إصلاح ذات البين
أخي المسلم، أختي المسلمة:
إنَّ مِنْ ديننا الحنيف فريضة عظيمة، وفضيلة كريمة، ومبدأ شريف، وما كَثُرَت الْمَصَائِب، ولَا حَصَلت الْمُشكلات، ولا تزايدت الْمُشَاحَنَات بَيْن مكونات هذه الأمة من أفراد، وجماعات، وقبائل، ودول..إلا بعد غياب هذه الفريضة، وهذا المبدأ من حياة كثير من المسلمين.
ونعني بهذه الفريضة العظيمة:
إصلاح ذات البين
فَإِنَّه ما تَوتَرَت العِلَاقات، وتَبَدَّل ود الْمَحَبَّات وَالصَّداقات إِلا بعدما ضَعُفَ القيام بيننا بهذه الفريضة، والكلام في هذا الموضوع كَلَام ذو شُجُون، وحتى لا يذوب الكلام على الشفا، نُرَكِّز الكلام فِي هَذَا الموضوع في العناصر التالية:
1 إصلاح ذات البين فريضة واجبة.2 بيان الثواب الجزيل للقائم بإصلاح ذات البين.
3 عقوبة المفسد لذات البين. 4 - مفسدات ذات البين.
5 واجبنا تجاه هذه المفسدات. 6 أسباب التواصل بين المسلمين.
وأخيرًا: من الذي يستحق الهجر؟
أولا: إصلاح ذات البين فريضة واجبة:
إصلاح ذات البين فريضة وواجب؛ لأمر الله الصريح في كتابه: يقول الله - عز وجل -: (فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [الأنفال: 1].
فالوجوب مأخوذ من هذه الآية من وجوه عديدة:
الأول: أنَّ الله - عز وجل - رَبَطَ هذا الأمر بتقوى الله، وتقواه هي أوجب الواجبات، وأكد الفرائض
الثاني: أَنَّه أَمَر بذلك أمر صريحا، لا يحتمل التأويل، فقال: (وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ).
الثالث: أنه رَبَطَ ذلك أيضا بطاعة الله - عز وجل -، فقال: (وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ).
الرابع: رَبْطِهِ بطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ).
الخامس: أَنَّّ الله - عز وجل - عَدَّ ذلك من الإيمان، وجعله شرطًا له؛ فقال (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).
وأما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإصلاح ذات البين فيظهر جليًا فيما أخرجه البخاري ومسلم مِنْ حَدِيثِ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ - رضي الله عنها - وأرضاها - أَنَّ النَّبي - عليه الصلاة والسلام - قال: (لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا) (1).
وقالت: لَمْ يُرَخِّص في شيئا مما يقوله الناس إلا في ثلاث في الحرب، وفي إصلاح ذات البين، وفيما يقوله الرجل لزوجته، أو تقوله الزوجة لزوجها.
فانظر كيف أَنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أَرْخَصَ بِالكَذِبِ مع بشاعته مِنْ أجل إصلاح ذات البين.
وأيضًا مما يدل على وجوب هذا المبدأ الشريف:
أن الله أذن للمؤمنين بمقاتلة من بغي من المسلمين وأجاز الله - سبحانه وتعالى - إشهار السيف في وجوه المؤمنين، وضرب رقابهم وأعناقهم مع ما فيه من سفك الدماء وإزهاق الأرواح، والمفسدة التي تتحمل لأجل المصلحة العامة، وهي إصلاح ذات البين.
من هذا يُعْلَم أَنَّ إِصْلَاح ذات البين واجب؛ بل من أَوْجَبُ الواجبات، وفَرْضٌ، بل من أَكَد الفروض.
ثانيًا: بيان الثواب الجزيل للقائم بإصلاح ذات البين:
وأما فضيلة إصلاح ذات البين فَلِمَا جاء فيه مِنْ الثواب والأجر العظيم في الآيات والأحاديث، فمنها قوله - سبحانه وتعالى - (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: 114].
وقال - تعالى -: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) إلى أن قال - تعالى - وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيما ً) [النساء: 128- 129].
وقال - تعالى -: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 160].
والآيات في هذا أيضا كثيرة، منها ما يشير بِالنَّص، ومنها ما يُلمح إلى ذلك بالمعنى.
أما الأحاديث جاء في ذلك ما ثبت عند الإمام احمد وأبي داود والترمذي أن النبي - عليه الصلاة والسلام -، قال: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟
قَالُوا: بَلَى!
قَالَ: صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ) (2).
وفي رواية قال - عليه الصلاة والسلام -: (لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ) (3).
فمن هذه النصوص ترى أَنَّ الله - عز وجل - أَمَرَ بذلك، ورَتَّب عليه الثواب الأَسْنَى، والجزاء الأَوْفَى.
أَمَرَ بإصلاح بين الناس في العلاقات الفردية، وفي العلاقات الزوجية والأسرية، والروابط الاجتماعية وفي العلاقات الدولية، والأممية والقبلية، وفي كل العلاقات بين الأفراد والجماعات والأمم، أَمَرَ الله بذلك، وأكَّد عليه.
وكما أَنَّ هذا الإنسان - الذي أَخَذَ على عاتقه أن يصلح بين الناس - ممدوح عند الله - عز وجل -، وعند المؤمنين فهو كذلك ممدوح عند العقلاء، مضت سنة عقلاء الناس أنهم يحترمون ويُبَجِّلون ويُقَدِّرون هذا الذي يُصلح بين الناس، ويسعى بينهم لحقن الدماء، ونعلم تلك القصيدة التي سَطَّرَها التاريخ، وعَدَّها الجاهليون من أروع المعلقات التي قالها زهير ابن أبي سُلمى، سَطَّرها في مدح الحارث بن عوف، وصاحبه هرم ابن سنان لما سعيا بين عبس وذبيان بالصلح فحقن الله بهما دماء القبيلتين فكان مما قال:
يَمِينًا لَنِعْمَ السَّيدَانِ وجِدْتُمَا *** عَلَى كَلِّ حَالٍ مِنْ سَحِينٍ وَمُبْرِمِ
تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعْدَمَا *** تَفَانوا وَدَقُوا بَيْنَهُم عِطْرَا مَنْشَمِ
وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكَ السِّلْمَ وَاسِعًا ** بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنْ الْقَولِ نَسْلَمِ
فَأَصْبَحتُمَا فِيهَا عَلَى خَيْرِ مَنْزِلٍ *** بَعِيدَينِ فِيهَا عَنْ عُقُوقٍ وَ مَأْثَمِ
عَظِيمَينِ فِي عَلْيَا مَعَدٍ وجِدْتُمَا *** وَمِنْ يَسْتَبِح كَنْزًا مِنْ الْمَجْدِ يُكْرَمِ
إلى أخر ما قال.
والشاهد: إِنَّ هذا الذي يسعى بين الناس بالصلح محبوب ومحترم عند الله - عز وجل - معترف له بالفضيلة عند خلقه.
ثالثًا: عقوبة المفسد لذات البين:
وبعد أن علمنا ما للمصلح لذات البين من فضل، وما أعد الله له من ثواب جزيل، وحتى تتضح الصورة نذكر عقوبة المفسد لذات البين، فهناك نوع من البشر عكس الأول تمامًا وضده؛ وهو النَّمَام القَتَّات السَّاعِي بين الناس في القطيعة، الساعي بينهم في الدماء، الساعي بينهم بمقالة السوء، بقطع العلاقات، وبنشر الخزايا، وبنقل كلمة السوء؛ يتطوع من غير أجر، ويطيع شيطانه، ويطيع أهوائه، فإِنَّ ذلك مذموم وممقوت، وَمُتَوَعَد بالعذاب عند الله، وهذا النوع ذموم بذم الله - عز وجل - كما في قوله: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ? هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ? مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ? عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ? أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ? إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ?) [القلم: 10- 15].
بل وثَبَتَ عَنْ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ) (4).
وثَبَتَ في الصحيحين من حديث ابن عَبْاسٍ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بقبرين، فقال إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: )مَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) (5)
فَعُلِمَ من هذا ذم ذِي الوَجْهَين وهو النَّمَام الذي ينقل الكلام مِنْ هَذَا إِلَى هَذَا، ومِنْ هذا الشَّخص إِلَى هذا الشَّخص، ومِنْ هذه العشيرة إِلَى تلك العشيرة، ومِنْ هذه الدولة إِلَى تلك الدولة، ومِنْ الرعية إِلَى الحاكم، ومن الحاكم إِلَى الرَّعية من أجل الإفساد بين الناس، فينجم من هذا، وينشئ فَسَادٌ عَظِيمٌ وَشَرٌ كَبِيرٌ.
رابعًا: مفسدات ذات البين:
إِنَّنا إذا تَأَمَّلْنا الأسباب التي تؤدي إلى قطع المودات، وإفساد ذات البين وجدتها أمورًا معلومة معروفة، وعلاج ذلك إِذَا عُرِفَ الدَّاء سَهُلَ الدَّوَاء
فأساس ذلك:
[1] ترك طاعة الله - عز وجل -، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما أمرنا به، ونَهَانَا عنه، قال - تعالى -: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال: 46].
ومن أعظم ما أمرنا الله - عز وجل - به، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - التزام الأخلاق الإسلامية؛ الصفح عن من ظلم، والإحسان إلى من أساء، والدفع بالتي هي أحسن، والأمر بالعرف، والأخذ بالعرف، وإِلَانَة الجانب، ولين الحديث، والهشاشة والبشاشة مع المسلم، وحُسْن الظَّن بالمسلمين إلى غير ذلك، كلُّ ذَلِك مِمَا أَمَرَنَا الله - عز وجل - به قال - تعالى -: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: 199- 200].
وقال - تعالى -: (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [الشورى: 43].
بل إِنَّ الله - عز وجل - أَمَرَنَا بذلك، حتى مع الكفار غير المحاربين، قال - تعالى -: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: 89].
وقال - تعالى -: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [العنكبوت: 46].
وقال (: (قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ) [الجاثية: 14].
فكيف بالذين يرجون أيام الله، ويخافون عقابه؟!
فنظرًا لِغِيَاب هذا الأمر تَبَدَّل وُد الإخاء بين المسلمين، وعمَّت القطيعة والشقاق بين المسلمين، حتى هَجَرَ بعضهم بعضا في السلام والزيارة وصلة الرحم؛ لأمور مادية حقيرة، لا لأمور شرعية معتبرة.
[2] الهوى، والكبر، وبطر الحق وغمط الناس.
وهذا يظهر جليًا في هذا الزمان وفي هذه الأيام، وهو من أعظم ما أفسد ما بين المسلمين، وهو كما عَرَّفَهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال كما عند مسلم من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ) (6).
[3] الْجَهْلُ والْجُّهَال:
كذلك من الأمور التي تفسد بين المسلمين " الجهل "؛ فإنَّ كثيرًا مِنْ الناس لِجهلِهِ بكثير من أمور الدين إذا حَفِظَ مسألة علمية طَبَّقَهَا على مَنْ لا يستحقها، لذلك فيطبقها على المسلمين، بل وربما على بعض دعاة المسلمين، ويُحَذِّر منهم، ويقطع صلتهم، ويُحَرِّض إخوانه على قطيعتهم، وما أشبه ذلك.
وما أحسن الكلمة التي قالها الإمام سُحْنُون - الثقة العالم عليه - رحمه الله - قال عليه رحمة الله كلام معناه: " إن الرجل قد يحفظ بابًا مِنْ العِلْمِ فَيَظُن أنَّه الْحَقَ كُله ". اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - عليه رحمة الله -: " فإذا ترك الناس بعض ما أنزل الله - سبحانه وتعالى - جهل أو هوى وقعت بينهم العداوة والبغضاء إذ لم يبق جامع مشترك من الحق يجتمعون عليه (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [المؤمنون: 53] " (7). اهـ
[4] التَّعَصب:
وكذلك مما يُعْمي البصر والبصيرة، ويُأَجِّج العدوات بين المسلمين " التعصب لِبَلَد "، أو " التعصب لقبيلة "، أو "التعصب حتى لشيخ"، أو "لِعَالِم"، أو "لِشَخْصٍ من الناس"، أو "أَنْ يتعصب أهل الزوجة للزوجة"، أو "أهل الزوج للزوج"، فيحرض كل واحد الآخر على قطيعة ود المسلم، وينشأ من ذلك الشجار و المشكلات، والمقاطعات.
[5] الْمِرَاءُ والْجِدَالُ:
وأيضا مما يسبب العداوة والقطيعة بين المسلمين " المراء والجدال؛ فَالْجِدال أَمْرٌ خطير، حتى ولو كان بِالحق أحيانا، فَإِنَّه قد يتغلب على الإنسان شيطانه وهواه حتى يعميه عن الحق، ويصبح جداله من أجل نفسه، ومن أجل أن ينتصر من خصمه، ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام - (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا) (8).
وأخرج البخاري أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: (لَا يُؤْمِنُ الْعَبْدُ الْإِيمَانَ كُلَّهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْكَذِبَ فِي الْمُزَاحَةِ وَيَتْرُكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا) (9).
فالْمِراء وكثرته يُفْسِد ود القلوب، ويُقَسِّي القلب ويُجْفِيهِ، ويخلق الضغائن، ويقطع المودات والعلائق الحسنة بين المسلمين.
[6] فتح باب قالة السوء وسعة الصدر لاستقبال المفسدين النمامين:
ومما يُفْسِد العلائق بين المسلمين أن كثير من الناس يأته الناس بقالة السوء يحملها عن أخيه المسلم فيستقبله بصدر رَحِبٍ ويهش له ويبش، ويأخذ كلامه مَأْخَذ الْجِد، وقد يكون قول له حقيقة وقد يكون لا حقيقة له، ولكنه بكل حال رجل نَمَّام يجب على كل مسلم أن يرده وأن يغلق الباب في وجهه ولو عومل كل نمام هذه المعاملة لارتاح الناس من شر كثير.
جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى -ورضي عنه وأرضاه - فقال له قول في شخص، فقال عمر - رضي الله عنه - و- رحمه الله -: " يا هذا إن كنت صادقًا فأنت ممن قال الله فيهم (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ? هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ)وإن كنت كاذب فأنت ممن قال الله - سبحانه - فيه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)" [الحجرات: 6]
وقال الشافعي عليه - رحمة الله -: " نَزِّهوا أَسْمَاعَكم عَنْ سَمَاعِ الْخَنَى كَمَا تَنَزهُون أَلْسِنتكم عَنْ النُّطق بِهِ فَإِنَّ المستمع شَريك القَائِل وَإِنَّ السَّفيه ينظر إلى أخبث شيء فِي وِعَاءِهِ فيَحَرص عَلَى أَنْ يُفَرِّغُهُ فِي أَوْعِيَتِكُم وَلو رَدَّ النَّاس كلمة السَّفيه لَسَعِدَ بِذَلِك رَادوها كما شَقي بِذَلِك قَائِلُهَا "(10).
وما أحسن قول الحكيم
مَنْ جَعَلَ النَّمَام عَيْن هَلَكَا *** مُبَلِغُكَ الشَّر كبَاغِيهِ لَكَا (11)
ولذلك قال الفضيل بن عياض عليه - رحمه الله -: " ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة صوم ولا صلاة ولكن أدرك بسلامة الصدور وسخاء الأنفس والنصح للأمة".
[7] سوء الظن:
وأيضا مما يسبب القطيعة وفساد ذات البين بين المسلمين " سوء الظن "، وذلك أنَّ كثيًرا من الناس - والعياذ بالله- مُصَابٌ بِمَرض في نفسه، وهوى في قلبهِ؛ فتجد قلبه - عياذًا بالله - معمورًا بالحقد، مغمورًا بالحسد، لا مكان لحسن الظن للمسلمين في قلبه، بل وربما سافر من هنالك إلي هنالك كل ذلك من اجل نشر قالة السوء بين المسلمين، ولذلك قال الله - سبحانه وتعالى - بعدما أوجب الإصلاح بين المسلمين نبه الله - عز وجل - على الأمور الباعثة على إفساد العلائق بين المسلمين فقال - تعالى -(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا) [الحجرات: 11- 12].
وقال - عليه الصلاة والسلام -: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ) (12).
[8] التَّجَسُسُ وَالتَّحَسُسُ:
وأيضا: من الأمور الباعثة على فساد العلائق بين المسلمين التجسس والتحسس؛ ولِهَذَا نهَي الله - عز وجل - عنه بقوله: (وَلَا تَجَسَّسُوا) [الحجرات: 12]
قال ابن كثير عليه - رحمه الله -: "التجسس إنما يكون في الشر ومن ذلك الجاسوس" (13).
وقال - عليه الصلاة والسلام - (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا) (14)، ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - لمعاوية - نهى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه يعلم بما أَعْلَمَهُ الله أَنَّ أمور المسلمين ستصير إليه - نهاه عن تتبع عورات المسلمين وقال: (إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ) (15)
خامسًا: واجبنا تجاه هذه المفسدات:
أخي المسلم، أختى المسلمة:
أنت مدعو لِإحياء هذا المبدأ العظيم، لِإحياء هذه الفريضة، لِإحياء هذه الفضيلة، بل أنت مأمور في كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالتعاون على هذا الأمر بالتعاون على إصلاح ذات البين من المسلمين، والويل كل الويل لمن سَعَى بينهم بالإفساد والوقيعة والقطيعة.
الآن وقد علمنا المفسدات فما هو واجبنا نحوها؟!
1 الالتزام بطاعة الله - عز وجل -، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما أمرنا به، ونَهَانَا عنه.
2 - أَنْ نَحْذَر مِنْ الكبر والبطر، وأَنْ نقبل الحق ممن جاء به، فالحكمة ضالة المؤمن؛ هو أَوْلَي ممن قالها أيًّا كان حاله ومنزلته.
3 أَنْ نحرص على تعلم أمور الدين؛ حتى نُنْزِلَ الأمور مَنَازِلَهَا، وأَنْ نَحْذَرَ من الجهل والجهال.
4 أَنْ نطرح التِّعَصب والهوى جانبًا؛ فالحق هو ميزاننا الذي يجب أَنَّ نتعصب، والله - تعالى -أَمَرَنَا أَنْ نَعْدِلَ حتى مع الأعداء، فقال - تعالى -: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ) [المائدة: 8].
5 أَنْ نَبْتَعِدَ عن الجدال، إلا جدالًا للحق، وجدالًا لمعرفة الحق، وجدالًا بالتي هي أحسن، فإِذَا ما خاف الإنسان أَنْ يُخْرِجَه ذلك عن طور اعتداله فليمسك.
6 أَنْ نَرُدَّ قالة السَّوء، وأن نُغَلِقَ البَّاب أَمَام مَنْ يَنْقِلُهَا، وأَنْ نُنَزِّه أَسْمَاعَنَا عن هذا كله.
7 أَنْ نَتَجَنَّب سوء الظَّن بالمسلمين، ونتمثل قول الله - عز وجل -: (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ).
8 أَنْ نَجْتَنِبَ تَتَبُّع العَوَرَات، والتَّجَسُّس، والتَّحَسُّس، وأن نلتزم أمر الله - عز وجل - (وَلَا تَجَسَّسُوا).
فإذا التزمنا هذا وغيره كثير مما لا يتسع له المقام نكون بإذن الله قد سعينا بشكل إيجابي لحل هذه المشكلة ولإعادة هذه الفريضة الغائبة إلى واقع المسلمين.
سادسًا: أسباب التواصل بين المسلمين:
فَإِذَا عَلِمْتَ هذه الأسباب الْمُفْضِيَة إِلَى القطِيعة والتَّشَاحُن والتَّدَابُر بين المسلمين، فاتقِ الله وعليك بضدها وسُدَّ أبوابها ولا تَجِد لها مكان في قلبك.
أصلح ما بينك وبين المسلمين، فقد قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ؛ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ).
لا يحل لمسلم أن يسعى في إفساد ذات البين بل لا يحل لمسلم أن يرى القطيعة بين المسلمين ويقف مكتوف الأيدي، بل واجب عليه من خلال ما ذكرت من النصوص أَنْ يسعى قدر استطاعته وجهده إلى الإصلاح بينهم.
وأخيرًا: من الذي يستحق الهجر؟
لقد أشرنا إِلَى أَنَّ مَنْ يستحق الهجر يُهْجَر، ولكن ذلك راجع للمصلحة كما قرره أهل العلم، وقد هَجَرَ رسول الله - عليه الصلاة والسلام -، ولا زالت سنة الهجر بين المسلمين مُتَّبَعَة، والتحذير من صاحب الفسق، والداعي إلى الشَّر، وأهل النفاق الذين عُرِفوا في إشاعة الفاحشة بين المسلمين، والدعوة للشر والكفر والضلال من خلال القنوات الإعلامية، وصفحات الجرائد وغيرها، وأصحاب الدعوات المشبوهة، وأصحاب المبادئ المنحرفة من الرافضة والإسماعيلية وغيرهم وأهل البدع والضلالات من المعطلة والمؤولة.
يُهجَر المنافِق، ويُهْجَر المفسد العَلْمَانِي الداعي إِلَى نَبْذِ الإسلام وخلعه، وإلى تبرج المرأة المسلمة، ويُحَذَّر مِنْهُ، ويُهْجَر المبتدع الإسماعيلي، والرافضي، والمبتدع الموالِي لهم، وغير هؤلاء من أهل البدع والأهواء.
فإِنَّ ذلك واجب، بل هو الواجب الذي يجب قطيعته، كل هؤلاء من عُرِفَ منهم بالدعوة إلى بدعته؛ فالواجب أن يُزجر، وأَنْ يُحَذَّر المسلمون منه ولا كرامة له، وأما الذي قَصَدْنا بالحديث فهو المسلم المؤمن الذي هو على صراط مستقيم وطريق قويم، فهذا حقه الوفاء والصلة والإخاء والمحبة أو على بعض الأخطاء التي لا تصل بحيث يستحق الهجر والتحذير منه.
أخي المسلم، أختي المسلمة:
إِنَّ مِنْ أنبل الأعمال وأفضلها أن يتلاقى الناس، وتتشكل اللجان لتصلح بين المسلم والمسلم، بين الجار وجاره، بين الزوج وزوجِهِ، بين الراعي والرعية، والرعية والراعي، بين العالم وطلبته، بين العالم والعالم، بين الداعية والداعية، بين القبيلة والقبيلة، إِنَّ حَقْنَ الدماء يَعْدِل عند الله - عز وجل - ثوابًا عظيمًا، وضد ذلك بضده، فَرُبَّ كلمة يُطْلِقُهَا جاهل سفيه، كلمة جاهلة، كلمة سفيهة، كلمة حمقاء لا يلقي لها بالًا، يُأَجِّج عداوة بين حيين، أو قبيلتين، أو شخصين من المسلمين حتى تسيل الدماء، ويخاض فيها وتزهق أرواح المسلمين البرآء، فنسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يستعملنا في الخير، وأَنْ يعصمنا من الشر، وأَنْ يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، إنَّه - سبحانه وتعالى - بر رحيم، جواد كريم، صلى الله وسلم وبارك على محمد، وأرضى اللهم عن أصحابه أجمعين، وعن التابعين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
المراجع:
ــــــــــــــ
(1) [صحيح] أخرجه البخاري (2692)، ومسلم (2605) من حديث أم كلثوم بنت عقبه - رضي الله عنها -.
(2) [صحيح] أخرجه الترمذي (2509)، وأبو داود (4919) من حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه -، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3 / 44).
(3) [حسن لغيره] أخرجه الترمذي (2510)، أحمد في المسند (1 / 167)، من حديث الزبير بن العوام، وله شاهد من حديث أبي الدرداء المتقدم، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3 / 17).
(4)[صحيح] أخرجه البخاري (6056)، و مسلم وهذا لفظه - (105) من حديث حذيفة - رضي الله عنه -.
(5) [صحيح] أخرجه البخاري (6052)، ومسلم (292) من حديث ابن عباس - رضي الله عنه -.
(6) [صحيح] أخرجه مسلم (109) وغيره من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.
(7)انظر " مجموع الفتاوى " (13 / 211).
(8) [حسن] أخرجه الترمذي (1933)، و ابن ماجه (51)، وحسنه الشيخ الألباني كما في " الصحيحة " (1/ 552 / ح 273).
(9) [صحيح لغيره] أخرجه أحمد في المسند (2 / 352)، والطبراني في " الأوسط " (5 / 208) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. وقال الألباني في " صحيح الترغيب والترهيب " (3 / 73): صحيح لغيره.
(10) رواه أبو نعيم في " الحلية " (9 / 123)، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (51 / 183).
(11) البيت ينسب لأبي العتاهية. وانظر " الأغاني " (4 / 40).
(12) [صحيح] أخرجه البخاري (6064)، ومسلم (2563) من حديث أبي هريرة ?.
(13) انظر " تفسير القرآن العظيم " (4 / 271).
(14) [صحيح] أخرجه البخاري (6064)، ومسلم (2563) من حديث أبي هريرة ?.
(15) [صحيح] أخرجه أبو داود (4888)، وابن حبان في "صحيحه " (13 / 72) من حديث معاوية ?، وصححه الشيخ الألباني كما في " غاية المرام " ص424.