هل تتجرع حماس كأس السم؟
عبد الحق بوقلقول - كاتب جزائري
30- 1- 2008م
من حق كل واحد حالياً أن يكون له موقف من حركة المقاومة الإسلامية حماس، وطريقة تسييرها للوضع، وقيادتها للممانعة، فهي أولاً وأخيراً حصيلة جهد بشري يسعى إلى استخلاص وسائل حراك من رصيد تاريخ نضالي تراكمي تراوح بين المقاومة المسلحة إلى المقاومة السياسية.
وبالتالي فإن سجل هذه الحركة ليس مثالياً بكل تأكيد، فهي أيضاً ارتكبت الأخطاء، وتجاوزت الحدود في أحيان كثيرة؛ إلى حد أنها صارت مؤخراً وفقاً لما تبينه التقارير محل صراع أجنحة حقيقي بين صقور وحمائم، وتتعدد الأفكار وسطها لتتوزع عبر أطياف سياسية، خاصة وأنها حركة لا تبدو عليها مركزية القرار؛ لأنها تعيش "تجاذبات" واضحة في أعلى هرم القيادة منذ اغتيال مؤسسها الشيخ أحمد ياسين ثم خليفته الدكتور الرنتيسي - عليهما رحمة الله - ربيع العام 2004م، ولقد كانت الضربتان مكلفتين بشكل كبير جداً لأنه وخلافاً لما هو باد؛ ما تزال قيادة الحركة حتى الساعة بعيدة عن احتوائهما، حتى إن قوة الخطاب بين قيادات الداخل والخارج يبدو شاسعاً، فضلاً عن أنه لا مجال للمقارنة أيضاً بين خطابي القيادات في قطاع غزة والضفة الغربية.
من هذا المنطلق في وسع المتابع أن يلوم حماس على عدم تمكنها من الإمساك بكامل خيوط اللعبة، لأنها لم تستطع أن تدير لعبة السياسة بالتوازي مع مبدأ المقاومة بشكل جيد، خصوصاً منذ دخلت الانتخابات التشريعية وفازت فيها بأغلبية الأصوات، مما منحها الحق الشرعي في تشكيل الحكومة، ولأنها قبلت هذا الرهان، وتحملت مسئوليته؛ فقد كان حرياً بها أن تدرك أنها تقود حكومة في ظل الاحتلال، وأن تحركها سوف يكون مضبوطاً بسقف اتفاقات أوسلو، حتى وإن ظلت مصرة على عدم الاعتراف بتلك البنود؛ لأن الاعتراف هنا أو عدمه لا يكفي، ولا بد من أن تكون الجهة التي تشكل الحكومة مدركة لما يعنيه قرارها من التزامات تفرضها الواقعية السياسية على أي حال.
وفق هذا الكلام نستطيع القول: إن قرار حماس في شهر حزيران/ يونيو الماضي حسم الأزمة الأمنية الخطيرة في القطاع، مع أنه خيار يبدو من الناحية الأمنية البحتة معقولاً ومبرراً؛ ولكنه من زاوية السياسة قرار خطير هيأ للذين عارضوا مبدأ تولي الحركة المسئولية التنفيذية فرصة لا تعوض، استثمروها في تصعيد خطاب "شيطنة" حماس، ودفعها نحو أضيق الهوامش، معتبرين ما جرى في القطاع "انقلاباً" على الشرعية، وما إلى ذلك من أوصاف مشينة، مع أنه من غير الممكن قانونياً اعتماد هذا التوصيف، لأن حماس أصلاً انطلقت من مسئولية أنها تقود الحكومة الشرعية، فكيف يمكن القول إن الأمر انقلاب إذن، ما دام المنقلب والمنقلب عليه في هذه الحالة واحد، أو على حد تعبير الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك: كيف نتعامل مع انقلاب قادته حكومة منتخبة؟
الخطأ الذي وقعت فيه حماس يتعلق تحديداً بإساءتها تقدير عواقب تحركها الأمني، لأنه يفترض في الذين يقررون سلوك هذا الصنف من الحلول؛ تقدير كل الحيثيات، ودراسة الاحتمالات، ولست هنا بوارد التغاضي عما جرى خلال ذلك لأن التقارير متضاربة، ولا يستطيع المتابع هنا أن يكون دقيقاً حينما يبرئ جهة ويتهم أخرى بشكل مطلق، إلا أنه من الطبيعي جدا القول: إنه كان من الأجدر بحماس أن تعمل على استيعاب تلك المظاهر غير السوية في القطاع، وتجتهد للتوصل إلى حل لها بالشراكة مع الفتحاويين، لأن هذه الحركة برغم تغلغل الفاسدين فيها، وباعتراف مسئوليها؛ لا تخلو من المخلصين وأصحاب الماضي المشرف في النضال والمقاومة، فهل كان من المعقول مثلاً أن يتخلف شخص في مستوى فاروق القدومي عن التحرك لو أنه منح سلطة وساطة جدية وهامش وقت كاف لأجل رأب الصدع وتقريب وجهات النظر بين رام الله وغزة؟
هذا الكلام لا يعني في المقابل أن الذين يقفون على الطرف الآخر أبرياء، فهؤلاء أيضاً لم يدخروا جهداً في سبيل العودة إلى السلطة باعتماد كل السبل، وإن كانت حماس قد تسرعت في قرارها؛ فإن الذين حاربتهم تسرعوا هم كذلك في القبول بمخطط الجنرال دايتون الذي كان يمنّيهم بتسريع التفاوض، واستئناف السلام، والتفرغ لمسائل الحل النهائي؛ بمجرد أن يتخلص الفلسطينيون من حركة حماس التي أوجد واقع رئاستها للحكومة وضعاً سياسياً لا يمكن أن تتحرك الولايات المتحدة خلاله، ولا يستطيع الغربيون لذات السبب أيضاً أن يفعلوا شيئاً لأنهم ببساطة يعتبرونها منظمة "إرهابية" تجرم القوانين عندهم التواصل معها بأي شكل من الأشكال.
كان من الطبيعي إذن - وقد سارت الأمور على هذا النحو - أن تبلغ الأوضاع هذا المآل الكارثي الذي لا خلاف في أنه يمثل واحدا من أسوأ صور مراحل القضية الفلسطينية منذ بدايتها، في ظل وضع عربي مشلول وغير قادر على فعل أي شيء، حتى ولو اجتمع القادة العرب عن بكرة أبيهم؛ يتبادلون المقترحات فيما بينهم أسابيع طويلة لأن الواقع ينبئ مع الأسف أن العرب ما عادوا قادرين على التأثير بسبب أنهم تنازلوا إلى حد لم يعودوا معه يملكون شيئاً يتنازلون عنه!!
أما وقد اضطر الشعب المصري قيادته السياسية إلى أن تتجاوب مع مطالبه، ووقف وقفة شجاعة؛ حصرت خيارات السياسيين في القاهرة إلى حدودها الدنيا - خصوصاً بعد أن أكمل الفلسطينيون من الجانب الآخر نصف المهمة، وخرقوا جدار الحدود في رفح - فإن الوضع بالشكل الحالي يعني أن القيادة المصرية صارت في موضع قوة يمكنها من تحمل مسئوليتها كاملة دونما خوف من التصعيد الأميركي، مما يعني قدرتها على فك أسر شعب مضطهد اجتمع عليه إجرام الاحتلال، مع تواطؤ دولي مفضوح يصر على مقارنة مقاومة بسيطة بصواريخ محدودة مع جيش مدجج بترسانة أسلحة تتراوح بين التقليدي والمحظور.
لذلك فإن الوضع حالياً لا بد أن ينظر إليه من زاوية أخرى ملخصها أن القيادة المصرية تمكنت بشكل غير مسبوق أن تعيد ترتيب أوراق مهمة، وتستند على دعم شعبي قوي لتوجه رسائل واضحة إلى الولايات المتحدة التي تملك 11 بالمئة من أوراق اللعبة، خصوصاً وأن في واشنطن من يحرص على أن يذكر المصريين في كل مرة بما (تمنه) الخزانة الفيدرالية هناك عليهم، وكأن مصر هي فقط الملزمة بالسلام مقابل إطلاق يد الإسرائيليين ليعبثوا كيفما شاءوا.
بالتالي، فمن الأخلاقي هنا الاعتراف بأن الموقف المصري، شجاع ومسئول، أما المطلوب حاليا، فموقف عربي يسند موقف القاهرة، ويجنبها ضغوطا، إذ يتعين على الإدارة الأميركية أيضا أن تدرك أن السلام الذي التزم العرب به ليس هروبا من المسئولية، بل هو خيار حيوي (حتى ولو لم يكن فهم القادة العرب له بهذا الشكل)، وهذا هو صلب ما لوح به الرئيس مبارك في خطابه الأخير، حينما تحدث عن عدم استعداد بلاده للسكوت عن هذا الوضع!!
إنها تطورات حساسة، وبما أن القاهرة ألحقتها بدعوة صريحة إلى لقاء ترعاه بين "الأخوة الأعداء"، فإن المطلوب إذن أن تثبت حماس أن قراراتها المصيرية بيدها، مما يعني أنها ملزمة بتحمل الشطر الأكبر من المسئولية، وأن تتجرع "كأس السم"، فالإجرام الإسرائيلي معروف، وتواطؤ بعض الفلسطينيين معه موثوق ومشهود، خاصة وأن الرئيس عباس قد أظهر أنه لا يملك قراره ولا يستطيع التخلص من تأثير الأميركيين والمتأمركين من حوله، إلا إذا ما مُنح ورقة جديدة تعيد له توازنه ونقاط القوة في موقعه.
لقد أعلنت مصر استعدادها للوساطة الحيادية، وهذا تطور يحسب لها، وبالتالي فإن على حركة حماس في غزة أن تتخذ قرارها التاريخي، وتعلن استقالة حكومتها، ودعوتها الرئيس عباس لأن يعيد تشكيل مؤسسات السلطة في القطاع بالشكل الذي يرغب، مع التعهد أيضا بتنظيم انتخابات تشريعية مسبقة، تعيد ترتيب الأوراق وتذهب عن الحمساويين وهم السلطة، إلى جانب أنها ستكون كفيلة بأن تفوت على السياسيين في إسرائيل وأميركا على السواء، فرصة تلطيف أوضاعهم الانتخابية أمام الرأي العام عندهم على حساب الدماء الفلسطينية، التي باتت أرخص من برميل النفط العربي.
مطلوب من حماس أن تستند إلى شرعيتها النضالية، وتقدم على خطوة عملاقة في مستوى تضحيات أبنائها، تفاديا لتكاليف أكبر، لأن العرب الذين ناشدهم خالد مشعل، لا يملكون أن يحققوا له شيئا ملموسا في ظل هذا الانقسام الفلسطيني العميق، فلماذا تكون حماس قادرة على التهدئة مع الإسرائيليين، ولا تكون قادرة على الإذعان لشروط، ولو كانت قاسية، من الفلسطينيين والعرب؟ أليس العفو عند الكرام شيمة أم تراها لا تعلم أن الإسرائيليين لا يفرقون بين أبنائها في كتائب القسام وأبناء فتح في شهداء الأقصى؟
إن إسرائيل حاليا تنتظر نتائج تقرير لجنة فينوغراد، و كل المراقبين يجمعون على أن مستقبل أولمرت السياسي محكوم بما سوف يقدم عليه بعد ذلك وبالتالي، فإن هذا المتعجرف سوف يسعى إلى جعل القطاع كبش فداء يقدمه إلى محرقة الرأي العام، عساه يستعيد بعض النقاط الكثيرة التي فقدها، نتيجة مغامرته في لبنان صيف العام 2006م، فضلا على أن غزة مع الأسف، في وضع مكشوف، وأما الزعماء العرب، فقد ظهرت على أكثرهم ملامح الرضا بالمشروع الأميركي، فهل سيكون من الحكمة هنا السماح بتطور الأمور في هذا الاتجاه؟
صحيح أن تراجع حماس، قد يلتقطه بعض أصحاب الأقلام من الذين يجتهدون هذه الأيام في تبرير الإجرام الإسرائيلي، ويرعبون مصر من مخططات توطين وهمية جديدة، بمعنى أن تراجع الحركة قد يعتبر ضعفا منها وإقرارا بالفشل، ولكن هذا الكلام لا يعني شيئا في حركة التاريخ وخط سير المقاومة، فضلا عن أنها خطوة لن تكون بأي حال من الأحوال، أكثر إيلاما من أن نرى مزيدا من البؤس والظلم المقنن على مرأى ومسمع من العالم كله.
فيا ليت حماس تقرر اختيار الحل الشجاع وتدع الحكم للتاريخ، لأن هذا الأخير سيشهد حتما ذات يوم لصالح من أخفض جناحه لشركائه فيما تبقى من الوطن، خاصة وأن الحرب وسط هذا كله، كر وفر!!