أحبكِ في الله
مشعل العتيبي
إمام جامع ابن القيم بالجبيل
أخوات صدق تقربن بمحبتهن لله،، وعكفت قلوبهن على كتاب الله، وأسبلن دموعهن من خشية الله، ما زالن إلى المعالي يتسابقن، وفي مصابيح الهداية يشرقن، سمو وارتقاء وخلق ونقاء ومحبة تزداد في كل لقاء، ومنبع هذا كله الأخوة الصـــــــافية أساسها الحب في الله.
انظري إليهن وهن يتحركن في طاعة الله انظري إليهن وهن يتواعدن في عمل خير يقربهن إلى الله والله ما جمعهن إلا الحب في الله، وما ألف بين قلوبهن إلا الحب في الله ولله لا يفرقهن خصام ولا يحدث بينهن هجران ولا ينزغ بينهن شيطان. إذا سمعت إحداهن عن أخيتها نميمة وكذب قالت حاشا لله إنما هذا بهتان.
إذا جاءها عن أخيتها قيل وقال قالت معاذ الله هذه وشاية حاسد ومكائد شيطان. إذا وقفت خصيمة لأخيتها في الله وقد كانت معها في جماعة المصلى والحلقات إذا وقفت تخاصمها تتذكر ولم ينسيها الشيطان ما كان بينهن من حب ووئام.. تذكرت كيف كانت مع أخيتها قبل هذا الخصام تذكرت أيام مضت تذكرت معاني الحب في الله تذكرت بوقوفها وهي على طريق الالتزام بأنها تعامل الله وأنها ترجو الله والدار الآخرة تقف ولسان حالها إني أرجو الله والدار الآخرة إني أرجو رضا الله فيك فتقولها بقلب مليء بالحب والإيمان تعلم أنها وقفت بين يدي أخيتها تخاصمها وهي على يقين أن أخيتها وإن أخطأت عليها فهي تحب الله وتحب رسول الله فتنظر إليه فتقولها ولا تترد تقولها إن كنت قد أخطأت عليك فاعتذر فإن الله ربى وربك يصفح ويعذر وإن كنت أنت من أخطأ علي فأسأل من نشترك في حبه وعبادته أنى قد عفوت عنك تقولها عفوت عنك لوجه الله.
والحب ما زال في الخفاق نلمسه
بين الضلوع يداعبنا بسكنــــــاه
والإخوة اليوم كالأرواح واحـــدة
إن هم تلاقوا على ما يقتضي الله
تلقاهم في دروب الخير قولهــــم
درب الفلاح طريق قد سلكناه
فإن إفترقنا في الأماكن إنــــــنا
بدعائنـــــا ما تفــــــــتر الأفــواه
فكم للحب في الله من دلالات
وكم فيه من تضحيات
تقول إحدى الأخوات.. كنا معا فى الكلية.. جمعتنا أوقاتنا الطيبة.. جمعتنا الألفة والمحبة جمعتنا أعمال المصلى من حفظ وطاعات ووسائل دعوية.
تواصينا على مذاكرة دروسنا سويا.. وتعاهدنا أنفسنا على ايقاظ بعضنا البعض لصلاة الفجر ولقيام الليل كانت أهدافنا تسمو للمعالى.. أربع سنوات قضينا فيها أروع الأوقات وهكذا تخرجنا.. كتب الله لي أن أعمل معلمة فى نفس المدينة
أما صاحبتى وفاء فكان عملها فى هجرة تبعد عنها قرابة المائتى كيلو هكذا أراد الله.. وهذه حكمة الله
تمر الأيام وقد كنا نتعاهد بعضنا بالتشاور والمزاح والزيارات لا أبالغ إذا قلت لكم أننا كنا نشعر بمحبتنا لبعضنا دون أن تنطق بها أحدنا كنا نرى هذه المحبة تدفع أجسادنا وجوارحنا أن نعمل لأهدافنا وغاياتنا وأن نضحى بأوقاتنا لنكون بالقرب من بعضنا لتترتقى هممنا ويزداد إيماننا..
اتفقنا حبا فى الدعوة واهتماما فى العمل للدين أن ننظم إلى إحدى الدور أو الجمعيات الخيرية لنكمل ماكنا عليه فى الكلية بدأنا نتواصى على ذلك.. وانظممنا فى الدار النسائية القريبة من البيت وجدنا أنفسنا فى همة عالية.. كان حبنا لبعضنا يقودنا ويدفعنا كيف لا ونحن نستشعر أنه حب لله وفى الله لم تصنعه دنيا ولم تقوده مصالح
تمضى الأيام ونحن نمضى بثبات الحب الذي ساقنا إلى حفظ القرآن
تمضى الأيام ونحن نمضى بثبات الحب الذي ساقنا لإرضاء رب الأنام
وهكذا كنا.. حتى بدأت صاحبتى وفاء تعانى من ضيق الوقت
فلم تستطع أن توفق بين عملها البعيد وبين الانتظام والحضور معنا فى الدار عند المساء
حتى تباعدنا وأصبحنا لا نرى بعض إلا بالأسابيع
وفوجئت ذلك المساء بوالدة صاحبتى وفاء تتصل على وهى تبكى وتقول ولاء يا بنيتي إلحقي بأختك وفاء
فقد مضى لها قرابة العشر أيام وأنا لا أعلم ماذا بها؟؟
أصبحت كسيرة منطوية لا تتكلم معي إلا بالدموع وبالبكاء فأرجوك بنيتي لعلها تراك وينشرح صدرها ذهبت أجر الخطا.. ذهبت متثاقلة بهموم تقلقنى وخواطر تلاحقني.. ماذا بها؟؟
دخلت عليها.. فإذا بي أجدها تصرخ فى وجهي وهى تردد أخرجي.. أخرجي
لا أريد أن أراك.. لا أريد أن أرى أحد.. لا أريد أن أتكلم.. أرجوكم فبكت.. بكت بكاء قطع نياط قلبي أول مرة أراها تبكى هكذا.. أمسكت بها وأنا أهدئها وأقبل رأسها ويدها فقالت والدتها لقد اتفقنا مع أحد القراء أن يأتي أليها.. فقد رفضت حتى المستشفيات لم أتمالك نفسي وأنا أنظر إليها.. خرجت وأنا أبكى فلم أتوقع أن يحدث ذلك ولكن الأقدار تجرى على كل إنسان استأذنت من المدرسة أسبوع وأصبحت أرافق وفاء وألازمها فى بيتها بدأت حالتها تسوء.. بدأ شعرها يتساقط.. قالوا لنا أنها قد أصيبت بعين قوية قد تهلكها إذا لم نتداركها فياالله.. كان الرقاة يتناوبون عليها.. وكم كانت تعانى من القراءة والآلام.. لكنني كنت معها أصيرها وأهون عليها وأسهر عند رأسها.. أقرأ عليها حتى تنام
مرت الشهور وحالتها وفاء تزداد سوء ووالتها لا تملك إلا البكاء والدعاء.. وأنا معها.. معها فى غرفتها.. ومعها ألح عيها مرات ومرات أن تأكل ومعها فى دورة المياه لمساعدتها فقد كانت عاجزة ومهمومة.. أصبحت حركة وفاء ثقيلة جدا ثلاثة أشهر تمضى وصاحبتي أسيرة المرض لا تقوم إلا بصعوبة وأنا معها وبقربها أقرأ عليها وأضع الطعام فى فمها وأنظف القذر من تحتها...
ووالدتها تبكى كل يوم وهى تحتضننى وتردد لم أكن أتصور كل هذا الوفاء وكل هذا الحب
لم أكن أتصور أن الحب بينكن يصل إلى هذا الحد من التضحية والإيثار
بارك الله فيك يا ولاء بما قمت وتقومين به لأخيتك وفاء
فقلت لها وأنا أنظر إلى وفاء والله يا أمي ما قمت بشيء.. والله يا أم وفاء لم أعمل شيء والله لو أقطع من جسدي لحبيبتي لشفاءها لما ترددت.. فنظرت فإذا وفاء دموعها قد تساقطت ووالدتها تبكى فبكيت.. بكيت وأنا أتذكر حيويتها ونشاطها..
بكيت وأنا أتذكر كيف كانت وكيف هي الآن..
علمت أن الله يريد أن يرى الحب بيننا..
علمت أن المنابر عند الله غالية.. علمت أن الله يريد أن يرى ذلك الحب الذى سيظله يوم لا ظل إلا ظله علمت أن الحب فى ليس مجرد كلام بل عمل واحتساب ليوم الحساب جاءت والدتي إلى بيت وفاء.. جاءت وهى تلح على أن إدارة المدرسة قررت أن تطوى قيدي وتفصلني حيث استمر غيابي وازدادت إجازاتي.. وبدأت والدتي ووالدة وفاء... بدأ يلحان على بأن أعود إلى مدرستي..
فقلت لهم وأنا أنظر إلى رفيقة دربي وحبيبتي.. كيف تريدونني أن أعود.. وبأي نفس أعود.. بأي قلب أمشى بين الطالبات.. وقلبي مع من ملكت قلبي كيف أعود إلى مدرستي وأنا مهمومة بحبيبتي..
والله لن أهنأ بحياتي إلا إذا رأيتها كما كانت معي لن أهنأ بعيشي إلا إذا قرت عيني برؤيتها وهى بأحسن أحوالها..
والله لقد استمر هذا الحال سنة وصاحبتي وفاء تزداد تقل فى جسدها وصعوبة فى حركتها لقد أهلكها هذا المرض وهذا العين ولا حول ولا قوة إلا بالله فيا الله إن لقضائك حكمة..
إن الله إذا أحب عبد ا ابتلاه...
بدأت أتقرب إلى الله.. بدأت ألح على الله.. بدأ إيماني يزداد ويزداد تقربا واتصالا بالله. علمت أن الله يريد منا اللجوء إليه.. يريد منا التضرع إليه وفاء ملقاة على الأرض.. وأنا لا أملك كل ليل إلا الدعاء والبكاء.. دعوت الله.. صدقت مع الله.. رجوت الله وأنا على يقين أن الله قريب.. أن الله مجيب..
أمن يجيب المضطر إذا دعاه.. والله ثم والله كم كنت أجهل أهمية الدعاء.. كم كنت أستهين بالدعاء.. تمر الأيام وأنا أشجع صاحبتى وأبكى بين يديها لتقبل على القرآن وأستعين بكلام الله، اقرئي البقرة وآل عمران.. اقرئي الفاتحة والمعوذات.. والله ستجدين الشفاء..
فلا إله إلا الله تمر الأيام وإذا بصاحبتي تحرك رجليها ثم حركت يديها..
بدأت تشعر بانشراح فى صدرها.. بكيت.. بكي لأنني علمت أن الله قد استجاب.. والله قد استجاب ما أرحمك يا الله.. ما أكرمك يا الله..
انتصبنا بالليل فأعنتنا..
تصبرنا على البلاء فرفعت عنا.. دعوناك فأجبتنا..
بدأت صاحبتى تمشى.. بدأت وفاء تمد يديها.. مدتها لي.. لتمسك بي.. اندفعت علي اندفعت وهى تضمني وهى تقبلني.. قبلتني.. وهى تنزل على ركبتيها نزلت بين قدمي.. لقد كانت تريد أن تقبل قدمي
بكت وهى تردد لن أنساك.. لن أنسى مواقفك.. لن أنسى ما قمت به من أجلي فرفعتها.. وأنا أقبل رأسها وأقول والله ما قدمت شيء يا أخيتي
حبنا لبعضنا ليس كلام باللسان.. بل شعور فى القلوب وأفعال بالجنان . حبنا لبعضنا ينبع من الإيمان.. ويتطلع لرضا الرحمن..
وهكذا لازلنا نتواصى يبعضنا.. ونتواصى مع بعضنا فاللهم لا تفرق بيننا..
صاحبتى هذه الأيام ترافقني فى التسوق لزواجي فقد تقدم لي من رضينا بخلقه ودينه وأنا أردد لن يفرقنا إلا الموت يا وفاء.. وهى تضحك وتقول بل قولي الزواج والحب الآخر . فأمسكت بيدها وقبلتها وقلت سترين كيف يزداد ويزداد...
فقلت لله درهن.. تواصين على طاعة الله.. وتصبرن على قضاء الله، سلاحهن الدعاء وعونهن الحب فى الله... فلله درهن وهنيئا لهن..
في داخلي التحمت مشاعر بهجتي **** بأحبة في شرعة الرحمـن
أحببتهن وسأظل أعلنها لهــــــن **** ما عدت قادرة على الكتمان
سأظل يبهرني جميل فعالــــــهن **** وأذوق منهن روعة التحنـان
سأظل داعية لهن في غيبهــــن *** وتظل حجتنا على الإيمـــــــان
الحب في الله
أن ترتقي همومنا إلى ما هو أسمى وأنفع في الدنيا
عندما تريدين أن تحبي في الله تذكري قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).
تذكرى قول الله: (الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوٌ إلا المتقين).
فأين الأنفس التي تعلقت بحب الأوهام من عشق وهوى وإعجاب
نفس خضعت للحب والشهوات
وغرقت في بحر الهوى واللذات... وبنت قصور الحزن والحسرات
مسكينة تخالها قصور النعم والجنات ، وما تدري بأنها من إحدى علامات حب الذات وبداية الأنانية والانحطاط نعم،،، هي تلك النفس... انغمست في طاعة الشيطان
ونفذت أوامره بكل إتقان... وغفلت عن رب منان
رب عظيم رحمن.. رب كريم ذو جنان
فيا حسرتاه على من أبدلت الحب فى الله بحب الأوهام والعشق والإعجاب..
ويا خيبتاه على من لم تجرب الحب فى الله الذى سيقودها إلى منابر الرحمن