الطفل أحمد شنق نفسه بالحبل .. ووالده يحكي المأساة
إيمان حسين
يبدو أن الأحداث الميدانية في فلسطين سواء ممارسات الاحتلال الصهيوني العدوانية أو الأحداث الدموية العنيفة "الاقتتال الداخلي" التي تفشت مؤخراً في المجتمع الفلسطيني أثرت بشكل كبير على سلوك الأطفال الفلسطينيين، ومع تكرار حوادث العنف هذه سجل برنامج غزة للصحة النفسية حالات عديدة لأطفال فلسطين صنعوا لأنفسهم مشانق، وحاولوا التمثيل على زملائهم وطبقوا ذلك عن طريق اللعب.. ! .
الطفل الفلسطيني أحمد تيسير أبو تيم (10) سنوات لم يشارك أهله هذا العام فرحة عيد الفطر المبارك، ولم يَعد هذا العام إلى مقعد الدراسة كالأعوام السابقة في مدرسة القرارة الإعدادية المشتركة، جنوب قطاع غزة، غادر الحياة مبكراً "على طريقته الخاصة" بإرادة الله بعد أن "سوّلت له نفسه" أن يقلد أفلام الكرتون التي كان مغرماً بمشاهدتها على قنوات الأطفال.. لقد شنق الطفل المسكين نفسه بوساطة حبل الغسيل الذي كان مثبتاً في جدار منزل عائلته الكائن جنوب قطاع غزة..
يقول والد الطفل تيسير أبو تيم لـ (الإسلام اليوم) دخلت على طفلي "أحمد" عصر يوم الخميس، الموافق (23/8/2007) فوجدته "منكباً" على مشاهدة أفلام الكرتون على قنوات الأطفال التي شغلت أبناءنا، وخرجت للعمل في حديقة المنزل، وبعد ساعة ونصف حضرت طفلتي أريج (9) سنوات، وسألتني عن شقيقها "أحمد"، فقلت لها إنه يشاهد التلفزيون، فأخبرتني أنه غير موجود في البيت!!.
يقول الأب المسكين والألم يعتصر قلبه وقد انهمرت الدموع من مقلتيه: انقبض قلبي للوهلة، وانطلقت مسرعاً أبحث عن طفلي داخل غرف البيت فلم أجده، فخرجت لأنظر خلف البيت في الجهة الجنوبية، حتى وجدت طفلي شاخصاً بصره متجهاً نحو الشرق جاثياً على ركبتيه، اقتربت منه، صرخت "فلم يهمس ببنت شفه"، خطر في بالي أنه وقع من على الجدار القريب، حملته مسرعاً إلى حديقة المنزل، وبدأت أجري له عملية تنفس اصطناعي، فنظرت إلى عنق طفلي، وإذا آثار حبل كادت تقطع عنقه، فحملته مسرعاً بلا وعي إلى الشارع العام، واعترضت طريق سيارة عمومية، وصعدت السيارة متوجهاً إلى مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، وفي منتصف الطريق شعرت ببرودة أطراف طفلي وقد شخص بصره، فتيقنت أنه فارق الحياة، فأغمضت عينيه، وقلت لا حول ولا قوة إلاّ بالله، ولما وصلت المستشفى، واستقبله طاقم الأطباء، قالوا: "عظّم الله أجرك.. لقد فارق الحياة.. " وأكد الأطباء أن سبب الوفاة ناتجة عن الخنق والضغط على العنق...
وبكى والد الطفل وهو يروي مأساة ابنه، وقال: "لقد حاول طفلي تقليد أفلام الكرتون، وتبين لي أنه وضع رأسه في قطعة حبل كانت معلقة في زاوية حديدية مثبتة لحبل الغسيل، ولم يستطع تخليص نفسه، ولما ضايقه الحبل حاول التسلق لزاوية حبل الغسيل لينقذ نفسه، فسقط أرضاً، وخنق الحبل عنق طفلي لأجده شاخصاً في النزع الأخير..
ومثّل الوالد المكلوم أمام عدسة مراسل (الإسلام اليوم) كيف صنع طفله "أحمد" من حبل الغسيل حبل مشنقة، ومن الزاوية الحديدية المقصلة.. وانهمرت الدموع من مقل الأب والأم والأشقاء الأطفال "أريج، محمود، بيان، ومحمد" على طفلٍ كانت أمنيته أن يكون مهندس حاسوب (.. ) كان بينهم بالأمس، واليوم يرقد في قبر دون آمال ولا أحلام..
وأكد والد الطفل أن ابنه البكر "أحمد" كان مغرماً بمشاهدة أفلام الكرتون، وكان متعلقاً بها إلى حد كبير؛ إذ كان يقضي ثلاث ساعات وأكثر أمام قنوات الأطفال، ويشاهد خاصة تلك الأفلام التي تحتوي على مشاهد قتال بقدرات خارقة، وتسلق جبال وتنقل بين بنايات عن طريق الحبال، وبوسائل خيالية؛ إذ يشعر الطفل -كما يقول والد الضحية أحمد - بالرغبة في تقليد هذه المشاهد..
