اتفاق مكة واختبار أبو مازن التاريخي

صالح النعامي  

 

فقط من يحيا في الضفة الغربية وقطاع غزة يستطيع أن يتفهم مشاعر الفرحة العارمة التي عبّر عنها الفلسطينيون إثر التوقيع على اتفاق مكة بين حركتي حماس وفتح برعاية خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز. لقد أوقف هذا الاتفاق اندفاع الفلسطينيين الجنوني نحو حرب أهلية طاحنة، إلى جانب أنه منح الفرقاء في الساحة الفلسطينية الفرصة لتنمية الثقة فيما بينهم، مع العلم أن هذه الثقة كانت مفقودة. لكن بقدر ما يزرع هذا الاتفاق من أمل في أن يشكل نقطة تحوّل فارقة يمكن أن تغير من طبيعة الأداء الوطني الفلسطيني بحيث تعزز مصادر القوة في الصراع الذي يخوضه الفلسطينيون من أجل نيل حريتهم المسلوبة، بقدر ما تزداد المخاوف من إمكانية أن ينهار هذا الاتفاق، ويعود الفلسطينيون مجدداً للمربع الدامي الذي سبق التوقيع على الاتفاق. لا نطرح هذه المخاوف لمجرد الرغبة في تقديم توقعات سوداوية متشائمة، بل من أجل لفت نظر قادة كل من حماس وفتح والرأي العام الفلسطيني إلى المخاطر التي تتربص بهذا الاتفاق، حتى يتم مواجهتها والتصدي لها بقوة. ولعل أكثر خطر يتهدد اتفاق مكة هي الضغوط الخارجية التي باتت تنهال من كل حدب وصوب على الرئيس الفلسطيني محمود عباس والطاقم الذي يعمل معه. وها نحن نلحظ شروع الأمريكيين والإسرائيليين في ابتزاز أبو مازن، ومحاسبته لأنه تجاهل نصيحة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس بعدم الموافقة على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بمشاركة حماس. وها هي الإدارة الأمريكية تلمح إلى أنها لن تعترف وتتعاطى مع حكومة الوحدة الوطنية حتى لو شاركت فيها حركة فتح؛ لأن هذه الحكومة لا تعترف بشكل علني وصريح بإسرائيل ولا تنبذ "الإرهاب"، أي عمليات المقاومة ضد الاحتلال التي تجيزها كل القوانين الدولية، ولا تلتزم بالاتفاقيات الموقعة بين السلطة وإسرائيل. في حين يقوم الاتحاد الأوروبي بعملية ابتزاز بطريقته الخاصة، في محاولة لدفع أبو مازن للضغط على حركة حماس مجدداً لتقديم تنازلات، وصولاً للاعتراف الصريح بإسرائيل، وربط استئناف المساعدات المالية للسلطة بموافقة الحكومة الجديدة على شروط اللجنة الرباعية المجحفة.

للحقيقة إن وضع أبو مازن صعب، لكن هنا تكمن اللحظة التي تُختبر فيها أصالة القادة وصلابة التزامهم بقضاياهم الوطنية، هذه اللحظات التي تحفظها صفحات التاريخ للقادة إما سلباً، أو إيجاباً.

على أبو مازن أن يتبع إستراتيجية جديدة في مواجهة الضغوط الخارجية لم يتبعها من قبل للأسف الشديد.

عليه أن يطرح السؤال الآتي على الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وكل دول العالم: "لقد اعترفت منظمة التحرير بإسرائيل ونبذت الإرهاب، وتعلن صباح مساء التزامها بالاتفاقيات الموقعة مع الدولة العبرية، فماذا قدمت إسرائيل بالمقابل؟ على أبو مازن أن يسأل أبواق النفاق العالمي: لماذا على الفلسطينيين أن يتحولوا إلى تجار في بازار هزلي، يعرضون فيه كل يوم تنازلات جديدة؟! فهم يطالبوننا بأن نعترف بإسرائيل، فلماذا لا يطالبون إسرائيل بأن تعترف -على الأقل- بأن لنا الحق في إقامة دولة فلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 67، وهو الحد الأدنى الذي يطالب به الفلسطينيون؟.

لماذا لا يلزمون إسرائيل بوقف فرض الحقائق على الأرض عبر مصادرة المزيد من الأراضي للاستيطان، الذي هو -حسب محكمة لاهاي الدولية- جريمة حرب.

ومع كل ذلك، فإن الأمريكيين والإسرائيليين عندما يتحدثون عن تسوية سياسية، فهم يتحدثون عن عملية سياسية نظرية لا تصل إلى أي نتيجة. وها أنذا أطرح ما سيقوله كل من أولمرت ورايس لأبو مازن في اللقاء الثلاثي الذي سيجمعه بهما الاثنين القادم في القدس المحتلة: نحن معنيون بمفاوضات تنطلق وفق خطة "خارطة الطريق"، بدون التنازل عن أي مرحلة من مراحلها. وسيشدد أولمرت ورايس على تطبيق المرحلة الأولى من الخطة، والتي تطالب السلطة الفلسطينية بتفكيك حركات المقاومة الفلسطينية (ومن ضمنها حركة حماس التي تشكل الحكومة!!)، ووقف العمل المقاوم ضد الاحتلال، ومحاربة التحريض ضد إسرائيل في مناهج التعليم ودور العبادة ووسائل الإعلام. ويدرك أبو مازن أن مثل هذه المطالب تعجيزية، إلى جانب أن محاولة الوفاء بها ستؤدي حتماً إلى حرب أهلية فلسطينية، مقابل الوهم الذي تحاول واشنطن وتل أبيب تسويقه.

على أبو مازن أن يدرك أن حركة حماس قدمت في اتفاق مكة تنازلات كبيرة جداً ليس فقط مقارنة بميثاقها المعروف، بل وتراجعت كثيراً عما ورد في برنامجها الانتخابي.

فحماس هي التي اقتربت من برنامج حركة "فتح"، وليس العكس. من هنا على أبو مازن ألاّ يقع في الشرك الذي تنصبه له إسرائيل التي تصور اتفاق مكة وكأنه انتصار كبير لحركة حماس. فعندما تعترف حركة حماس بمقررات القمة العربية تقف عند نفس المستوى من المرونة السياسية التي وقفت عندها حركة فتح.

وعلى أبو مازن أن يعلم أن وقوفه بقوة خلف اتفاق مكة وتمسكه بوشائج الوحدة الوطنية الفلسطينية كفيل بأن يدفع الأوروبيين -وفي وقت لاحق- الأمريكيين للاعتراف بالواقع كما هو على الأرض.

من ناحية ثانية على الرئاسة الفلسطينية وعلى حكومة الوحدة الوطنية العتيدة الشروع في حملة إعلامية مضادة ضد الحكومة الإسرائيلية، تستند إلى توثيق شامل للمواقف الإسرائيلية المتطرفة، لاسيما لأولمرت وأركان حكومته وكبار قادة جيشه، للتدليل على أن إسرائيل غير جاهزة للتسوية السياسية.

إلى جانب ذلك على الحكومة الجديدة أن تملي أجندة سياسية مغايرة على الجدل الوطني الفلسطيني الداخلي، بحيث تبرز ضرورة مواجهة الاستيطان والجدار ومقاومة عمليات التهويد، وغيرها من القضايا التي تشكل محور الإجماع الوطني الفلسطيني.

 

25/1/1428 هـ

13/02/2007 م

 

http://www.islamtoday.netالمصدر: