ولنا في تجربة التيار الصدري عبرة

د. عبد الحميد الكاتب

27/3/2008م

النهاية التي وصل إليها التيار الصدري ليست بغريبة أو أنها لم تكن متوقعة، فالمقدمات تدل على النتائج، فبدايات انطلاقه غير المنظمة، ثم تكويناته من رعاع الناس والساقطين من المجتمع؛ ثم ضعف خبرة قائده (السيد مقتدى)، مروراً بالتقلبات السياسية؛ كل ذلك كان مؤذناً بعدم استمرار هذا التيار ومحافظته على ما سماه (نجاحاً) سياسياً.

المتابع للأحداث العراقية، والدور السلبي للتيار الصدري وما يسمى (جيش المهدي) يجد نفسه مرغماً للوقوف أمام نقطتين في تاريخه القصير، وإليها تعزى التحولات الخطيرة في ممارسات هذا التيار، وما نتج عنها من آثار على واقع ما يسمى (العملية السياسية) في العراق، وإن شئت فقل تكريس الاحتلال الأمريكي في العراق.

النقطة الأولى هي تلك التي أعقبت زيارة (السيد مقتدى الصدر) إلى المملكة السعودية ليستلم منها مبالغ كبيرة لدعمه ودعم تياره، ولا بأس أن نذكر أن المملكة السعودية لم تدعم أي جهة أخرى بمثل هذا الدعم، المهم أنه انتقل منها مباشرة لزيارة الجارة إيران، ويذكر المراقبون أن تلك الزيارة استمرت لأيام طويلة، ليتحول جيش المهدي عقب ذلك مباشرة من (مقاوم للاحتلال) إلى ميليشيات طائفية تمارس الجرائم الطائفية من اختطاف وتعذيب، وقتل وتهجير بشكل علني ومبرمج ومنظم، والأدهى والأمر أن تلك الجرائم كانت في الكثير من الأحيان بمساندة من قوات الاحتلال الأمريكي.

وإذا ربطنا بين تلك الزيارة للجارة إيران، وبين انطلاقة الجرائم الطائفية؛ فإننا لن تستغرب كيف توقفت هذه الجرائم بشكل سريع ومفاجئ، البعض لم يستوعب لماذا توقفت تلك الجرائم، وأين اختفت تلك الميليشيات، وبالرغم أنه قد تم في حينها الإعلان عن سيناريو الحملة الأمريكية ضد قيادات جيش المهدي، ثم الإعلان عن تجميد جيش المهدي، إلا الكثير أدرك أن صفقة إيرانية أمريكية تقف وراء كل ذلك.

أما النقطة الثانية فهي إعلان (السيد مقتدى الصدر) قبل أيام قرار اعتزاله السياسي بحجة التفرغ العلمي وما تلاها مباشرة من الحرب الواسعة والمفتوحة ضد عناصر جيش المهدي، فقد أثار ذلك التساؤل عند البعض هل اعتزل السيد أم عزل؟ ولكني أعتقد أنها صفقة أخرى قام السيد بموجبها ببيع (جيش المهدي) بعد انتهاء مهمته ودوره، ويبقى السؤال: ما الثمن الذي قبضه السيد من وراء صفقته هذه؟

وإذا ما جمعنا بين هاتين النقطتين فيمكننا أن نخلص إلى أن (جيش المهدي) قد كان أداة بيد غيره، حتى ما إذا انتهت الحاجة إليه فكان لابد أن يتم تصفيته، وبكل وضوح نقول: إن جيش المهدي هذا قد دفع إلى ممارسة تلك الجرائم الطائفية ليحقق أهداف الاحتلالين (الإيراني والأمريكي)، ومن الواضح أن الاحتلال الإيراني قد جنى من وراء ذلك الكثير، فقد عمق الهوة الطائفية بين الشعب العراقي للوصول إلى الفيدرالية ولاسيما فيدرالية الجنوب التي ستكون بلا ريب تابعاً له بواسطة (المجلس الأعلى)، ولذلك فقد كانت العديد من الجرائم الطائفية تشترك فيها (قوات بدر) التابعة للمجلس الأعلى بل قل هي المخطط والمحرك؛ وما جيش المهدي إلا أداة.

أما الاحتلال الأمريكي فيكفيه أنه تمكن من إقناع (مناطق السنة) أن الميليشيات الطائفية أخطر من الهمرات الأمريكية، ولذلك جاءت الصحوات عن قناعة تامة للكثير من المغرر بهم من أبناء المحافظات السنية، بل قل من بعض أبناء المقاومة، فانقلبوا حماة للمحتل الأمريكي، وكفوه مؤونة مطاردة أبناء القاعدة - والتي استطاع الأمريكان أن يخترقوهم كذلك - الذين استباحوا بجرائمهم دماء الناس الأبرياء، وكانوا جزءاً من المخطط الذي جعل الكثير من الناس تكره المقاومة واسم الجهاد.

وإذا كان ما تقدم من الوضوح بمكان فإننا نقصد من وراء ذكره التذكير بما يستفاد منه من دروس يمكننا أن نجملها بالآتي:

1. ليس في السياسة أمان لأحد، فالمالكي الذي كان يقول أن المساس بجيش المهدي يعد انتحاراً سياسياً هاهو اليوم - وهو ليس بعسكري - يقود بنفسه الحملة ضد الذين أوصلوه لمنصب رئيس الوزراء.

2. على الذين يفرقون بين الاحتلال الأمريكي والإيراني أن يراجعوا حساباتهم، فليس الاحتلال الإيراني بأخطر من الأمريكي فهما وجهان لعملة واحدة، ولا يغرنك تبادل التهم في الإعلام وهما وإن اختلفا في (الملف النووي) فإنهما متفقان تماماً في الملف العراقي، فهل يصح أن نصف الاحتلال الأمريكي بأن (وجوده في العراق إيجابياً) كما ورد على لسان أحد قادة الصحوة؟

3. وأيضاً نسأل قادة الصحوة كيف تأمنون على أفرادكم وقد قدمتم كل المعلومات عنهم، وكشفتم جميع أوراقكم، إن كان للذئب أمان على الغنم فقد أثبتت تجربة جيش المهدي أن ليس لأمريكا وعملائها أي أمان.

4. ثم إلى الذين دخلوا (اللعبة الأمريكية السياسية في العراق)، وقد كانوا يراهنون على مواقف التيار الصدري في دعم بعض مطالبهم؛ ماذا بقي لديكم من أوراق الرهان وقد احترقت جميعاً، وعلى من تعولون في (لعبتكم) مع قوات الاحتلال الأمريكي وعملاء الاحتلال الإيراني؟ فإن كنتم لا تزالون تدعون أنكم قادرين على التلاعب بتعارض مصالحهم فإني أقول لكم: أن (التحريش بين الكلاب) غير مضمون.

ولا أدري هل من المناسب أن نختم بالتوجيه إلى أبناء العراق ممن خدع فكان جزءاً من (جيش المهدي) - وغيرهم - فنذكرهم أن ما يجري اليوم ما هو إلا جزء من الانتقام الإلهي لما ارتكبت أياديهم من جرائم وحشية، وأن الله يمهل ولا يهمل، أم أن الران قد غطى القلوب فما عادت تفقه شيئاً، وأن العمى أصابهم فلا يستطيعون تفرقة بين الظلام والنور.

http://www.aliraqnews.com:المصدر