أسباب فشل الزواج
الشيخ / محمد بن أحمد الفراج
إن من الأسباب التي تودي في الغالب إلي فشل الزواج في أيامه المبكرة، من هذه الأسباب: تعمد مخالفة هدى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - في سنة النظر إلى المخطوبة، فإن السنة الثابتة عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه يسن للزوج أن ينظر إلى مخطوبته وذلك بعد الخطبة وقبل العقد، فإذا ما عزم الزوج وصمم على العقد على هذه المرأة المعينة فلا مانع أن ينظر إليها، ولكن ذلك ليس على الإطلاق، بل محدد بحدود، ومشروط بشروط.
أول هذه الشروط: أن النظر ينبغي أن يكون في حضور محارمها سواءً كان أبوها أو أخوها أو سائر محارمها، فلا يجوز أن يخلو وحده بها، لأنها إلى هذه الساعة أجنبية منه وحرام عليه.
ثاني هذه الشروط: أن يكون بعد عزمه وتصميمه، فإذا ما عزما وصمم وعقد النية الجازمة على الزواج من هذه المرأة فلا بأس أن ينظر إليها، أما إذا كان متردداً، أو كان هدفه من ذلك التلذذ بالنظر إلى بنات المسلمين فليتقي الله، فإنه على معصية عظيمة.
الشرط الثالث: للنظر أن ينظر منها إلى ما يظهر غالباً، ويستدل به على ما سواه، وقد حده فقهاء الإسلام بالوجه والكفين، ينظر إلى وجهها وكفيها فقط، ويستدل بهذين على ما سواهما، ثم بعد ذلك إذا اقتنع بالمرأة وأعجبته فعلى بركة الله، وإلاَّ فلينزل من أول السلم، ولينزل من أول الدرج، وليتقي الله، وإذا ما رأى في المرأة مالا يعجبه فلا يشهر بها، ولا يذكر ذالك بين الناس، والناس إزاء هذه السنة الثابتة على طرفي نقيض، ودليل هذه السنة: أحاديث عديدة، فقد خطب رجلاً امرأة ثم جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم - فقال: ((هل نظرة إليها؟ قال لا، قال اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)).
وقال لآخر: ((اذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً)).
وقال جابر: خطبة امرأة من الأنصار فتتبعتها على غفلة فنظرة إليها إلى ما يدعوني إلى نكاحها فخطبتها، وهذه سنه ثابتة، والناس إزاءها على طرفي نقيض، فمن الناس من لا يعترف بهذه السنة أصلا إلا قليلا، وإذا قيل له قال إن هذا الأمر ما ألفناه ولا تعودناه، وليس من عادات آبائنا ولا أجدادنا، إذا كان يريد المرأة لبيتها وأهلها فأهلاً به، وإلا إن كان قصده المظهر فذلك لا يعجبنا ولا يرضينا، وهذا لاشك أنه مخالفٌ لسنه رسول الله- صلى الله علية وسلم-، فإنه يؤدي إلى أن يدخل الرجل ثم يفاجئ بامرأة لا تروق له ولا ينسجم معها، ثم يؤدي إلى الفشل في أيام الزواج الأولى، وهذا حاصل كثير، أما الطرف الآخر فإنهم أناس يتوسعون في هذا توسع كبيرا، ظناً منهم عن جهل أو تجاهل أن الخطبة تبيح لرجل ما يبيحه العقد، فهذا خطأ وحرام، فإن الخطبة لا تبيح ما يبيحه العقد، ولا يحل أن يستبيح الرجل من المرأة ما يستبيح الزوج حتى يبلغ الكتاب أجله، ويحصل العقد، وأما قبل ذلك فهي حرام عليه، كثير من الناس بحكم مخالطة الكفار، وبحكم عرض الأفلام الفاجرة في كثير من وسائل الإعلام وفي الفيديوهات وغيرها، والمجلات والصور، وتأثر بكثير من العوائد، وانتقلت كثير من العادات الدخيلة إلى مجتمعات المسلمين، أما في هذه البلاد التي طهرها الله فلم تطأها قدم مستعمر، ولم يعبث بها المستعمرون، ولم يستعمروا أرضها ولا خيراتها، انتقلت لديها كثير من البدع والعوائد بحكم مخالطة الكفار الذين تدفقوا إلى بلاد المسلمين من كل حدب وصوب، فحصلت البدع الكثيرة، وحصل التساهل، فكثير من الناس يظن أن الخطبة تبيح ما يبيحه العقد، فربما توسع الزواج أو الرجل مع المرأة في المكالمات الهاتفية قبل أن يعقد عليها، وربما أهدته صورتها وأهدها صورته، وربما اختلا بها وحده لا رقيب ولا حسيب، وهذا حرام، يقول الرسول- صلى الله علية وسلم- ((ماخلا رجلاً بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)) أخرجه الإمام أحمد وغيره.
بل ربما أخذها بالسيارة وتمشى بها في شوارع المدينة، وربما ذهب معها إلى الحدائق والمنتزهات بحجة أنها خطيبته، وربما لامس جسده جسدها كما يفعله كثير من الناس عند الخطبة، يأتون بالرجل والمرأة ويلبسها بدبلة الخواتم الذهبية، ويسلم عليها ويصافحها، ويحصل كثير من المنكرات، بل أدى هذا الأمر ببعض هؤلاء المتساهلين أن يسافر الرجل مع المرأة إلى بلاد بعيده، يسافر بها إلى أوربا، يسافر بها إلى أمريكا، يسافر بها إلى بلاد الشرق والغرب وهي لازالت حرام عليه، نعوذ بالله من هذه الحالة، ولقد حدثني شخص قال كنت مرةً في بلاد كافرة، قال فشاهدت رجلاً أعرفه، رجل سعودي الجنسية، أعرفه ومعه فتاة سعودية، قال فرأيتها في حالةٍ منكرة، فقلت له أما تتقي الله كيف تتخذ الصديقات والخليلات؟ فقال سامحك الله إنها خطيبتي، نعوذ بالله من هذه الحال!! ما الذي سيرنا إلى هذه الأمور المنكرة التي جلبت لدينا هذه المصائب؟ أسأل الله أن يلطف بالمسلمين!! أما كيف يؤدي هذا إلي فشل الزواج في أيامه المبكرة؟ ما ظنكم بفتى وفتاة قد خلا قلبهما من الإيمان والتقوى إلا ما شاء الله، ما ظنكم بحالهما والنفس تشجع، والشيطان يؤجج الغرائز، والنفس أمارة بالسوء، ربما ظفر منها بقبله، ربما ظفر منها بشيء مما لا يحل إلا للزوج، ثم بعد ذلك إذا أروى متعته منها تركها وعدل عن خطوبتها، وعدل عن الزواج منها، وأدى ذلك إلي الفشل في الأيام المبكرة، فلنتقي الله ولنلتزم هدي الرسول- صلى الله عليه وسلم -، فلا خير لنا، ولا عز لنا، ولا استقامة لنا، ولا صلاح لمعايشنا، ولا رقي ولا تقدم في الدنيا ولا في الآخرة، ولا سعادة ولا فلاح لنا في الدنيا ولا في الآخرة إلا باتباع سنة النبي- صلى الله علية وسلم-، يقول رسول الله- صلى الله علية وسلم-: ((من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصي الله ورسوله فلن يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئا)) أو كما قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
ويقول الله - عز وجل - قبل ذلك: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً)) (النساء: 66). ((وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً عظيما وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً)) (النساء: 67). ويقول - عز وجل -: ((مَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى)) (طه: 127، 123).
وكل من تعمد مخالفة هدي رسول الله- صلى الله علية وسلم- في الأفراح والولائم والإسراف وغير ذلك من بدع الزواج والمنكرات فليتوقع الخيبة والفشل.
15/1/1427 هـ