البرمجة اللغوية العصبية خطر مزدوج

تحقيق مجلة اليمامة العدد 1879

22/10/2005 – 19/9/1426هـ

 

المتوسطات لا تنتعش إلا في مراحل التذاهن التي يمر بها المجتمع، وهذه المتوسطات هي التي لا تنتمي لشيء معين أو مجال معين، بل تنتمي لأكثر من شيء أو لأكثر من مجال وتنشأ هذه المتوسطات نتيجة ميعة المعايير وذوبان القواعد وتجاهل التحكيم؛ فتتجاوز جميع ذلك إلى ميدان التطبيق ونجاحها من عدمه هو المعيار، فقط قائمة طويلة من تلك الأمور التي توصل إليها الإنسان وصنعها وأوجدها التي تقع في الوسط، فهناك عمل أدبي ليس بالقصة ولا بالرواية، وهناك دواء عشبي لا هو ممنهج فليس هو بطب وليس بشعوذة، وهناك عمل فني ليس بالأغنية وليس بالاسكتش أو الرقص، البعض يرجع هذه المستجدات أو المهجنات إلى التعنت التاريخي للسياسة، والبعض يرجعها إلى سقوط مفهوم «القيم» بمعناها الكبير، في هذه القائمة يقع بارزاً هذه الأيام ما يسمى «البرمجة اللغوية العصبية».

فهو ليس بعلم نفس وإن كان خرج من رحمه، وليس بخزعبلات لم ينجح تطبيقها، فهناك نجاحات استفاد منها أشخاص جرأت البعض بسقوط نظريات علم النفس فضلاً على أن هذه «البرمجة» أخذت شيئاً ما من تطبيقات علوم أخرى، أما الحقيقة فنناقشها في قضية هذا العدد، من قائمة «الوهم» أيضاً ما يسمى مشروبات الطاقة فحين تسأل شاباً عنها أو حتى رجل أعمال على مشارف الأربعين أو امرأة تطول بها ساعات العمل لقالوا عنها إنها تمدنا بالطاقة وتمسح الإجهاد وتعالج التعب، ولو سألت تجارها لقالوا أرقاماً فلكية لأرباحهم منها، ولكن حين تسأل العلماء والمختصين لقالوا فيها ما لم يقله مالك في الخمر، فحين نصدق كذب التطبيق ونكذب صدق النظرية العلمية نكون قد وقعنا في «الوهم»، في هذا العدد أيضاً تدافع الطالبة الجامعية عن «أوهام» بعض الآراء التي تنعت فكرها بفقدان الهوية الثقافية لصالح الفراغ و«طفولة» التحضر العابثة.

المحررون

 

د. سعيد بن وهاس

البرمجة العصبية مزيج من التنظير في علم النفس وعلم اللغة العصبي وهي ليست علماً قائماً بذاته ولا تدرس في الجامعات كتخصص.

 

د. سعيد الزهراني

القناة الأولى تقدم دكتوراً وهمياً يتقاضى ستة آلاف ريال في خمس وأربعين دقيقة!

 

أ. د. محمد جمل الليل

الجدل ما زال قائماً خاصة في المجتمعات العربية والخليجية حول فوائد وخطورة هذه البرمجة

 

أ. د. محمد حمزة السليماني

تدريب البرمجة اللغوية العصبية لا يؤهل بصورة كافية لممارسة العلاج النفسي كما يعتقد البعض

 

د. عبدالله اليوسف

يمكن اعتبار البرمجة العصبية اللغوية طريقة أو فناً وليس علماً وعلينا الحذر من التلوث الفكري.

أصدرت وزارة الصحة تحذيراً لمنسوبيها من الالتحاق بدورات ممارسة البرمجة اللغوية العصبية (NLP) وأشارت الوزارة إلى أن المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني أكّدت بأن هذه الدورات غير مرخص بها. وفي المقابل طالب متخصصون في البرمجة اللغوية العصبية بحوار مفتوح للرد على الشبهات المثارة حول هذا التخصص..ومن هنا تنبثق محاور قضيتنا لهذا العدد حول المعطيات التي استندت إليها وزارة الصحة والمؤسسة العامة للتعليم الفني في موقفهما من هذا التخصص، ومعرفة رأي الأكاديميين المتخصصين في الجامعات السعودية في هذا الموضوع، إضافة إلى تقييم المؤسسات الأكاديمية والعلمية الدولية المرموقة لهذا العلم وجدوى تدريسه في الكليات والجامعات.

المشاركون الأفاضل في هذه القضية شنوا هجوماً (ضارياً) على البرمجة اللغوية العصبية؛ وقالوا فيها ما لم يقله مالك في الخمر، وبأدلة علمية ومنطقية، بل ووجهوا أصابع الاتهام للعديد من الجهات التي تسمح لممارسي تلك البرمجة من الظهور و«استغفال» الناس.ولكن قبل أن ندخل إلى تلك (الحملات الهجومية) نزعم أننا لا بد في البدء أن نعرف معنى هذا المصطلح: البرمجة اللغوية العصبية. وهنا يضيء لنا د. محمد جعفر جمل الليل أول الدرب قائلاً: على الرغم من أن بداية الاهتمام بموضوع البرمجة اللغوية العصبية قد بدأت في السبعينيات الميلادية، إلا أن الجدل لا يزال قائماً خاصة في مجتمعاتنا العربية والخليجية حول فوائد وخطورة هذه البرمجة، ومن تعريفاتها التي جاءت في بعض المصادر وهي: مجموعة من الإجراءات التي تساعد الفرد على التحكم بمشاعره وانفعالاته بصورة عامة، ومن ثم التحكم في تفكيره وسلوكه وتغيير أو تعديل كل ذلك من أجل الاستفادة من الطاقات الكامنة للفرد وتوجيهها والاستفادة منها. وتقوم هذه البرمجة على تغيير الأفكار والمعتقدات والقيم وأشكال السلوك غير المناسبة أو التي تعوق التوافق الشخصي للإنسان، وكذلك تقوم على تأثير الشخص في الآخرين أثناء لقائه معهم والدخول معهم في مناقشات في شتى المجالات مثل مجال الدعاية والإعلان والمجال الصحي والتعليمي.. ويستطرد د. جمل الليل موضحاً: وترى بعض المصادر أن من فوائد هذه البرمجة أنها تساعد على اكتشاف الفرد لذاته والاستبصار بها وتنمية قدراته، وكذلك تمكنه من تحديد أهداف واقعية وذات جدوى نفسية، ومن التخطيط الجيد للوصول لها؛ كذلك الرفع من فعالية العلاقات الاجتماعية مع الآخرين والتفاعل معهم، والوصول إلى درجة جيدة من التوافق النفسي، أو ما نطلق عليه بالصحة النفسية ومن هنا يتضح إمكانية تطبيق هذه البرمجة في مجالات عديدة مثل التربية والتعليم والتجارة والإعلان والصحة والفن والتعاملات الأسرية. وترى بعض المصادر أن التواصل مع العقل الباطن للفرد وإعادة برمجته بتزويده بالأفكار الإيجابية من أبرز وسائل الاستفادة. ولمحة تاريخية سريعة من أين جاءت هذه البرمجة العصبية اللغوية أو نشأت؟ هذا السؤال الذي يلخص لنا أ. د. محمد حمزة السليماني إجابته قائلاً: نشأت على يد كل من (جون جريندر) وهو عالم لغويات و«ريتشارد باندلر» وهو عالم رياضيات، ومن رواد علم النفس السلوكي، وهو علم قائم على التكوين الداخلي للإنسان وطاقاته وقدراته الكامنة؛ والتي يمكن أن تحفز وتستثار بطرق فنية تحدث الكثير من التغييرات الإيجابية في تفكير الإنسان وسلوكه وشعوره. وبعد انفصال جريندر عن باندلر وانفصال زوجة باندلر أصبحت هناك ثلاث مجموعات تدعي كل منها أن لها السبق في موضوع البرمجة، وقد ظهرت اتحادات في هذا العلم في كل من فرنسا وألمانيا والنمسا اعتمدت على أساسيات باندلر، وقد عكف هؤلاء الثلاثة على تطوير هذا العلم إضافة إلى الاتحادات التي عملت على تطوير أساليبها، والبرمجة من التخصصات التي لا تزال قائمة وموجودة في بعض المعاهد والمؤسسات، ولكن هناك اختلافاً في معايير وأخلاقيات وتدريس هذا العلم في تلك المؤسسات. مزيد من الإضاءة ويوضح لنا د. سعيد هادي بن وهاس بأن البرمجة العصبية هي باختصار وسيلة من وسائل تحسين التواصل واكتساب المهارات التي استهوت الكثير عبر قارات العالم وأثبتت جدواها في مجال التنمية البشرية. والبرمجة اللغوية العصبية في نهاية المطاف مزيج من التنظير في علم النفس وعلم اللغة العصبية وهي ليست علماً قائماً بذاته ولا تدرس في الجامعات كتخصص فلم أر أو أسمع أن هناك جامعة تملك تخصصاً أكاديمياً اسمه قسم البرمجة اللغوية العصبية؛ وبالتالي هي ليست تخصصاً أكاديمياً يمنح الدرجات العلمية، وليست قائمة على المنهج التجريبي، وإنما محاولة أثبتت جدواها في المجال التطبيقي المشار إليه، وهي في ذات الوقت ليست مهنة بأي حال من الأحوال، ونمت وترعرعت البرمجة اللغوية العصبية في الدول المتقدمة وتمت الاستفادة منها وحققت أهدافها في المجال الإداري والتنموي والفردي من قبل الآخرين (الأفراد) لتحسين التواصل واكتساب المهارات. ومن الملاحظ أنها في تلك الدول لم تخرج عن نطاقها الذي من أجله أسست، فلم أسمع أنها علاج نفسي تمارس من قبل الجميع. وعلى ذات السياق يقول د. عبدالله بن عبدالعزيز اليوسف: تمثل البرمجة اللغوية العصبية إحدى تيارات الموضة التي سادت في المجتمع العربي السعودي في فترة من الفترات وارتبطت بأفراد يقدمون دورات تدريبية لهذا الفن. ويعتقد د. اليوسف أنه يمكن اعتباره طريقة أو فناً وليس علماً، حيث إنه خليط من نظريات علم النفس والاتجاهات وأساليب الإقناع والتأثير في الآخرين المتعارف عليها منذ وقت طويل، وتم إضافة هذا المصطلح عليها لكي يعطيها البريق والجاذبية لجمهور المتلقين، ولا يمكن إطلاق مصطلح علم على البرمجة اللغوية العصبية، حيث إن العلم والنسق العلمي له مكونات معينة لا تتوافر في ما يطرح حول هذا الاتجاه الجديد.

استنزاف جيوب الناس وفي السنوات الأخيرة لم تعد البرمجة اللغوية العصبية حادثة عابرة، بل أصبحت ظاهرة تستوجب التوقف عندها ودراستها دراسة موضوعية كما يرى د. سعيد بن سعد الزهراني الذي يقول أيضاً: في اعتقادي الشخصي أن المسؤولين في وزارة الصحة بما على عواتقهم من مسؤوليات وبما لديهم من علمية ومهنية وضوابط نظامية، وكذلك المؤسسة العامة للتعليم الفني توصلوا إلى أن هذه الظاهرة يجب أن توقف عند هذا الحد على الأقل في الوقت الراهن. وربما ما سأقوله هنا قد يكون من أحد تلك الأسباب، فالحقيقة أن بعض مدربي وممارسي البرمجة اللغوية العصبية حاول تقنين ومن ثم توظيف مفاهيمها أو تقنياتها توظيفاً فيه النفع والفائدة، وذلك بعد أن أخذ بصالحها وترك طالحها، إلا أن البعض الآخر - أي السواد الأعظم - حاول أن يتكسب من ورائها تكسباً إما مادياً أو معنوياً. وأقصد بالتكسب المادي استنزاف جيوب الناس الذين دفعتهم الحاجة إلى المعرفة أو أولئك البسطاء الذين أرغمتهم المعاناة إلى البحث عن أسباب العلاج والشفاء على يد أناس أصبح لأسمائهم رنين ولمعان من خلال تسللهم عبر وسائل الإعلام واختراقهم للتجمعات الثقافية والعلمية والاجتماعية، مرصعين أسماءهم بألقاب علمية ومهنية ودينية كالدكتور والشيخ والمهندس.. إلخ.

ويستطرد د. الزهراني قائلاً: ولعلي أذكر هنا حادثة تثير استغراب القارئ الكريم وهي أن مؤسسة للتجارة والمقاولات، نعم مؤسسة للتجارة والمقاولات تقدم العلاج باستخدام البرمجة اللغوية العصبية من خلال شباب وشابات لا تتجاوز أعمارهم الخامسة والعشرين عاماً وبأسعار تصل إلى (005) ريال للجلسة الواحدة، وهذه المعلومة لم تقل لي، بل وقفت عليها بنفسي عندما ذهبت لزيارة تلك المؤسسة التي أعلنت عن خدماتها في إحدى صحفنا المحلية!! أمر آخر وهو أيعقل أن يتلقى أستاذ في كلية الهندسة أو الإدارة أو مدرس أو عاطل عن العمل تدريباً لمدة أسبوع أو شهر أو حتى سنة في طب الأسنان ويعود بعدها ويقول لنا أستطيع أن أعالج أسنان أطفالكم ورجالكم ونسائكم و.. و.. إلخ؟!! بكل تأكيد هذا لا يعقل، ولكن ما لا يعقل في علاج الأمراض الجسدية المحسوسة كان معقولاً ومقبولاً لدى البعض من ممارسي البرمجة عندما ادعوا مقدرتهم على علاج معاناة واضطرابات النفس البشرية، تلك المعاناة التي لا يظهر دليل ملموس على أخطاء وعبث من يقوم بعلاجها، لا لست أعمم فأنا أعرف أن البعض من ممارسيها لم يذهبوا إلى هذا الحد، ولكن بعض ممن تتلمذوا على أيديهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك بكثير، فقد أصبحوا في الآونة الأخيرة يخرجون علينا بمزيج من البرمجة والعلاج بالفن والطاقة وخط الزمن، حيث وجدوا لهم - بعد أن أغلق باب البرمجة اللغوية العصبية - مداخل أخرى يسمونها ببرامج التدريب على تطوير الذات وبرامج التدريب على إخراج أو إطلاق العمالقة من داخل الإنسان، وأتمنى ألا نسمع منهم المزيد، ويتمنى د. الزهراني على المسؤولين أن يدركوا أن أولئك استبدلوا فقط طربوش البرمجة بطرابيش أخرى، أما ما تحت تلك الطرابيش البديلة فهي البرمجة اللغوية العصبية بشحمها ولحمها، وأعتقد أنه آن الأوان لوجود ما يمكن تسميته بحماية الإنسان من عبث هؤلاء، وذلك على غرار ما يُسمى بحماية المستهلك.

المتاجرة بالعلم ويلاحظ أ. د. زايد بن عجير الحارثي في تطرقه لمحاور هذه القضية أن ظاهرة التسوق والمتاجرة بالعلم قد انتشرت في الآونة الأخيرة، كما ظهرت في سنوات خلت ظاهرة تعلم اللغات في عدة أيام أو عدة ساعات ثم اكتشف الناس أن المسألة أعقد وأكبر من تعلم لغة في زمن محدود، والحال كذلك الآن وبنفس الأسلوب في المتاجرة بالعلم واستغلال الناس والكسب المادي من ورائهم تحت تغيير شخصياتهم وبرمجتهم لغوياً أو عصبياً أو إعادة تشكيل عقولهم أو شخصياتهم أو تحسين ذكائهم أو الارتقاء بمواهبهم أو هندسة نمط سلوكهم أو تفكيرهم، كل ذلك من خلال دورات قصيرة بعضها لا يتجاوز عدة ساعات أو أيام.. فهل يعقل أن يتم مثل هذا العمل أو مثل هذه البرمجة في هذا الزمن القصير؟ أين إرادة الإنسان؟ وأين ثقافته والخلفية المختلفة عن عقيدته وعاداته وتقاليده؟ ويواصل د. الحارثي (هجومه) على البرمجة العصبية اللغوية قائلاً: إن ما يسمى بالبرمجة العصبية واللغوية هي مجرد فنيات مستفادة من نظريات أغلبها من علم النفس وعلم النفس السلوكي على وجه الخصوص. ولم يحدث أن ادعى علماء النفس أو علماء الطب النفسي أو غيرهم من العلماء أنه يمكن اقتباس بعض المعطيات من مثل هذه النظريات أو غيرها وتطبيقها على البشر والادعاء بأنها تقوم بتغيير شخصياتهم وأنماط تفكيرهم، فالشخصية الإنسانية من التعقيد والتركيب الرباني الذي لا يسهل معه التأثير فيه في أسبوع أو حتى شهر. وإذا كان تغيير الاتجاهات والآراء هي من أسهل العمليات النفسية تستغرق شهوراً، بل ربما سنوات فكيف بأنماط التفكير والمخ والأعصاب. إنها أساليب رخيصة ومكشوفة من العبث والمتاجرة بالعلم من غير المتخصصين أو إنصاف المتخصصين. تحفظ رئيسي إن التحفظ الرئيسي على البرمجة العصبية بشكل عام هو استخدامها في المجال الطبي والنفسي وهي ليست كذلك كما يخبرنا د. سعيد بن وهاس، فلم ترد البرمجة العصبية في أي مصدر طبي أو نفسي محلياً أو عالمياً أنها علاج نفسي وليست معترفاً بها كنوع من أنواع العلاج النفسي إطلاقاً، ولم تجرب علمياً مع مرضى لأنها ليست كذلك (بمعنى أنها وكما قلت وسيلة لتحسين التواصل وليست علاجاً). ويعلم الجميع أن الممارسة الطبية والنفسية قائمة الآن على ما يعرف بالعلاج المبرهن بالدليل. والبرمجة اللغوية العصبية ليست في الأصل وسيلة علاجية لتجرب بالدليل، مع العلم أن هناك من المختصين في المجال النفسي من يمارسها وينادي بها ويعمل دورات تدريبية فيها وهو يعلم يقيناً أنها ليست علاجاً. وهنا أقول لهم - والحديث ما زال للدكتور وهاس - إن هناك العديد من العلاجات النفسية المبرهنة بالدليل؛ والتي أثبتت جدواها في المجال النفسي مثل العلاج المعرفي والسلوكي والعلاج بتحليل التعامل.. إلخ. والتي يستطيعون بعد التدريب المتخصص ممارستها، هم يعلمون ذلك، ولكن لست أدري لماذا الدفاع عن البرمجة اللغوية العصبية وهم يعلمون أنها ليست وسيلة علاجية وغير معترف بها في المجال النفسي وغير مثبتة بالبرهان العلمي كعلاج وترك الوسائل المثبتة بالدليل العلمي!! الرأي المخالف أما الأستاذ سعد العباد فيملك رأياً مخالفاً لمعظم من شاركوا في هذه القضية إذ يدافع عن البرمجة العصبية واللغوية قائلاً: مفهوم البرمجة اللغوية العصبية هو فن التأثير والتغيير والتواصل مع النفس والآخرين فيما يضمن التقدم والازدهار والعيش بإيجابية، وهو نتاج مجموعة من العلوم، واستفاد من نظريات وقوانين وأساليب عدد من العلوم مثل الطب والإحياء والنفس والاجتماع والإدارة والحواسيب وغيرها، واستطاع هذا الفن (N.L.P) أن يجد علاقات وروابط بين نتائج ونظريات وقوانين هذه العلوم المتفرقة مما جعل نتائج هذا الفن سريعة وقوية التأثير، وهذه النتيجة وضعته في قفص الاتهام، فوصف بالدجل تارة، وبالسحر تارة، وغيرها من الأوصاف التي ربما لاقت طريقها إلى تحذير وزارة الصحة، ويرى العباد كذلك أن هذا الفن(N.L.P) كغيره من العلوم البشرية يحتوي على الغث والسمين، والجيد والسيئ، الطالح والصالح، وهذا ليس مسوغاً لرفض هذا الفن والتحذير منه!! ولو افترضنا صحة هذا الأسلوب لتم رفض جميع العلوم، كما أن كل العلوم قابلة للصواب والخطأ وتخضع للمحاولة والتجريب لأنها تبقى علوماً بشرية، فكل يؤخذ منه ويرد إلا ما نزل من السماء كتاب الله القرآن الكريم وأحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.

مفاهيم ضبابية وفضفاضة ويـرد د. سعيد الزهراني على ما طرحـه الأستاذ سعد العباد قـائلاً: أعتقــد أن النقاش حول فلسـفة ومفاهيم ومنهج البرمجة اللغــوية العصبيـة هــو أفضل ساحات الحوار لأولئك الغلاة من مناصريها، أقول ذلك لأن مفاهيمها ضبابية وفضفاضة وبالتالي يستطيع أي إنسان أن يلبسها الملبس الذي يريد، فإن أراد البعض إلباسها البنطلون والقميص فله ذلك، وإن أراد آخر إلباسها الثوب فله ما يريد، وإن أراد ثالث إلباسها ملابس رهبان البوذية فإنها لا تمانع، وحتى من يريد أن يجردها تماماً فلن تقول لا.

ولكي أكون منهجياً في النقاش فإنه يستحسن أن نتتبع نشأتها، والتعرف على ما إذا كانت قائمة على المنهج العلمي أو أنها مجرد مجموعة من البدع أو التقنيات.

ومن المفيد أن أقول إن المعرفة الإنسانية بجميع فروعها ما هي إلا نتاج تراكمي للخبرة والفكر الإنساني منذ بدايات الخليقة، ولا بأس أو ضرر طالما أن أسسها ترتكز على المنطق والعلم ولا تتعارض مع قيم ومعتقد الآخر وتعود بالنفع على الإنسان. وبعد ما سبق وقبل أن أبدي رأيي فيها تعالوا نستمع ونستشهد ببعض أقوال رواد البرمجة اللغوية العصبية مثل (روبرت ديلتس) الذي يعتبر أحد منظريها ومؤسسيها وكذلك (جوزيف أوكونور) وغيرهم، حيث يقولون إنها تعتمد في بعض تقنياتها على السحر الذي يرون أن علاقته بها علاقة وثيقة، ويضيفون بأن تقنياتهم تعتمد أيضاً على التأمل الذي استمدوه من المذهب البوذي، كما يقولون بأن لديهم موقفاً واضحاً ومحدداً من الدين، حيث يعتبرون أن الوحي - كما هو في الدين الإسلامي - ما هو إلا أوهام وتخريفات حسية!! ولمن يرد المعرفة أكثر عنهم وعنها فإنني أعيــده - وإن كنت لا أنصحه - إلى موسوعة البرمجة اللغوية العصبية (Encyclopedia of Systematic NLP) لروبرت ديلتس. ويقول د. الزهراني أيضاً: إن أي باحث علمي يبحث عن الحقيقة وليس يبحث عن انتصارات ذاتية ليحقق من ورائها بعض الإشباعات المادية والمعنوية الوقتية؛ أقول إن ذلك الباحث العلمي لا بد له إلا أن يقف مشدوهاً أمام هذا المزيج الغريب من المفاهيم. وخلاصة القول - وربما يحسب لمنظريها - هو أن أي واحد منهم لم يقل عنها بأنها علم، ولذا أقول بأنها ليست إلا خليطاً من المعارف والخبرات الإنسانية والمعتقدات والطقوس الغريبة التي لا ترقى لأن تكون علماً قائماً يخضع لشروط المنهج العلمي. وعموماً فالمثل الشعبي يقول (ما يمدح السوق إلا من كسب فيه) لذا ستجد قلة قليلة في كل زمان ومكان تناصر الشيء الذي تتكسب من ورائه ويظلون ينافحون، بل وربما يلوون عنق الحقيقة جهاراً من أجل المحافظة على مكاسبهم.

وفي الغرب أنظمة وقوانين واضحة تحد من مثل هذه الظواهر والممارسات الخاطئة، ولكن لدينا كما يقول د. الزهراني نجد أن أصواتهم عالية وصورهم تنافس صور مشاهير السياسة والفن والرياضة، وأبواب الإعلام الرســمي وشبه الرسمي مشرعة لهم. وكم يشعر الإنسان بالأسى عندما يتحول جهاز رسمي كالقناة الأولى في تليفزيوننا إلى وسيلة دعائية لهم ولمن هـم في ركبهم، فالكل شاهد أحد أولئك يقدم برنامجاً تليفزونياً بعد الإفطار رغــــم أن شقيقتكم صحيفة الرياض كشفت بالأدلة جميع أوراقه، وأظن أن الكثير يعرف أنني أقصد ذلك الدكتور الوهمي الذي يتقاضى على الجلسة الواحدة والتي لا تتجاوز مدتها خمساً وأربعين دقيقة مبلغاً قدره ستة آلاف ريال سعودي، ها هو يمتطي صهوة شاشة القناة الأولى كما امتطاها أول مرة من خلال برنامج مستشارك حين قدمه للناس ليستنزف - بعد أن ذاع صيته - جيوب البسطاء وأصحاب الحاجات منهم، فماذا أنتم فاعلون يا مسؤولي قناتنا الأولى؛ هل هو مجرد كلام؟ وهل كلام الليل يمحوه النهار؟ وهـل تعودون للبحث عن الدكتور الهاشمي؟ ذلك المقلب الشهير إذ قـدمـه برنامج مستشارك فربما نراه هو الآخر يقدم برنامجاً رمضانياً في العام القادم. وهل نسمع أن فاتورته ارتفعت إلى (21) ألف ريال سعودي للجلسة الواحدة بفضل دعايتكم المجانية الجديدة له. علامات ودلائل هناك من يشير إلى أن البرمجة اللغوية العصبية تركت الولايات المتحدة الأمريكية من اثني عشر عاماً كما يخبرنا أ. د. محمد حمزة السليماني ورحلت إلى أوروبا واستراليا وغيرها من الدول؛ كما أن تدريب البرمجة اللغوية العصبية لا يؤهل بصورة كافية لممارسة العلاج النفسي كما يعتقد البعض. وفي منظور د. سعيد بن وهاس فإن هناك حاجة ماسة لتقنية البرمجة اللغوية العصبية وقصر استخدامها في الأغراض التي أسست من أجلها (تحسين مهارات التواصل) ومنع استخدامها كوسيلة للعلاج النفسي خاصة من قبل العامة وتقنين الدورات التدريبية فيها. كما أن الإيحاء والتعامل مع التفكير من الأسس التي تقوم عليها البرمجة اللغوية العصبية، وهما أمران في غاية الخطورة خاصة في هذا الزمن (التلوث الفكري) وبالتالي وضع مثل هذه الوسيلة في يد الجميع من خلال الدورات التجارية واستضافة من لا يعرف توجهه أو منهجه أمر آخر في غاية الخطورة، مع العلم أن البرمجة اللغوية العصبية لم تنل من الاهتمام مثل ما نالته في مجتمعنا، ولعل السبب وراء ذلك أنها وسيلة لجلب المال والربح والاستثمار في عقول الناس وعواطفهم. ويأمل د. ابن وهاس استفتاء طلبة العلم الشرعي عن كنه البرمجة اللغوية العصبية وجذورها. ويأخذ د. عبدالله اليوسف تعبير (التلوث الفكري) الذي ذكره د. ابن وهاس مؤكداً أنه أخطر من التلوث البيئي وإذا لم يكن هناك تقنين لبعض المجالات فسوف نرى موضات جديدة من الفكر بأطر مختلفة. ولا يشك د. اليوسف بأن المتلقي العادي والبسيط الذي يريد أن يغير نمط حياته بالمنهج العلمي سوف يكون هو الضحية الصامتة في هذا البحر الهائج من الموضات المختلفة. وهنا يجزم أ. د. زايد الحارثي بأن المؤسسات الأكاديمية والعلمية المحترمة والمرموقة الدولية تأبى على نفسها القبول والاعتراف بمثل هذه الممارسات في بعض المعاهد التجارية أو الجهات غير المعتمدة.

 

http://www.alfowz.comالمصدر: