مفكر إسلامي فرنسي:
فتنة سخافة لم تقنع الغربيين
هادي يحمد
باريس - اعتبر محمد المستيري مدير المعهد العالمي للفكر الإسلامي بباريس أن فيلم "فتنة" للبرلماني الهولندي جيرت فيلدرز المسيء للإسلام "حلقة سخيفة من حلقات مخطط إسلاموفوبي يستهدف تشويه الإسلام، ولم يقنع الرأي العام الغربي".
وقال المستيري في حوار أجرته معه "إسلام أون لاين.نت": "هذا الفيلم هو حلقة من حلقات مخطط إسلاموفوبي يستهدف تشويه صورة الإسلام والمسلمين، والتخويف من تناميهم، والتحذير من مخاطر أسلمة الغرب، لكنه حلقة ساذجة وسخيفة غير مقنعة للرأي العام الغربي".
واعتبر أن الفيلم الذي عرض يوم الخميس الماضي على الموقع الإلكتروني لحزب فيلدرز "من أجل الحرية" اختزل رسالة الإسلام في الحروب الجهادية للقاعدة، الأمر الذي يمنح هذا التنظيم ومن يتبنى رؤيته الشهرة.
ودعا المستيري المسلمين لعدم الانجرار للاستفزازات التي تضمنها الفيلم بهدف التشكيك في قدرتهم على الاندماج بالغرب.
وفيما يلي نص الحوار:
* إلى ماذا يهدف فيلم "فتنة" تحديداً حسب رأيك؟
- أعتقد أن الفيلم يرمي إلى إحداث فتنة جديدة للمسلمين بالغرب أساساً، والفتنة تعني الاختبار والابتلاء، وهي بذلك مخالفة للمعنى المغلوط والمغالط الذي استعمله صاحب الفيلم بمعنى القتال والحرب مقتدياً بجيل كبيل المستشرق الفرنسي وأمثاله.
فالفيلم يستهدف التشكيك في قدرة المسلمين في الغرب على الاندماج، وحقوقهم المشروعة في أن يعاملوا على أساس المساواة والعدل، واحتراماً لكرامتهم وخصوصياتهم، فهو فيلم إسلاموفوبي يقوم على التخويف من الوجود الإسلامي في الغرب.
ويعلم الجميع أن الأقليات الإسلامية في الغرب تعاني من العنصرية والتهميش، والاستخفاف بحقوقها، فليس لديها تمثيل في البرلمانات ولا المجالس البلدية الأوروبية، وتفتقر إلى استقلالية مادية تؤمن لها حاجاتها في بناء مؤسساتها التربوية والدينية، والثقافية والاجتماعية، فمن السخيف أن تتحول هذه الأقليات من موقع الضحية إلى موقع المجرمة، وهو ما يوحي به الفيلم.
لقد توعد صاحب الفيلم قبل ظهوره بأن يبرز فاشية الإسلام للعالم، ولكنه أظهر فاشيته أكثر حين كشف عن تفاهة الخلط المقصود به تشويه الإسلام وذلك بين الجهاد والإرهاب، وبين المقاومة والاحتلال، وبين دماء أطفال العراق وفلسطين ودماء جلاديهم.
* هل حقق الفيلم غرضه على مستوى الرأي العام الأوروبي حتى الآن؟
- هذا الفيلم في نظري هو حلقة من حلقات مخطط إسلاموفوبي، يستهدف تشويه صورة الإسلام والمسلمين، والتخويف من تناميهم، ومن اعتناق الإسلام والتحذير من مخاطر أسلمة الغرب.
لكنه حلقة ساذجة وسخيفة غير مقنعة للرأي العام الغربي، فهي بقدر ما تثير مشاعر الاشمئزاز من الوصل بين القرآن والإرهاب فلا بد أن تحرك في نفوسنا مشاعر الرأفة من مستوى الحماقة والجهل التي سقطت فيه.
فلا يمكن أن يصدق عاقل أن هذا الإسلام الذي كرم بني آدم، والذي يعتبر صانع الحضارة والمساواة بين الناس، وداعي التآخي والمحبة بين جميع الأديان؛ يمكن اختزاله في الجماعات الجهادية المسلحة، ولا يغيب عن المنصفين أن ليس كل جهاد مسلح هو عمل إرهابي، بل قد تدعو المقاومة من أجل تحرير الوطن، واسترداد الكرامة إلى حمل السلاح.
ولا يخفى على أحد أنه لا يمكن أن تتساوى أسلحة الدمار الشامل التي تستبيحها لنفسها القوى العظمى مع الأسلحة اليدوية التي تستعملها المقاومة في قطاع غزة أو بغداد.
* فضلاً عن الشهرة التي لحقت بمنتجه هذا الفيلم يخدم من أيضاً؟
- لا شك أن إصرار الفيلم على اختزال رسالة الإسلام في الحروب الجهادية المعاصرة باسم "القاعدة" هو إكساب شهرة للقاعدة ذاتها، باعتباره يدعم رؤيتها للبديل العسكري الوحيد في التغيير، ويؤكد على احتكارها صفة المقاومة، ومشروعية تأويل القرآن بالشكل المحارب.
وتخدم هذه القراءة الموالية للقاعدة قوى التطرف والفوبيا في العالم الذي يشهد حرباً تكفيرية بين الشعوب والثقافات والحضارات تغذيها القوى المنادية بالصراع، وحروب التطهير، وعلى رأسها أمريكا بقيادة الرئيس جورج بوش، وتقابلها القاعدة بقيادة أسامة بن لادن.
فمن المستفيد من هذا الفيلم الإسلاموفوبي سوى ثقافة العنف والكراهية والتخويف من "الآخر" الذي نجهله؟! فالفيلم يصب في اتجاه تغذية الفتنة بين الشعوب التواقة لحياة سلمية ضمن الاحترام المتبادل، والدفع بها نحو الانكفاء على الذات وردود الفعل المتطرفة.
* الآن وبعد نشر الفيلم ما الذي يجب على المسلمين فعله عامة و مسلمي أوروبا خاصة؟
- الفيلم استفزاز سخيف لمشاعر المسلمين عامة وفي الغرب خاصة، فليس من الحكمة التهويل من شأنه، فدع الكلاب تنبح والقافلة تسير.
وأعتقد أنه لا يحتاج منا سوى جهد الاستنكار، وإن تعدى هذا الجهد ليتحول إلى عمل احتجاجي عارم فسوف نسقط في فخه، والهدف منه هو إلهاء الموقف والخطاب الإسلاميين عن قضاياهما الأم وفي مقدمتها مقاومة هجمة الاستعمار الجديد ومكائد الصهيونية العالمية، والنهوض الحضاري لشعوبنا في جميع مجالاته، كما يستهدف الفيلم إلهاءنا عن التوطين الهادئ للوجود الإسلامي في الغرب ضمن احترام القانون، وتساوي الفرص والكرامة بين الجميع.
فلا ينبغي أن تنساق الأقليات الإسلامية في الغرب في ردود الأفعال العنيفة، لقد برهنت هذه الأقليات عن نضجها أثناء حرب الخليج، وحروب البلقان، ومجازر فلسطين؛ فكان التعبير عن احتجاجها سلمياً.
ولا تعني السلمية التزام الصمت، فلا بد من استعمال جميع الوسائل المشروعة مثل التظاهر في الشوارع، وإقامة العروض الثقافية للرد على حملات التشويه للإسلام والمسلمين، وتنظيم الحوارات مع أهل الحكمة والتعقل والإنصاف من الغربيين حتى نشكل جبهة سلم قوية في مقاومة ثقافة الأحقاد والفوبيا والعنف.
ولا بد أن نطالب السياسيين الرسميين داخل أوروبا وخارجها باتخاذ الموقف المناصر لحقنا في الكرامة، وأن نطالب الكنيسة الكاثوليكية بالتوقف عن إثارة الشبهات حول الإسلام، فلا يمكن أن نقبل تصرف بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر الأخير حين احتفل إعلامياً بمناسبة عيد الفصح باعتناق مسلم مقيم في إيطاليا المسيحية.
فهذا سلوك استفزازي يتناقض جوهرياً مع دعوة الكنيسة للحوار مع المسلمين، ويدعم الاتجاهات التنصيرية المتطرفة داخل الكنيسة.
وختاماً أستطيع القول: إن الإسلاموفوبيا ليست مرضاً عارضاً فحسب بل أعراض لمرض مزمن أصاب الحضارة الغربية وهو مرض الاستعلاء والغرور، والانفراد بالحقيقة.
فلنتحد مع جميع دعاة السلم في العالم من أجل التصدي لهذا المرض الفتاك، ولنقدم النموذج الطيب داخل المسلمين وذلك بالمبادرة في الحوار، وقبول الاختلاف والتعاون على ما فيه خير البشرية، وهو مقصد الإسلام وجميع الأديان في جوهرها.