وناشد والد الطفل الضحية القائمين على قنوات الأطفال أن يتقوا الله في أطفال المسلمين، وأن لا يبثوا أفلام عنف خيالية، بعيدة كل البعد عن تعاليم ديننا وعاداتنا وتقاليدنا كمسلمين.. وأن يبثوا أفلام وقصصاً تزرع لدى الأطفال مبادئ الدين الحنيف بأسلوب عصري، وبتقنية عالية.
وأصر والد الطفل الضحية -الذي يعمل موظفاً في وزارة الداخلية الفلسطينية- على اصطحابنا إلى غرفة طفله، حيث جهاز الحاسوب، الذي اشتراه له قبل شهرين من حادث وفاته، وشوهدت على طاولة مكتب الطفل إسطوانات ألعاب عسكرية، وقبل وفاته بيومين اشترى له والده ملابس وحقيبة المدرسة، وفتح الأب المفجوع ملفاً لطفله وانتزع منه شهادة الوفاة، ومن بعدها انتزع شهادة النجاح في الصف الرابع الابتدائي بتقدير جيد جداً، ولم يدرِ الوالد المسكين أن العنف المستشري في المجتمع الفلسطيني وعنف أفلام الكرتون قد فتح مبكراً باب قبر طفله الذي لما يكمل عامه العاشر.. !
العنف الدموي وأثره على السلوك
وللوقوف على الدوافع والأسباب الكامنة وراء هذه الحادثة المؤسفة توجهنا للاختصاصية النفسية، عايدة كساب، اختصاصية الأطفال في برنامج غزة للصحة النفسية، التي قالت: إن الطفل "أحمد" الذي تبين من خلال شهادته في الصف الرابع أنه على قدر كبير من الذكاء، وأن مستواه في المدرسة جيد جداً قد يكون تعرض إلى أعراض تُسمى في علم النفس "أعراض ما بعد الخبرة الصادمة" عن طريق ما يشاهده أطفال فلسطين من جثث لشهداء وقتلى بلا رؤوس، ومشاهدة أفلام العنف أيضاً؛ فالطفل "أحمد" عند تكرار مشاهدته لهذه الحالات أصبح عنده نوع من أعراض الخبرات الصادمة، أي أعراض ما بعد الصدمة، ويبدو أن الطفل "أحمد" تعرض في حياته إلى مشاهد عنيفة في الشارع الفلسطيني، وكان أيضاً يشاهد لفترات طويلة أفلام الرعب، الأمر الذي طوّر عنده أعراض خبرة صادمة، بحيث وصل إلى مرحلة يريد أن يطبق الذي شاهده بنفسه، ولا يستطيع أن يسيطر على سلوكه، وقد يكون وصل إلى مرحلة إنهيار وحزن على نهاية شخصية أحبها في الشارع الفلسطيني أو في فلم كرتون، فصار عنده معايشة للحدث، وحاول أن يقلد الحدث بنفسه، إضافة إلى حالات العنف داخل المجتمع الفلسطيني "عنف الاحتلال والاقتتال الداخلي"، فقام الأطفال بتقليد الأشياء، وصنعوا مشانق، وطبقوا هذا عن طريق اللعب، فحين يشاهد أطفال فلسطين جثثاً لشهداء وقتلى بلا رؤوس بالتأكيد فإن هذا من شأنه تشكيل صدمة نفسية لهم، وإذا استمر التعرض لهذه المشاهد مدة أكثر من شهر، تتطور عند الأطفال أعراض العنف إلى ما بعد الخبرة الصادمة..
وأكدت الاختصاصية النفسية كساب أن الأحداث الميدانية في فلسطين سواء ممارسات الاحتلال العدوانية أو الأحداث الدموية العنيفة التي تفشت مؤخراً في المجتمع الفلسطيني أثرت بشكل كبير على سلوك الأطفال الفلسطينيين، لافتةً النظر إلى تكرار حوادث العنف عند الأطفال؛ فقد سجل برنامج غزة للصحة النفسية حالات عديدة لأطفال فلسطين صنعوا مشانق، وحاولوا التمثيل على زملائهم، وطبقوا ذلك عن طريق اللعب، دون أن تُسجّل حالات وفاة، وبرزت هذه الظاهرة في غرفة الألعاب التي يمارس فيها الاختصاصيون النفسيون العلاج باللعب للأطفال في مركز غزة للصحة النفسية، حيث حاول الأطفال صناعة المشانق في فترة العلاج..! .
12/10/1428هـ
23/10/2007 م