفيديو جيم بصفة خاصة التي تعد من أخطر الأشياء على صحة الإنسان - خاصة الأطفال - إذا طالت فترة استخدامها, فهي أيضاً يمكن أن تسبب نوعاً من الإدمان, لأن الإنسان يشعر من خلال ممارستها بنوع من الهروب وشغل الذهن عما يدور بذهنه أساساً ويشغله, وبالتالي فهناك رد فعل منعكس شرطي يتولد لدى الإنسان, ويربطه باستخدام هذه الألعاب, وعلى الرغم من أن مثل هذه الألعاب قد ترفع من مستوى ذكاء الطفل وتمتعه؛ إلا أنها إذا أسيء استخدامها، وطالت مدة الجلوس أمامها؛ فإن الإنسان يقوم من أمامها منهك القوى, مستنفد الطاقة, ولديه إحساس بالتعب, وربما يشعر ببعض الدوخةـ وأحياناً الغثيان والصداع.
__________________
* جريدة الأهرام المصرية.