الإسلام الصوفي 1-2
د. محمد يحي
25 أكتوبر 2007م
في الفترة الأخيرة كثر الحديث في الغرب وليس في الدوائر الإعلامية فحسب وإنما في الدوائر الثقافية والأكاديمية والسياسية وحتى العسكرية حول ما يمسى بـ"الإسلام الصوفي"، والذي يعتبرونه الصنف أو الشكل المقبول من الإسلام في مواجهة شكل آخر غير مقبول هو ما يسمى بأسماء عدة أبرزها "الإسلام الأصولي" أو "الراديكالي" أو "المتطرف".
وقد استعرضت في مقال سابق مسألة الإسلام الجاوي في إندونيسيا، وكيف أنها استخرجت فجأة من أضابير التاريخ السياسي القريب لذلك البلد لتتحول إلى مطلب أمريكي جديد يطرح على الساحة الإندونيسية في مواجهة التيار المتصاعد للحركة الإسلامية هناك، والتي ازدادت خطورتها في نظر أمريكا والغرب عامة بسبب أنها خرجت من النطاق المحلي الإندونيسي أو حتى الإقليمي، وأخذت تبدي التعاطف مع القضايا الإسلامية العامة على مستوى العالم ولاسيما القضية الفلسطينية، والعراقية، والأفغانية وغيرها.
وقد حددت في ذلك المقال الملامح التي يراها الغرب جديرة بالاهتمام والإبراز في الإسلام الصوفي بأنها نوع من الإغراق في طقوس ومظاهر تبدو روحانية (وليست تعبدية)، والابتعاد عن الاهتمام بأمور الدنيا والشريعة، والسياسة والاقتصاد، ثم تقبل الذوبان في أي نظام دنيوي سائد بصرف النظر عن طبيعته سواء أكان علمانياً أم دكتاتورياً أم تابعاً ذليلاً للغرب.
وفوق ذلك يرى الغربيون أن الإسلام الصوفي الذي يتصورونه يأخذ من ينابيع سابقة على الإسلام في البلاد المحلية، وأغلبها وثني، أو هندوسي، أو بوذي سواء في إفريقيا أو في آسيا، مما يجعله المجال المثالي لما يبشر به البعض هناك الآن من إدماج للإسلام وإعادته إلى جذور أو أوضاع مسيحية سواء في دول الإسلام الممتدة على طول قارتي آسيا وإفريقيا، أو في القارة الأوروبية نفسها حيث أعداد المسلمين المتزايدة والكبيرة التي تزعج الغرب سواء أكانوا مسلمين أصلاً من أهل البلاد في شرق أوروبا وروسيا، أو من ذوي الأصول غير الأوروبية كما هي الحال في غرب أوروبا.
وفي هذا الإطار كثر الحديث مؤخراً عن الإسلام الصوفي في بعض بلدان أفريقيا الغربية مثل: السنغال ونيجيريا، وعن الإسلام الصوفي في المغرب، مع ملاحظة أن الغالبية العظمى من المهاجرين إلى البلدان الأوروبية الرئيسية هم من أبناء منطقة المغرب الكبير، وعن الإسلام الصوفي في بلدان البلقان - ولاسيما البوسنة -، وعن الإسلام الصوفي في تركيا، وصولاً إلى بعض جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، وكذلك دار حديث حول الإسلام الصوفي في الهند مثلاً متمثلاً في تأثيرات هندوسية وسيخية.
وفي جميع هذه الأحوال فإن الحديث الإعلامي والأكاديمي الغربي لا يدور حول الصوفية وطرقها ومشايخها كما عرفها التاريخ الإسلامي القديم والحديث، كما لا يدور حول أوراد وأذكار، ونشاطات تعبدية أو مجاهدات روحية تقوم على أساس الإسلام بقدر ما يدور حول كيان معين تخيله الغرب ينبني على موقف متفتح ومتسامح تجاه الأديان والمذاهب والشعوب الأخرى غير الإسلامية، بل هو يذهب في هذا الانفتاح والتسامح إلى حد أنه يسقط تعاليم الإسلام وشريعته وهويته المميزة على كل الأصعدة في سبيل الاندماج مع الغير، ومع نظام عالمي مهيمن، ويجعل من هذا الاندماج أولوية قصوى تجب ما عداها.
هذا هو الموقف الذي يصفه الغرب الآن بالإسلام الصوفي، ولا عجب في أن يحظى بالإعجاب الغربي لأسباب محددة:
أول هذه الأسباب أن هذا الضرب المسمى بـ"الإسلام الصوفي" يتطابق بشكل غريب بل ومريب مع الدعوة السائدة الآن في أوروبا وبالذات لإدماج المسلمين في الكيان الأوروبي الاجتماعي والثقافي، بمعنى الذوبان والالتحاق والتبعية، مع إسقاط أي غيرة للهوية الإسلامية سواء أكان ذلك في مجال السلوكيات الاجتماعية، أو الفكر والعقيدة، أو الرؤى والقيم العامة.
والكيان المسمى بالإسلام الصوفي، والذي اخترعته الدوائر الغربية اختراعاً هو الأكثر ملائمة لتسهيل عملية الاندماج بمعنى "التذويب" هذه، ولهذا السبب مثلاً يكثر الحديث في فرنسا بالذات - وهي البلد الأكثر تشدداً في موضوع الاندماج - حول ما يسمى بالدور الإيجابي للتصوف المغربي في هذا الصدد.
وللحديث بقية.