مصر وحماس علي غرار سوريا وحزب الله!
جمال عرفة
30/10/1428هـ
لا أحد يعرف بالضبط سر هذا الصخب الإعلامي الذي تشنه صحف ومراكز أبحاث صهيونية منذ فترة ضد مصر، وتتهمهما من خلالها بأنها تفعل مع حماس نفس ما تفعله سوريا مع "حزب الله" من دعم بغرض أن تحارب هذه الفصائل الدولة الصهيونية نيابة عن مصر وسوريا، وهو الضغط الذي انتقل لأروقة الكونجرس!.
هل هو الرفض المصري - والعربي عموماً خصوصاً السعودي - لحضور "زفة" أو مؤتمر السلام الأمريكي الذي لم يتم تحديد أجندته حتى الآن، والذي يستهدف بدرجة أساسية تسويق الدولة الصهيونية إعلامياً، وإجبار الدول الخليجية تحديداً على الجلوس على طاولة واحدة مع الصهاينة بما يعنيه هذا من مكسب لم تحلم به "إسرائيل" يوماً؟!.
أم هي الرغبة في الضغط على مصر لإحكام الحصار على غزة، وعلى حماس بنسبة 100% ضمن خطة صهيو - أمريكية لاجتياح القطاع باعتبار أنه مأوي للإرهابيين بعدما أصبح قوياً يستعصى على الاجتياحات الصهيونية التقليدية بفعل تغيير تكتيكات حماس العسكرية، وحصولها على سلاح أمريكي جديد هو سلاح فتح الذي تركه أنصارها وهربوا لمصر والضفة، خصوصاً أن وزيرة الخارجية الأمريكية زارت مصر خصيصاً مؤخراً للحديث عن عدم رضاها من إحكام مصر منافذ التهريب لغزة كما زعمت؟!.
أو هو الاستعداد المبكر لمواجهة دخول مصر عصر النووي السلمي بعدما أعلن الرئيس المصري مبارك يوم 29 أكتوبر 2007م بدء تدشين البرنامج النووي المصري السلمي ببناء 8 محطات نووية بعد تأخير استمر قرابة ربع قرن، وتعطيل للبرنامج المصري منذ الخمسينات من القرن الماضي، خصوصاً أن الكيان الصهيوني لديه مخطط استراتيجي لإجهاض أي برنامج نووي عربي حتى لو كان سلمياً لوجود خطر استراتيجي عليه في حالة تطور هذا البرنامج، ووصوله لمرحلة تخصيب اليورانيوم، ووجود شكوك صهيونية دائمة في سعي الدول العربية لمعادلة النووي الصهيونية بنووي عربي يضرب التفوق الصهيوني، ويهدد من ثم الكيان الصهيوني؟!
الواقع، واستعراض بعض نماذج من هذه الحملة يقول: إن كل هذه الأسباب وغيرها الكثير وراء هذه الحملة الصهيونية المتصاعدة، فـ"تسفي برئيل" مراسل الشؤون العربية في صحيفة "هآرتس" كتب مثلاً يقول في أواخر أكتوبر 2007م أن "مصر - وفقاً للمصادر الاستخبارية (لصهيونية) التي تغذي الصحافة - تتطلع إلى رؤية إسرائيل "هامدة"، وربما تسعى عموماً إلى إلغاء معاهدة السلام، أو التصالح مع حماس من أجل تهدئة الإخوان المسلمين عندها"!.
وزعم - نقلاً عن هذه المصادر الاستخبارية الصهيونية - أن "مصر تلعب مع إسرائيل الدور الذي تلعبه سوريا في نظر الولايات المتحدة، فهي مسئولة عن تعاظم قوة حماس العسكرية، وتهريب الأسلحة عبر الأنفاق، وتواصل إطلاق صواريخ القسام، وتهريب المخدرات والنساء عبر الحدود"!، وأن "الإحباط العميق الناجم عن عدم اندلاع حرب ضد سوريا في الصيف أصبح يفرغ من خلال تحويل الغضب نحو دولة عربية أخرى هي مصر التي غضبت منها الدولة الصهيونية لسماحها بمرور 80 من عناصر حماس الخبراء في المتفجرات بعد أن تدربوا - حسب الادعاء - في إيران، وكأن صواريخ القسام كانت بانتظارهم خصيصاً".
تحريض على عقوبات أمريكية:
واللافت هنا أن الصهاينة يحرضون واشنطن ضد مصر، ويدعون لمعاقبتها بتجميد المساعدات الأمريكية المقدمة لها، ويحركون نواب الكونجرس كل فترة لإعداد قانون في هذا الصدد مثلاً، وأن تحركهم يجري بالتوازي مع يهود أمريكا، وطرح منظمة يهودية أمريكية أفكار مماثلة عن عقاب مصر اقتصادياً - في دراسة نشرتها وكالة أنباء "أمريكا إن أرابيك" - تتحدث عن ثلاثة سيناريوهات محتملة لنظام الحكم في مصر خلال السنوات القادمة وهي: إما توريث الحكم، أو صعود "حصان أسود" جديد من السلطة، أو وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة وهو الاحتمال الأضعف بالنسبة لها، حيث دعت المنظمة إلى التعامل بأسلوب "العصا والجزرة" مع "الجيل الجديد الذي يوشك أن يستلم السلطة في مصر "قبل أن تمثل مصر تهديداً لـ"إسرائيل"!.
ومع أن الصحيفة الصهيونية تكشف أن مصر طلبت من تل أبيب أن توافق على زيادة عدد عناصر الشرطة المصرية الذين يتولون حراسة الحدود بصورة ملموسة، وأن "إسرائيل" ترفض بسبب خوفها من حدوث ثغرة أخذت في الاتساع في اتفاق كامب ديفيد، وتقول: إن "إسرائيل" وافقت على قيام مصر بالحراسة بالتراكتورات الصغيرة، ومروحيتين في أقصى الأحوال، وأنها غاضبة لأن مصر أرسلت 750 جندياً إضافياً إلى الحدود من قبل إخراج الـ750 الأوائل الذين كانوا قد جاءوا في الفوج السابق، فهي تعترف بأن مصر ليس لها مصلحة في تسهيل تهريب السلاح لحماس عبر سيناء لأن هذا السلاح يستخدمه بدو سيناء الغاضبين أيضاً على الحكومة المصرية.
أما المنظمة الصهيونية الأمريكية - اللجنة الأمريكية اليهودية - فيركز في التحليل الذي كتبه إيران ليرمان مدير مكتب إسرائيل والشرق الأوسط في اللجنة على "نوايا مصر"، فيما يتعلق ببعض السياسات الخاصة بالعلاقة بين "إسرائيل" ومصر، ومن بينها قضية تهريب الأسلحة إلى غزة عبر سيناء، وقدرة قواتها المسلحة في سيناء، ويزعم بدوره سماح السلطات المصرية بدخول ناشطين وقادة من حماس إلى غزة من خلال مصر.
وقال أنه: "عندما تم اتخاذ إجراءات في الكونجرس الأمريكي لتعليق جزء من حزمة المساعدات العسكرية رداً على هذا، قام مسئولون مصريون في زيارة إلى واشنطن بتوزيع ورقة تزعم قيام جنود إسرائيليين بإدارة عصابات تهريب، كما لو كان القادة السياسيون الأمريكيون ليسوا أكثر من حشود من السذج الذين تربوا طوال سنوات على حكايات المؤامرات اليهودية".
وتابع ليرمان قائلاً: إن كل هذا ينبغي أن يُنظر إليه على خلفية ما وصفه بـ"التشويه العميق والسيئ والمنهجي لإسرائيل (والولايات المتحدة) التي تسود المشهد العام المصري، والمؤسسات التعليمية"، مستشهداً في ذلك بدراسة صدرت عن اللجنة الأمريكية اليهودية نفسها و"مركز مراقبة تأثير السلام" المقرب من اللوبي "الإسرائيلي" بعنوان "الحرب والسلام وإسرائيل والغرب في الكتب المدرسية المصرية".
وتساءل ليرمان في النهاية: "هل ستخاطر مصر الآن بأن تصبح تهديداً من جديد على إسرائيل؟ وأشار إلى أن الجيش المصري "هائل" من ناحية العدد والمعدات (الأمريكية)، ثم تحدث عن استئناف مصر ما أسماه "مبادرة نووية" في إشارة واضحة للقلق الصهيوني من بناء مصر مفاعلات نووية.
هناك إذن تحريض صهيوني واضح ضد مصر، وقلق من رفض مصر حصار غزة بصورة كاملة، أو المشاركة في الخطط الصهيونية لإضعاف حركة حماس تماماً لصالح حركة فتح كي يسهل تنازل فتح عن ثوابت فلسطينية عديدة في مؤتمرات السلام مثل مؤتمر "أنابولس"، وهناك قلق من البرنامج النووي المصري، وهناك قلق أكبر من أن يأتي التغيير المتوقع في السلطة في مصر في ظل كبر سن الرئيس مبارك على حساب كل هذه الملفات، سواء فيما يخص وصول رئيس جديد لا تعرف نواياه تجاه الصهاينة، أو وصول الإخوان المسلمين للسلطة الذي رغم توقع عدم حدوثه يدرسه الصهاينة بدقة وقلق!.
خطة عالمية ضد الإسلاميين:
ويبدو أن أكثر ما يقلقهم هو الرفض المصري للانصياع الكامل للخطط الأمريكية والصهيونية التي تتعارض حتى مع الثوابت القومية المصرية، والأهم هو الصعود الكبير للقوى الإسلامية في المنطقة العربية، والمخاوف من وصولها للحكم مستقبلاً في وقت تسعى فيه الدول العربية لبرامج نووية، وتحصل على تسليح أمريكي يخشى وقوعه مستقبلاً في يد قوى إسلامية كما وقع بعضه في يد حماس في غزة!
وربما لهذا طرحت وزيرة الخارجية "الإسرائيلية" تسيبي ليفني في اجتماع الأمم المتحدة السنوي ما زعمت أنه خطة تتضمن فرض قيود على مشاركة الحركات الإسلامية في أي انتخابات تجرى في جميع أرجاء العالم لمنع وصولها للحكم بحسب صحيفة هاآرتس "الإسرائيلية"، بل وسعت لحشد التأييد لخطتها، وتبني قرار يصدر عن الجمعية العمومية يتضمن فرض قيود على مشاركة "الحركات الإرهابية" في الانتخابات؟!.
وكان المثال الذي ضربته "ليفني" في خطتها هو حركة حماس الذي زعمت أنها "تصلح كمثال على منظمة إرهابية تسلمت الحكم بوسائل ديمقراطية، وتفرض بقوة السلاح أجندة غير ديمقراطية"!.
ولا يخرج عن هذا أيضاً ما طرحه الصهيوني "موشي يعلون" رئيس هيئة أركان الجيش "الإسرائيلي" الأسبق الذي دعا لحرب عالمية على ما أسماه "الإسلام الجهادي"، قال: إنها يجب أن تكون "حرب لا هوادة فيها" على حركات "الإسلام الجهادي"، تجمع بين الوسائل السياسية والاقتصادية، والإعلامية والتربوية والعسكرية، معتبراً أن حركات مثل حماس و"حزب الله" بجانب القاعدة تعتبر كلها ضمن تيار "الإسلام الجهادي"!.
وبدوره نصح "يعلون" أمريكا والغرب بـ"توجيه المساعدات الاقتصادية الغربية للدول الإسلامية التي تكون حكوماتها على استعداد لتبني مبادئ الحضارة الغربية"!!.