التسطيح والإثارة والتبعية والابتذال أمراض تهدد الفضائيات العربية

أحمد وهدان

 

لا يجادل أحد في أن الفضائيات العربية الجادة كان له دور شديد الفعالية في تحرير المشاهد العربي من ربقة التليفزيونات الحكومية العربية، فلم يكن بوسع المواطن في أي قطر عربي إلا مشاهدة تليفزيون دولته فقط، وهو مملوك للحكومة ولا تقدم فيه إلا وجهة النظر الرسمية، التي يقدمها إعلاميون فاقدون للموهبة والمهارة، ويركزون على قضايا تافهة.

وبمجيء عصر الفضائيات، انطلق المشاهد العربي إلى آفاق جديدة، حيث الجرأة في الطرح واختيار الموضوعات، وحيث المناقشات الساخنة الصريحة، وحيث قادة المعارضة هم النجوم، وحيث التحليل المتعمقة للقضايا المختلفة.

ومع تعدد القنوات الفضائية العربية أصبحت الخيارات مفتوحة أمام المشاهد ينتقي منها ما يشاء.

لكن كان لظاهرة الفضائيات، رغم إيجابياتها الكثيرة، مثالب ومآخذ، تهدد الظاهرة كلها وتضعها في قفص الاتهام. وفي هذه السطور نناقش هذه السلبيات، وننبه إليها، ونحذر من خطورتها، آملين أن تصل هذه التحذيرات إلى المسئولين، فيتحمسون لها ويقومون بواجبهم أمام الله وأمام شعوبهم.

 

زلزلة صورة الأنظمة السياسية العربية

ترى الكاتبة الصحفية سها مصطفى أن مقولة "الرأي والرأي الآخر"، التي حاولت الفضائيات ترويجها في الشارع العربي الذي تتوجه له هذه الفضائيات، ليتناول مفرزات ونتائج الثورة الإعلامية في علاقات الناس مع بعضهم البعض، ومع الآخر، لكنها في الواقع لم تؤد إلى تغيير ثقافي اجتماعي في بنية العقلية العربية.

 

ولا شك أن البث الإعلامي الفضائي أرسى معايير مهمة في العمل الإعلامي، بتفجيره العديد من القضايا التي كانت تصنف في خانة المحظورات على الهواء مباشرة، وأكثر ما استطاعت هذه الفضائيات التأثير فيه هو زلزلة صورة الأنظمة السياسية العربية، ولكنها بالمقابل لم تستطع أن تهز قيد أنملة أو تغير في حياة الناس أو سلوكهم وعاداتهم. إن القضية لم تعد قضية شعارات وآراء، وإنما مجتمع كامل ينتظر نقداً جذرياً يجعله يعيد النظر في أدواره وحركته.

 

خطاب لشريحة المثقفين فقط!

وترى د. عبير سرور، أستاذة علم الاجتماع، أن برامج الفضائيات تحاكي شريحة المثقفين، وليس المواطنين الذين لن يقتنعوا بهذا الطرح، لأنه لا يقدم لهم شيئاً على الأرض الواقع، وبذلك تبقى أفكاراً نظرية، وهنا يحدث الانفصال بين المتلقي والمشاهد، وفي حال اقتنع المتلقي لن يستطيع تطبيق أفكار كهذه لعدم امتلاكه وعياً ديمقراطياً، لأننا كمجتمع تحكمنا عادات وتقاليد وموروثات ثقافية لا تقبل التغيير، ولذلك نرفض الأفكار الجديدة التي تتضارب مع موروثاتنا، لأن الثقافة العربية لم تصل لمرحلة التخلي والاكتساب لعناصر ثقافية جديدة.

 

أصابتنا بالاسترخاء والتبلد

بينما يعتبر الكاتب السياسي مجدي عبيد أن القنوات الفضائية الإخبارية العربية تتحمل قدراً من المسؤولية عن حالة الاسترخاء والتبلد التي أصابت الجسد السياسي العربي، فقد عملت على تأجيج المشاعر وتحفيز نوازع الرفض السياسي ومشاعر عدم الرضا بين جمهور المتفرجين والمشاهدين، ولكن ذلك أدى في نفس الوقت إلى نتيجة سلبية خطيرة وهي أن هذا الأسلوب أدى إلى حالة من "التدجين" السياسي من خلال تحويل مشاعر الرفض إلى مجرد مشهد تدور تفاصيله بين المشاهد والتلفاز من دون أن تخرج مثل هذه التعبيرات عن حدود مكان التلفاز.

 

فقبل ظهور الفضائيات العربية، كان الجسد السياسي العربي به بعض الحيوية والنشاط مكنت الجماهير في العديد من الأقطار العربية من إحداث تغييرات معقولة في مختلف مناحي حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكانت القدرة علي تحريك هذه الجماهير تمثل الرقم الأكثر أهمية في أية تغييرات سياسية، بحيث كان هدف أي حركة تغيير سياسي هو السيطرة على آذان الجماهير لتوجيهها إلى الوجهة المطلوبة والمنشودة. ولكن الآن، ورغم مئات الفضائيات الإخبارية التي تبث الكثير من البرامج التي تعالج قضايا كانت حتى وقت قريب واقعة ضمن الدائرة الحمراء، فضلا عن تسابقها علي نقل المشاهد الحية من ساحات الحروب والصراعات والأزمات وإبرازها بالصوت والصورة السلبيات المنتشرة في مختلف أعضاء الجسد السياسي العربي، إلا أن تعبيراتها الخارجية تظل حبيسة الداخل وفي أفضل الأحوال تبقى دائرة رد الفعل محصورة على مكان التلفاز ذاته.

 

ويعتقد مجدي عبيد أننا أصبحنا نثور ونرفض ونحب ونكره مع تحرك وتتابع المشاهد التليفزيونية ونفترض أننا فعلنا كل ما هو مطلوب منا لمجرد قيامنا بفعل المشاهدة، بل ويصل الوضع إلى حالة الإصابة بفيروس التبلد مع تكرار هذه القنوات نقلها لمشاهد العنف والصراعات وبالتالي تقوي مناعة المشاهد من الوقوع في شرك الانفعال والغضب من رؤية أية مشاهد مهما بلغت دمويتها وقسوتها حيث تصبح هذه المشاهد من الأمور الاعتيادية والمألوفة والتي لا تحمل أي جديد يدعو المشاهد إلى الانفعال والغضب.

 

وهكذا، نجحت الفضائيات الإخبارية في تحويل الصراعات السياسية الداخلية إلى معارك متلفزة والتي يجتهد ويناضل فيها الفرقاء علي شغل أكبر مساحة زمنية بحيث صارت قوة الأحزاب السياسية تقاس بالمساحات الزمنية التي تشغلها في برامج الفضائيات الإخبارية وصارت عناصر القوة الحقيقية كتلك الخاصة بالقواعد الجماهيرية وقوة البنيان التنظيمي مسائل غير ذات أهمية بالمقارنة مع التواجد والحضور المكثف في برامج الفضائيات الإخبارية.

 

الحاجة لميثاق يضبط عمل الفضائيات

ويشدد الخبير الإعلامي د. إبراهيم مختار على أنه من أبرز عيوب إعلامنا العربي وأهمها، وبخاصة الفضائيات العربية، عدم وجود ميثاق وطني أو قومي يضبطه ويلتزم به الجميع، وينسجم مع الأسس والمبادئ والأهداف القومية والوطنية التي تشكل الإطار الذي يدور الإعلام في فلكه. إن إعلامنا العربي - نظراً لعدم وجود ميثاق كهذا - أصبح اليوم في معظمه مخترقا ومسيطراً عليه من الإعلام العالمي الذي تهيمن على كثير من وسائله، الصهيونية العالمية والمتصهينة، والمؤسسات المعادية للعروبة والإسلام. ويبدو هذا واضحاً من المصطلحات والتعبيرات المعادية التي تسربت إلى إعلامنا من الإعلام العالمي، وأصبح الإعلام العربي يرددها عن قصد أو غير قصد أو جهل مثل "الأصولية الإسلامية" و"الإرهاب"...الخ.

 

يضاف إلى هذا ظهور نفر من الكتاب الذين باعوا أنفسهم لخدمة الأعداء وسخروا أقلامهم المأجورة لخدمة أعداء الأمة، ويقومون اليوم بنشر ثقافة الاستسلام ويطلق عليهم "مثقفو المارينز".

 

ويتعجب د. إبراهيم مختار قائلاً: من كان يتصور أن يجرؤ نفر من العرب على هجاء المقاومة الوطنية، وأن تعلو بعض الأصوات متهمة إياها بأنها "إرهاب" ومدعية أن المقاومين ليسوا سوى "إرهابيين" و"حربجية"؟ ومن يصدق أن يقول قائل في مصر، إن أهم بلدين في علاقاتها الخارجية هما الولايات المتحدة وإسرائيل، أو يقول إننا يجب ألا نسمح أبدا للعلاقات العربية أن تؤثر في العلاقات مع إسرائيل، في دعوة وقحة لرفع شعار إسرائيل أولاً.

 

وهكذا فنحن لا نرى إعلاما عربيا، وإنما نرى إعلاما ناطقا بالعربية، والفرق بين الاثنين كبير جدا، فلو كان هناك إعلام عربي حقيقي يخدم الأمة العربية لتحمل مسؤولياته في توعية الجماهير وحشد طاقاتها وشحذ همتها، وحثها على الكفاح والنضال ومجابهة التحديات والأخطار، وليس التشكيك في المقاومة والدعوة إلى الاستسلام.

 

تسطيح وإثارة

ويقول د. أمين سعيد عبد الغني: إن القنوات الفضائية العربية ‏الحالية لا تخدم قضايا الأمة رغم تنوعها وإنما تميل إلى التسطيح ‏والإثارة وغياب الحوار الهادف والعلمي، ويغلب عليها السباب وتبادل الاتهامات وتصفية الحسابات. على الرغم من نجاح بعض الفضائيات في فتح الملفات ‏السياسية المغلقة وكشفها للجمهور، ومساهمتها في دعم التأييد السياسي للقضايا العربية، ‏وتغيير بعض المواقف السياسية السلبية والضغط على الأنظمة وتحريك الجماهير وتعبئتهم لمواجهة الخصوم.

 

ويستنكر د. أمين سعيد عبد الغني غياب الفنون العربية الجادة مثل السينما العربية والمسرح والفنون الشعبية والآداب العربية والفنون التشكيلية على شاشات القنوات الفضائية العربية، كما يستنكر أيضا غياب الواقع العربي سياسيا واقتصاديا وثقافيا ودينيا وعلميا عن خريطة القنوات الفضائية العربية، بينما هي تعرض ثقافة الفئات العليا من المجتمع العربي.

 

دور مشبوه

هناك شعور بالريبة وعدم الارتياح في المجتمعات العربية من الدور الذي تقوم به بعض القنوات الفضائية التي تصنف ضمن "الإعلام الموجه للعرب والمسلمين" المدعوم أمريكيا، خصوصا في هذه المرحلة الحرجة من الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة، وهذا الشعور له مبررات عديدة مبنية ببساطة على أساس وقوف هذه الفضائيات إلى جانب الحملة الأمريكية على المنطقة العربية بكل جوانب هذه الحملة الإعلامية والثقافية والدينية.

 

وأخطر ما في الموضوع أن هذه القنوات الفضائية تستحوذ على وعي شريحة واسعة من الجمهور العربي الذي يعتمد في متابعته للأحداث وتفسيرها على الصوت والصورة ومن مصدر واحد فقط هو شاشة التلفاز، مع التفاوت بين هذه القنوات في حجم هذا الاستحواذ بحسب نتائج استطلاعات حديثة.

 

ويمثل الدور المشبوه لتلك القنوات الفضائية مرضا بالغ الخطورة على مستقبل الشعوب العربية والإسلامية في ظل غياب إعلام مستقل قوي ينحاز إلى قضايا الأمة ويعمل على تشكيل رأي عام عربي متماسك يصمد أمام المطالب الأمريكية بالتخلي عن مستلزمات تحقيق هويتنا ووجودنا. ويعمل تعلق الجمهور العربي غير القادر على انتقاء مصادر تلقي المعلومات ووسائل فهم الأحداث وتداعياتها على تشكيل وعي عربي مشوه، ما يؤدي إلى فقدان أي رؤية جماهيرية طموحة وإيجابية وفاعلة تعطي أولوية أكبر لقضايا الأمة المصيرية، ويؤدي هذا بدوره إلى انشغال المواطن العربي بقضايا لا تهمه فينصرف عن هموم الأمة ومشاكل المجتمع.

 

إن هناك برامج تبدوا في ظاهرها مفيدة، ولكنها في الحقيقة تستخدم لنقل الهواجس والشكوك والانتقادات والمطالب الأمريكية التي تثير الشبهات في وجه التيارات الفكرية الإسلامية والقومية التي تعارض الهيمنة الأمريكية، وأحيانا تتضمن هذه البرامج استجوابا لمفكرين وقادة ودعاة ليستفيد بذلك الموساد والسي آي إيه. وفي المقابل هناك برامج تتناول الهموم والقضايا العربية والإسلامية بالتشخيص والتحليل، ويبدوا أن ذلك يعتمد على معدي ومقدمي هذه البرامج، وهذا المقال لا يتناول مثل هذه البرامج وهي نادرة.

تركز هذه الفضائيات بشكل واضح على الرؤية الأمريكية للعالم بقضاياه ومشكلاته، بالإضافة إلى تأكيد فتح نافذة للبيت الأبيض والإدارة الأمريكية وحكومتي شارون وبلير في كل بيت في المجتمع العربي حتى لا تفوت المواطن أي خطاب أو تصريح أو كلمة أو همسة أو إيماءة لجورج بوش وإدارته وأمثالهم من الصهاينة والمتطرفين الغربيين وراء المحيطات إلا ويسمعها، بل ويكرر سماعها حتى يحفظها عن ظهر قلب.

 

كثرة بلا فاعلية

وتقول د. هدى عز الدين أستاذة الإعلام: يمكننا أن نتفاخر بأن العرب قد اقتحموا عصر الثورة الإعلامية بعدد وافر من الفضائيات العربية التي يصل بثها إلى جميع أنحاء العالم. فالرصيد الإعلامي العربي، من ناحية العدد مبهر للغاية ويشهد طفرات كبيرة في أوقات قياسية، ولا يكاد يمر شهر واحد دون أن نسمع عن افتتاح فضائية عربية جديدة، جعلت أعداد هذه الفضائيات يتجاوز المائتين. هذا عن الرصيد العددي، أما عن الرصيد التأثيري الفاعل، فالنتيجة مؤسفة ومخيبة للآمال بكل المقاييس، ويمكن لنا ببساطة أن نقر بأن قنواتنا العربية تقوم بما كان يتمناه خصومنا بدقة شديدة، وربما أكثر مما كانوا يتمنون.

 

فالفضائيات العربية على كثرة عددها، لا تجد ما تبثه في معظم اليوم سوى الأغاني المصورة، المسماة بـ (الفيديو كليب)، بكل ما فيها من سطحية وتسفيه لعقل المتلقي، بل وصل الأمر إلى درجة أن عدد الفضائيات الغنائية العربية بات يفوق الفضائيات العادية، التي لم تخرج هي الأخرى كثيراً عن دائرة الفيديو كليب!!

 

صرخة مسئول عربي ضد ابتذال الفضائيات

الفريق ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي رئيس مجلس إدارة جمعية توعية ورعاية الأحداث بدبي، يتبنى قضية شديدة الأهمية وهي "مناهضة الإعلام السلبي" معتبراً إياه يهدد الأمن القومي، وهو يتهم الفضائيات الهابطة بإشاعة جرائم الشذوذ، وأنها جعلت من أجهزة التلفزة أجهزة الكترونية لممارسة الرذيلة، ويؤكد أن ما يحدث في الإعلام العربي مخيف، وما تبثه هذه الفضائيات فاسد، ويرسخ لثقافة الانحلال لدي أولادنا وبناتنا ويضع كل بنت في مشكلة حقيقية.

 

وفي اعتقاد الفريق ضاحي أن الفضائيات أثرت على الأسرة العربية خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت تقتحم كل بيت وتتخطى كل الحدود وتعمل على مدار الساعة وتؤثر في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والأنماط السلوكية، ولاشك إن اكتشاف تقنية البث التلفازي عبر الأقمار الصناعية قد حقق للبشرية فوائد عديدة، وفتح للإنسانية آفاقا كثيرة، ولكن التداعيات السلبية أثرت بعمق على القيم والسلوكيات الشخصية في جميع دول العالم بلا استثناء، أهمها طمس الهوية الوطنية وخلخلة منظومة القيم الأخلاقية وإضعاف التماسك الاجتماعي وتبديد الوقت، وإذكاء الروح الاستهلاكية، وتأجيج العدوانية، وإثارة الغرائز الجنسية، بالإضافة إلى الآثار السلبية العديدة والخطيرة التي أثرت على كافة الطبقات من مختلف الفئات العمرية.

لقد اتهم قائد عام شرطة دبي هذه الفضائيات الهابطة التي انتشرت في المجتمع العربي والخليجي بإشاعة جرائم الشذوذ أو جعلها تتفشي وفقاً لتعبيره، والخطير في الأمر هو تأكيد الفريق ضاحي خلفان أن وراء هذه الفضائيات تكتلات وتوجهات ومجموعات مصالح يحكمها الفساد والشذوذ، ولديها حب الانتقام، ولذلك تقوم من خلالها بنشر الفوضى في المجتمعات العربية، مشيرا إلى أن هذه النوعيات ما هي إلا إفرازات لفترات سيئة مر بها الوطن العربي والإسلامي خلال العقود الماضية، وإذا لم تتدارك الحكومات والجهات المسؤولة هذا الأمر فإن الدمار الأخلاقي سوف يلحق بشبابنا وشاباتنا، وهو يعتقد أن ما يحذر منه حدث بالفعل، ويخشي أن يتفشي الأمر، وقد لا يكون الرجل رجلاً والمرأة امرأة، إذا لم يتغير هذا الوضع، لأن هناك مجاهرة بالرذائل والفواحش علي شاشات هذه الفضائيات التي تهدد أمننا القومي لأن من لا يحافظ علي مجتمعه ودينه ويبيع نفسه يسهل عليه أن يبيع وطنه.

 

ويرى هذا المسئول العربي الأمين أن الوطن العربي قد أقحم في موجة من الفضاء الفاسد الذي ينشر الانحلال بين الشباب والبنات، وإلي استخدام عبارات إباحية وممارسة الأفعال المخلة بالآداب من خلال هذا الجهاز الذي يدخل كل بيت.

 

فضائيات الملاهي الليلية

د. سهام راضي أستاذة علم الاجتماع تؤكد أن هناك فارقا كبيرا بين الحرية والفوضى، بين الكلمة المسئولة والابتذال، بين البرامج الهادفة والبرامج التي تحرض علي الرذيلة وتتحول إلي معول لهدم قيم المجتمع وأخلاقياته وثوابته.

 

وتتعجب من أن بعض الناس يرون أن الحرية تعني سقوط كل الحواجز، وشطب كل الخطوط الحمراء، وتقول: نحن ليس لدينا مانع في السعي لإسقاط الحواجز التي وضعتها السلطة وتعدي الخطوط الحمراء أيا كانت، ولكن ما نقصده بالحواجز هنا هو مجموعة القيم المجتمعية والعقائدية التي تضع حدا فاصلا بين الحلال والحرام، وبين الحق والباطل، وبين الفضيلة والرذيلة، وبين تكريم الإنسان وإهانته.

 

وتؤكد د. سهام راضي أن بعض أصحاب المدرسة الجديدة في الإعلام لا يعترفون بهذه القيم ولا يفرقون بين الحلال والحرام، يتشدقون بكلمة الحرية التي تعني لديهم حق الخوض في كل المحرمات، والتشهير بكل شيء، والخروج علي نمط القيم السائدة، ويرون في ذلك أمرا طبيعيا ينهي نمط التفكير التقليدي ويخرج عن التابوهات التي عفا عليها الزمن ويفتح الطريق أمام العقل لينطلق ويتقدم!!

 

إننا لا ننكر وجود انحرافات وانهيارات أخلاقية في بلادنا، فهل يعقل مثلاً أن تقوم إعلامية شهيرة بتقديم مصر للجميع علي أنها بلد العاهرات والرجال المهووسين جنسيا، بلد اللحم الرخيص والشذوذ والفجر، وهو أمر لم ينل من سمعة مصر فحسب، بل أصبح يشكل خطرا علي بيوتنا وأبنائنا.

إننا لسنا ضد تناول القضايا المجتمعية أيا كانت في وسائل الإعلام إلا أن الخلاف هنا هو في الطريقة التي يجري بها هذا التناول، فإذا كان التناول سيؤدي إلي حصار مثل هذه الظواهر النشاز والتي تخرج عن القيم والأصول فهذا شيء مقبول ومحمود، أما أن يتحول البرنامج إلي ملهى ليلي يروج للرذيلة ويسعي إلي تحطيم القيم والأخلاق ويسيء إلي سمعة المرأة المسلمة فهذا أمر لا يمكن أن يقبل به أي مجتمع شريف تحكمه أديان وقيم وأخلاقيات.

 

برامج مشبوهة

د. سعيد فاضل أستاذ الفلسفة يقول: هذه البرامج المشبوهة وغير الأخلاقية التي انتشرت في الفضائيات العربية لم تأت صدفة، ولكن وراءها ممولين رأسماليين ورجال أعمال وسياسة مهمتهم الحقيقية تدمير المجتمعات العربية والقضاء علي لغتنا وهويتنا العربية التي لها تراث وأبعاد أخلاقية. هي مؤامرة إذاً نتعرض لها منذ عدة عقود، منذ أن انهزمنا وفقدنا الثقة بأنفسنا وبتاريخنا وبلغتنا وعروبتنا ورحنا نتشبه بأعدائنا أو من كانوا أعداء لنا. أموال وملايين الدولارات تنفق علي هذه المهمة الشيطانية لإفساد الأجيال الجديدة وإشغالها بالبحث عن المال والمتع الحسية دون أي حساب لوازع أخلاقي.

 

هؤلاء الذين يتآمرون علينا لجذبنا إلي ساحة الانحطاط والانصراف عن قضايانا الحقيقية، اختاروا نماذج مناسبة لتحقيق أهدافهم، وضعوا أصابعهم علي نقاط الضعف في هذه النماذج كأن يميلون إلي الشهرة وعشق الذات وحب المال وجمعه والأسفار الكثيرة والرفاهية المبالغ فيها.

ثم جاء ظهور مطربات العري والتنافس في التعري بكل الإيحاءات الجنسية الرخيصة ليكمل ملامح صورة عصر الانحطاط.

 

 8 /4/1428هـ

 25-4-2007م

 

http://www.islammemo.cc                      المصدر: