فيروس الردود!

سلمان العنزي

29/10/1428هـ الموافق له 10/11/2007م

من المزالق التي ينساق وراءها بعض الأكابر من أصحاب المبادئ والأفكار، ومن يحمل في نفسه همَّ الأمة يؤرقه، ويهد كيانه، ويأخذ من حياته: ردودهم على الخصوم الذين لا يهدأ لهم بال، ولا ينام لهم حقد، فهم يبحثون في الصغير والكبير، يغمطون الفضل ويحاولون تدسيته، ويعلنون الخطأ والنقص، ويكبرون الصغائر حتى يضيق بها فضاء الحياة!

وإن من بلايا الزمن المعاصر كثرة الردود والتعقيبات والحواشي مما لا ينفع غير جيب كاتبه، فلا يخرج عالم، أو مفكر، أو أديب عملاً يزيد في عمر الأمة، ويكون فرجة يتنفس من خلالها الناس هواء صالحاً يفرجون به عن نفوسهم المكروبة إلا وتجد شخصاً قد وهب قلمه للشيطان، وسبل منافعه للأهواء والأطماع، والبحث عن الشهرة من وراء نقد الكبار، والتهجم على شخصياتهم أو علمياتهم دون أن يكتب كلمة واحدة يرفع بها الحرج القابع فوق كاهل الأمة، فأشغلوا الحياة بتفاهاتهم، وكانوا عبئاً فوق العبء، والمشكلة أن بعض الفضلاء قد مال معهم فقرظ كتاباتهم، وأثنى عليها إما حرجاً أو جبراً لخاطر، أو استجابة لمحب أو عملاً بالظن، أو تماشياً مع دافع الحسد.

إن وجود هذه الظاهرة مما يستهلك الوقت، ويقضي على الجهود، ويفرق الصف، وينهج للأعداء طريقاً ينفذون من خلاله إلى مآربهم البغيضة، والواجب على أهل الفضل ممن مستهم غائلة النقد الفارغ أن يتلفتوا إلى أعمالهم، ويمضوا في طريقهم، ويتركوا هؤلاء الصغار لتيار الزمن الغالب، وهو كفيل بمحو آثارهم، وإزالة أسمائهم، وتعفية أوهامهم.

إن الردود على هؤلاء تمدهم بأسباب الحياة، وتكسبهم معنى البقاء، مع ما يحصل من تعطيل للأوقات عن واجباتها الملحة، وإضعاف لنسق العمل المتنامي الدؤوب، والناظر في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - يجد أن العمل النافع في حياته قد حاز على القسم الأكبر منها، ولم يبق معه وقت للنظر في شنآن الخصوم، وكيد الأعداء، وما حصل من القضايا كقوله من لكعب بن الأشرف وما شابهها إنما حصل لا نظراً منه لشخصه، وإنما للدين، وما يواجهه من عقبات إن لم ينفع معها اللين والسهولة واليسر فلا بد من القوة تزيلها، وتفتح للناس طريقاً ينتفعون به.

ومن التجارب النافعة في هذا الباب ما حصل للأمير شكيب أرسلان وهو رجل وهب نفسه لقضايا المسلمين والعرب، ولم يرتح طوال حياته جهاداً لا ينقطع، وعملاً لا يهدأ، وهمة لا تفتر، وقد اكتسب من العداوات التي تضر وتؤذي بمقياس الناس فلم يبال بذلك إلا أنه ابتلي بقضية أخذت من وقته، وأهدرت قدراً من طاقته، وضيعت بعض جهده؛ قضية الردود على الخصوم، والكتابة في تفنيد آراءهم مما يمس النيل من شخصه ومقصده، يقول في كتاب كتبه لكرد علي يشرح به الحال (وبينا نحن على أهبة العمل في كتاب الأندلس؛ إذ جاءتنا التزرية المعهودة، فأخذت من وقتنا شهرين وزيادة لا عمل لنا فيها إلا تحرير المقالات، والدفاع عن أنفسنا في شيء نحن نعلم وأعداؤنا يعلمون هم أنفسهم أننا براء منه، وقد أحصيت ما كتبته من مقالات وكتب خصوصية في هذا الموضوع فبلغ ألفين وخمسمائة صفحة، أي لو لم أقع في هذا الافتراء الذي افتراه علي من لا يخشى الله، ولا يستحي من عباد الله؛ لكنت أتممت جزأين أو ثلاثة من كتاب الأندلس).

والأمير يلوم أعداءه وكان هو أحق باللوم لو انكفأ على عمله، ولم يصرف همته العالية في الكتابة راداً ومفنداً لما يقوله خصومه، لأن الحكم في النهاية للتاريخ، وهو قد أثبت لنا أن هذه الخصومة قد ذهبت أدراج الرياح، ولم يبق منها ولا من أشخاصها ولا من ردودهم وافتراءاتهم ما يشغل قلب الزمان، وبقيت كتب الأمير ومقالاته وجهوده علماً عليه، ومناراً يجذب الأبصار إليه.

وما أجمل ما قاله أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة: "كلْ أعداءك إلى ربك الذي إذا عرف صدقك وتوكلك عليه فلل حدهم، وعفر خدهم، وسيح الفرات إلى جمرتهم حتى يطفئها، وسلط الأرضة على أبدانهم حتى تقرضها، وشغلهم بأنفسهم، وخالف بين كلمتهم، وصدع شمل جميعهم، وردهم صاغرين ضارعين، وعرضهم عليك خاضعين، وما ذلك على الله بعزيز، وإن الله مع المحسنين على المسيئين).

ما لـلــذين أذود عن أعراضــهـم                     وأذب عنــهم بالـلســان وبالـــيـد

يتواطــؤون عليّ في خلواتهــــم                   ويعرضــّون بسمــعتي وبمـحتدي

يا مـن خدعت بلطفهم لا تحذروا                   أنا لا أقابل بالعـــداء الـمــعــتدي

قلبي مباح للضـيوف ومهـجـتـي                   بشّــــــاشة لمــغرد ومـــعـــربـد

http://www.islamtoday.net:المصدر